يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«القرن الأفريقي».. حضور إرهابي نشط وإصلاحات مضطربة

السبت 13/أكتوبر/2018 - 11:00 م
المرجع
محمد الدابولي
طباعة

«ذهبت السكرة وجاءت الفكرة»، هكذا يمكن تلخيص الوضع في منطقة القرن الأفريقي (شبه جزيرة تقع في شرق أفريقيا) ، فأغلب التحليلات السياسية التي تناولت التطورات في المنطقة، خلال الأشهر الأخيرة كانت مفعمة بالحماس نحو مستقبل جديد ينتظر المنطقة، يبعدها تمامًا عن دائرة الصراعات الأهلية والفقر والتهميش والإرهاب.

وشكلت التطورات السياسية في إثيوبيا منذ بداية العام الجاري دفعة قوية لتلك الآمال، إذ تمخضت عن صعود سياسي لإثنية «الأورومو»، التي ظلت مهمشة منذ نشأة الدولة الإثيوبية الحديثة، فرئيس الوزراء الإثيوبي الجديد «أبي أحمد» ـ أورومي الأصل _ انتهج سياسة انفتاحية سواء على الداخل الإثيوبي وعلى المستوى الإقليمي حيث منطقة القرن الأفريقي.


أبي أحمد
أبي أحمد

تلقف «أبي أحمد» زمام المبادرة في المنطقة محاولا «تصفير» مشكلاتها وأزماتها، التي استمرت عقود طويلة من الزمن، بداية من حل الخلافات مع أريتريا، وتسوية الأوضاع مع الجانب الصومالي انتهاءً بالمشاركة في تسوية الخلافات بين الفرقاء في القرن الأفريقي؛ كالخلاف الإريتري ــــــــ الجيبوتي.

تحركات «أبي أحمد» المدفوعة بدعم من دول الشرق الأوسط، كالإمارات ومصر والسعودية التي احتضنت اجتماع جدة (19 سبتمبر 2018) لتسوية الأزمة بين دول المنطقة، شكلت نقطة دافعة نحو تبني رؤى أكثر عقلانية حول مستقبل المنطقة ومآلات الأمور فيها، إلا أن تطورات الأمور في المنطقة مؤخرًا، شكلت صدمة أزاحت الصورة الرومانسيَّة التي حاول البعض رسمها لمستقبل المنطقة، فالمنطقة لا تزال في بؤرة الصراعات بين الدول الإقليمية والدولية، كما أن الدول الكبرى لم تتخل عن سياساتها في التدخل في شئونها، رغم أن تلك التدخلات أسهمت بشكل كبير في السقوط إلى بئر الإرهاب والتطرف.


عاصفة الحزم
عاصفة الحزم
مخالب قطرية

وعلى سبيل المثال نجحت قطر خلال العقد الأول من الألفية الجديدة في تثبيت مخالبها في دول المنطقة عبر العديد من الأدوات كغطاء لأهدافها المشبوهة، مثل المساعدات الإنسانية التي قدمتها لمتضرري الكوارث الإنسانية، كالمجاعة في الصومال أو حتى ادعاء الوساطة بين دول المنطقة لتثبيت وجودها في المنطقة، مثلما حدث في النزاع الحدودي بين جيبوتي وإريتريا حول منطقة «رأس دميرة» عام 2008، وتمكنت قطر من استغلال تلك الأزمة، ونشرت بعض الوحدات العسكرية على الحدود بين البلدين، تحت بند تهدئة الأمور بين الجانبين.

وفي الآونة الأخيرة وبعد انطلاق عمليات «عاصفة الحزم» بدأ يتشكل إدراك متزايد بالأهمية الحيوية والجيوستراتيجية لدول منطقة القرن الأفريقي، في إطار الحرب على الإرهاب، واستعادة الشرعية في اليمن، ففي البداية انخرطت دولة جيبوتي في العمليات عارضة أراضيها كمنصة لانطلاق طائرات التحالف لأهدافها في اليمن.

جانب من المصالحة
جانب من المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا
وتعززت الأهمية بصورة أكبر خلال الفترة الماضية، حينما نجحت الإمارات والسعودية في رعاية جهود المصالحة بين دول المنطقة؛ حيث احتضنت مدينة جدة في سبتمبر 2018، التوقيع على اتفاق المصالحة بين إثيوبيا وإريتريا، ولقاء بين الرئيسين الإريتري والجيبوتي لإذابة الجليد بينهما وتمهيدًا للمصالحة بينهما.

ومن المؤكد أن التحركات السعودية ــــ الإماراتية في القرن الأفريقي، لم تلق ارتياحًا داخل الأروقة السياسية في الدوحة، ما عزاها إلى التحرك المشبوه مرة أخرى في القرن الأفريقي، فبدأت في البداية باختراق الدوائر الأمنية والاستخباراتية الصومالية عبر تعيين المراسل في قناة الجزيرة «فهد الياسين» نائبًا لمدير جهاز الاستخبارات في الصومال.


وتواصلت السياسات القطريَّة لزعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي عبر العديد من التحركات أوضحها موقع «الصومال الجديد» في تقرير حمل عنوان «قلق قطري من الاتفاقية الصومالية الإثيوبية»؛ حيث باشرت قناة «الجزيرة» الهجوم على التقارب الإريتري ـــــ الإثيوبي وادعت خدمته لأهداف إماراتية، كما شنت حربًا عبر وسائل التواصل الاجتماعية على الرئيس الصومالي «محمد عبد الله فرجامو» لتقاربه الأخير مع إثيوبيا والصومال، كما تتلكأ «الدوحة» في تنفيذ الاتفاقيات التنموية في الصومال التي سبق الاتفاق عليها في نهاية ديسمبر 2017، ومؤخرًا في 12 أكتوبر 2018، قام وفدٌ عسكريٌ قطريٌ بزيارة العاصمة الصومالية «مقديشيو»، لبحث بعض الملفات لم يتم الإفصاح عنها، إلا أنه من المحتمل أن تكون الزيارة من أجل الضغط على الحكومة الفيدرالية في مقديشو، لوقف التقارب مع إثيوبيا ودول المقاطعة العربية الإمارات والسعودية، فالزيارة أتت بعد يومين من اعتزام شركة موانئ دبي تطوير ميناء «بربرة» الصومالي.
«القرن الأفريقي»..
ورغم المحاولات الإصلاحية التي يبديها رئيس الوزراء الإثيوبي «أبي أحمد» منذ توليه السلطة في ربيع 2018، فإن الأزمات الإثنية الداخلية تظل عائقًا أمام جهوده في تسوية الأوضاع داخليًّا وخارجيًّا، ففي البداية واجه النظام الإثيوبي تمردًا في إقليم أوجادين بقيادة رئيس الإقليم «عبدي عمر»، وما لبث أن نجح الجيش الإثيوبي في إخماد التمرد والقضاء عليه خلال شهر أغسطس 2018.


ومؤخرًا شهدت العاصمة الإثيوبيَّة «أديس أبابا» السبت 12 أكتوبر، تمردًا عسكريًّا قاده بعض منتسبي الجيش الإثيوبي احتجاجًا على تدني رواتبهم، إلا أن «أبي أحمد» نجح في امتصاص غضبهم معتمدًا على شخصيته الكاريزمية محاولًا مظاهر التمرد العسكري إلى حصة تدريبية رياضية.

ورغم نجاح «أبي أحمد» في امتصاص التمرد الأخير فإنه يشير بوضوح إلى أن الأمور لم تستتب بالشكل الكامل في البلاد، وأن هناك أيادي وأطرافًا بعضها داخلي والبعض الآخر خارجي يهمه في المقام الأول، ضرب التقارب الذي تم مؤخرًا مع إريتريا والصومال، وثانيًا بقاء واستمرار التنظيمات الإرهابيَّة في منطقة القرن الأفريقي، التي تشكل لبعض الدول مخلب قط يتم استخدامه وقت اللزوم، فمؤخرًا كشفت تقارير أممية عن تعاون اقتصادي كبير بين حركة الشباب الصومالية المصنفة إرهابية والنظام الإيراني في تهريب الفحم الذي يعد المصدر الأول لتمويل الحركة.
«القرن الأفريقي»..
استنفار حركة الشباب

وخلال الأشهر القليلة الماضية شهد الصومال وكينيا تصاعدًا في أداء حركة الشباب، التي نجحت خلال الفترة الماضية في توجيه ضربات متتالية للعديد من الأهداف الأمنية فى البلدين، ووفقًا لموقع «الصومال الجديد» شنت حركة الشباب 418 هجومًا خلال الشهور الستة الأخيرة، شملت مقرات أمنية بالولايات الصومالية الجنوبية مثل شبيلي أو تمركزات للجيش الكيني في محافظة «لامو» بشمال كينيا.

إضافة إلي التصعيد العسكري تزايد الحديث أيضًا عن الاختراقات الاستخباراتية التي نفذتها حركة الشباب في الصومال وإثيوبيا، فالضابط السابق في المخابرات الصومالية «عبد الله عبد الله»، أوضح في أكثر من مناسبة باختراق حركة الشباب للاستخبارات الصومالية وأن نائب مدير الاستخبارات الحالي «فهد الياسين» على صلة وثيقة بحركة الشباب، وعلى الجانب الكيني كشفت أجهزة الأمن الكينية عن تجنيد حركة الشباب لعدد من الجنود الكينيين يمررون المعلومات والتحركات إلى حركة الشباب منهم جندي منتسب إلى وحدة حراسات الشخصيات الهامة في كينيا.
«القرن الأفريقي»..
إهمال داعش

ونفذت الولايات المتحدة خلال عام 2018، أكثر من 21 غارة جوية، مستهدفة تمركزات وقيادات حركة الشباب في الصومال، حسبما أعلنت  قيادة القوات الأمريكية في أفريقيا «أفريكوم» إضافة إلى الغارات الأمريكية يغير الطيران الإثيوبي والكيني من حين لآخر على مواقع الحركة.

ورغم الغارات المتتالية فإن الحركة نجحت في التكيف معها، ومددت وجودها في الصومال، مهددة العاصمة من آن لآخر، وما يهمنا في تلك النقطة هو تركز الجهود الأمريكية والإقليمية كافة على مواقع حركة الشباب دون فرع تنظيم «داعش» الإرهابي في شمال شرق الصومال؛ حيث جبال «عيل مدو»، وذلك رغم مرور ثلاثة أعوام كاملة على إنشائه بقيادة «عبد القادر مؤمن».

ولذا فإن إهمال الجهود المحلية والإقليمية والدولية لقتال «داعش» في الصومال، قد يشكل في المستقبل القريب خطرًا داهمًا على دول المنطقة، ينسف كل محاولات تحقيق الاستقرار بها، في ظل تواتر التحليلات عن احتمالية نقل تنظيم «داعش» لقواعده إلى الصومال، في ظل خسارته للموصل والرقة.

وفي بداية عام 2018 قرر الاتحاد الأفريقي تقليل وجوده في الصومال ونقل المهام الأمنية من قوات «أميصوم» إلى قوات الجيش والأمن الصومالي في محاولة لتثبيت الاستقرار في البلاد، ودعم تلك القوات.

وتتزايد المخاوف الدولية والإقليمية جراء قرار الاتحاد الأفريقي بتقليل قوات «أميصوم» في الصومال ونقل مهامها إلى القوات المحلية، فقد عبرت كينيا تكرارًا ومرارًا عن تخوفها من تقليل موازنة «الأميصوم» وأثر ذلك على حركة الشباب، حيث يرجح المسؤولون الكينيون أن تستغل حركة الشباب الفراغ الأمني الذي ستتركه قوات «الأميصوم».

وأخيرًا نستنتج أن التطورات السياسية الأخيرة في منطقة القرن الأفريقي والتقارب بين دوله، مازالت رهينة عديد من العوامل مثل انتشار الجماعات الإرهابية، فضلًا عن تدخلات بعض القوى التي تعمل على زعزعة استقرار الإقليم.  
"