يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

التقارب الإريتري ــــ الصومالي.. ورقة «طلاق بائن» بين الدوحة ومقديشو

الخميس 02/أغسطس/2018 - 10:39 ص
المرجع
نورا بنداري
طباعة
يشهد القرن الأفريقي حاليًا، إطارا جديدًا من التحالفات وإبرام الاتفاقات بين دول المنطقة؛ فى محاولة للم الشمل وتوحيد الصفوف، خاصة بعد الصراعات الدامية التي طالت المنطقة لعقود طويلة، في سبيل إنهاء صفحات المقاطعة، والتصدي للتدخلات الخارجية التي تهدد الأمن والاستقرار الأفريقي، إضافة إلى مواجهة التنظيمات الإرهابية المتطرفة.

وكان آخر هذه التحالفات في 30 يوليو الماضي، حينما أبرم الرئيسان الإريتري «اسياس أفورقي»، والصومالي «محمد عبدالله محمد» خلال زيارة الأخير لإريتريا، اتفاقا ينص علي استعادة العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء بين البلدين، بعد قطيعة دبلوماسية دامت خمسة عشر عامًا، كما اتفق الجانبان على أن إريتريا تدعم بقوة، الاستقلال السياسي والسيادة ووحدة أراضي الصومال، وجهود شعبها وحكومتها، من أجل استعادة مكانتها وتحقيق تطلعات شعبها.

التقارب الإريتري
وجاءت زيارة الرئيس الصومالي لاريتريا، بعد ثلاثة أيام فقط من تقارب مماثل بين الجارتين إريتريا وإثيوبيا، تجلى في توقيع إعلان مشترك في التاسع من يوليو الماضي، وهي الخطوة التي أنهت قطيعة دامت لما يزيد على عشر سنوات. 

وتعد هذه التحالفات المختلفة غاية في الأهمية، لمعرفة تداعياتها على الشأن الإقليمي بالقرن الأفريقي.

الخروج من العزلة 
تعد زيارة الرئيس الصومالي لإرتيريا هي الأولي من نوعها منذ استقلالها عن إثيوبيا عام 1993، كما جاءت في سياق الرغبة الصومالية في الخروج من العزلة وتحسين علاقتها الإقليمية، وهو ما عبر عنه «عبد النور محمد» المتحدث باسم الرئاسة الصومالية، الذي أشار لاستعداد بلاده لفتح صفحة جديدة مع إريتريا، موضحًا أن التعاون الدولي هو مفتاح التقدم في القرن الأفريقي. 

وترجع تلك القطيعة الطويلة إلى اتهام «مقديشو» لإريتريا بدعم حركة «الشباب المجاهدين» المتطرفة، الأمر الذي تنفيه «أسمره»، وهو ما ترتب عليه قيام «الأمم المتحدة» بفرض عقوبات على إريتريا منذ عام 2009، شملت تجميد أصول ومنع مسؤولين سياسيين وعسكريين من السفر، بالإضافة إلى حظر على الأسلحة. 

ووفقًا لرؤية خبراء؛ فإن زيارة الرئيس الصومالي تعكس خروج «مقديشو» من المأزق الاستراتيجي الذي أضحت عليه مع اندلاع الأزمة الخليجية حينما قامت دول (السعودية ومصر والإمارات والبحرين) بمقاطعة لقطر، الأمر الذي يعكس إعادة النظر في الدبلوماسية الصومالية في سياق التحولات الإقليمية الراهنة. 
التقارب الإريتري
تحجيم النفوذ القطري 

تؤثر التقاربات وعودة العلاقات بين دول القرن الأفريقي بالتأكيد على نفوذ «الدوحة» في المنطقة؛ حيث توجد قطر بشكل مكثف في هذه المنطقة، حتى تواصل تقديم الدعم والتمويل للتنظيمات الإرهابية، وفي هذا يتجلى حرص السفير القطري لدى «مقديشو» «حسن حمزة أسد هاشم» على الالتقاء سريعًا بوزير الخارجية الصومالي، «أحمد عيسى عود» في «أسمرة» عشية زيارة رئيس الصومال لإريتريا، بما يكشف القلق الذي يعتري «الدوحة» جرَّاء احتمال التحاق الصومال بعملية إنهاء الأزمات التي ترعاها الإمارات في القرن الأفريقي.

كما أن التوتر الذي شهدته العلاقات القطرية ـــــ الإريترية خلال الفترة الماضية، على خلفية الاتهامات التي وجهتها «أسمرة» للدوحة في مارس 2018، بتقديم الدعم للميليشيات الإسلاموية الإريترية، ودعم التنظيمات المتطرفة هناك، سيساهم في مواجهة التدخلات القطرية وتحجيم نفوذها في القرن الأفريقي، خاصة بعد التقارب بين إريتريا والصومال، وبين إريتريا وإثيوبيا، وما يزيد من هذا الأمر؛ التوافق الإثيوبي ـــ الإماراتي ـــ الإريتري، ففي مارس 2018 تم الاتفاق بين الإمارات وإثيوبيا وجمهورية أرض الصومال (غير معترف بها دوليًّا)، على أن تكون «أديس أبابا» شريكة لموانئ دبي بحصة قدرها 19% في إدارة ميناء «بربرة» في «أرض الصومال».

ومما يوضح اتجاه التحالفات الأفريقية نحو تحجيم نفوذ «نظام الحمدين» في القرن الأفريقي، هو أن قطر تنشط في الصومال منذ فترة طويلة وتعمل على دعم الميليشيات الإرهابية هناك، وتقوم بشراء ولاءات شيوخ مناطق داخل الصومال، وتدعم في الوقت نفسه الصراعات فيما بين الأقاليم، لضمان ولاء بعض المجموعات، كما تعمل الدوحة على إثناء «مقدشيو» عن موقفها المحايد من الأزمة الخليجية، والانحياز للدوحة لتنفيذ أجندتها الداعمة للإرهاب.
التقارب الإريتري
إغراءات قطرية للصومال 

وتعمل الدوحة على استمالة الصومال وإغرائها، من خلال طرق مختلفة، يأتي من بينها:
** مساعدات إنسانية: إذ خصصت قطر 90.7% من تبرعاتها التي بلغت قيمتها نحو 26.7 مليون دولار أمريكى خلال 2017، لخطط الاستجابة الإنسانية والتبرعات الطوعية الأخرى، لثلاث دول، هي: الصومال وسوريا واليمن، إضافة إلي أنه منذ عام 2010، قدمت قطر للصومال حوالي 210 ملايين دولار أمريكى كمساعدات إنمائية، وفي نوفمبر 2017 وقَّعت الدوحة اتفاقًا ثنائيًا مع الحكومة الصومالية بقيمة 200 مليون دولار، يركز على خلق فرص العمل، ودعم البنية التحتية، والتعليم والتمكين الاقتصادي، ما يعني أن الدوحة تستغل المساعدات الإنسانية كستار لدعم الجماعات المتطرفة الموجودة في الصومال من أجل استخدامها لشن هجمات فى دول بعينها لخدمة المصالح القطرية والإيرانية في المنطقة.

** مساعدات عسكرية: قامت الدوحة في فبراير 2018، بتقديم مساعدات عسكرية للصومال، حيث تمرر الدوحة من خلال تلك المساعدات الأسلحة في صورة تعاون حكومي بين البلدين، ووفقًا للمعارضة القطرية؛ يعد هذا وسيلة يقوم بها «نظام الحمدين» لدعم الإرهاب تحت ستار مجالات التعاون المختلفة.

وتقوم الدوحة، وفقًا لبعض الوثائق التي أصدرتها وزارة الخارجية الأمريكية، أيضا بتمويل «حركة الشباب المجاهدين» الصومالية، وهي المسؤولة عن العديد من الهجمات الإرهابية ضد الحكومة الانتقالية في الصومال.


التقارب الإريتري
وبالتالى تدل زيارة الرئيس الصومالي لإريتريا، وعودة العلاقات؛ أن الصومال أدركت حجم الخسائر التي تتعرض لها، نتيجة تحالفها مع قطر، الذي قد يقودها لاتخاذ قررات تضر بمصالحها ومصالح الدول المجاورة لها، كما حملت الزيارة دلالة مفادها أن الصومال أنهكها الدعم القطري للإرهاب، والذي هدد أمنها واستقرارها، لذلك أعادت «مقديشو» قراءة المشهد لتخلص إلى ضرورة العودة إلى محور محاربة الإرهاب بقيادة السعودية، الإمارات، وخاصة مع حضور الدور الخليجي بقوة في منطقة القرن الأفريقي من خلال الدبلوماسية الإماراتية التي عملت على إرساء دعائم الأمن والسلام وتعزيز الاستقرار وتحقيق التكامل بين دول هذه المنطقة.

لذا، نجد أن زيارة الرئيس الصومالي وتوقيع اتفاقات مع إريتريا، من شأنها إضعاف الدور القطري في المنطقة، وإنهاء كثيرٍ من مناطق نفوذه، إضافة إلى أن «مقديشو» باتت مُطالبةً بأن تكون أكثر شفافية والتزامًا في الأزمة الخليجية، وخصوصًا تجاه حلفائها (السعودية والإمارات) الدولتين اللتين مدتا لها يد المساعدة في أصعب الظروف، لهذا فإن إعادة النظر في السياسة الصومالية، من خلال الابتعاد عن قطر ومخططات نظام الحمدين، يعد بوابة لاستقرار الصومال وضمان تدفق المساعدات والاستثمارات الدولية وخاصة الإماراتية المهمة لها.

ومما سبق، يمكن القول أن أي تقارب في العلاقات بين «مقديشو»، وإريتريا، وإثيوبيا، ينسف مخططات قطر الرامية لخلق بؤرة تجمُّعٍ جديدٍ للتنظيمات الإرهابية، مما يعزز الأمن والاستقرار في القرن الأفريقي.
"