يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

الإرهاب واختبار فاعلية المنظومة الاستخباراتية الأوروبية

الجمعة 16/نوفمبر/2018 - 09:03 م
المرجع
طه علي أحمد
طباعة

مع اتساع نطاق التهديدات الإرهابية في أوروبا، باتت الأساليب غير التقليدية لمكافحة الإرهاب غير كافية للقضاء على تلك الظاهرة، وتحقيق الاستقرار لدى الأوروبيين؛ فلم تعد الجريمة الإرهابية في صورتها التقليدية المعتادة من خلال شبكة منظمة تنفذ أنشطتها عبر التخطيط والتمويل، أيًّا كان اتساع نطاقه؛ حيث انتقل العمل الإرهابي إلى الصورة الفردية التي استفادت من التقنيات الحديثة التي أسهم الفضاء الإلكتروني في الترويج لها.


في هذا السياق، بات العمل الاستخباري في مقدمة الجهود التي تنطلق منها الدول في مكافحة الإرهاب، فأصبحت «المنظومة الاستخبارية» حائط الصد الأول في مواجهة «الإرهابيين». ورُغم المساعي الأوروبية ــ غير الموفَّقة ــ لتكوين منظومة استخباراتية إقليمية على مستوى الاتحاد الأوروبي، إلا أن استمرار التهديد الإرهابي وتسارع وتيرته بالمدن الأوروبية يكشف عن حاجةِ المنظومةِ الاستخباريةِ الراهنة لإعادة النظر وتقييم دوري متصل لأدائها.


للمزيد: تكتيكات الاستخبارات في مواجهة «الذئاب المنفردة»

الإرهاب واختبار فاعلية

تسعى الدراسة للتحقق من صحة فرضية مفادها أنه رغم الطفرة التي تحققت في الاهتمامات بمجالات التعاون الاستخباري والتبادل المعلومات بين الدول الأوروبية، إلا أن واقع الحال يكشف عن فشلٍ في مواجهة الظاهرة الإرهابية.


ومن ثمَّ تسعى الدراسة للإجابة على تساؤلٍ محوريٍ هو: إلى أي مدى نجحت الجهود الاستخبارية الأوروبية في التصدي للإرهاب وإضعاف فاعليته؟ وفي حال عدم نجاح تلك الجهود فما هي أهم التحديات التي تحول دون ذلك؟

وللإجابة على ذلك التساؤل سوف تنقسم الدراسة إلى المحاور التالية:

·                    تنامي الإرهاب في أوروبا وتأثيره على المنظومة الاستخبارية

·                    إشكالية التعاون الاستخباري في مواجهة النشاط الإرهابي المتنامي بأوروبا

·                    معوقات العمل الاستخباري في مواجهة الإرهاب

·                    مقترحات لتمكين المنظومة الاستخبارية في مواجهة الإرهاب بأوروبا

أولا. تنامي الإرهاب في أوروبا وتأثيره على المنظومة الاستخبارية


ترجع بدايات تأثير الإرهاب على المنظومة الاستخبارية الأوروبية إلى المقتضيات التي فرضتها بيئة الأمن الأوروبي في أعقاب الحرب الباردة، ولاسيما مع صعود حركة «الجهاد العالمي» خلال منتصف التسعينيات من القرن الماضي. وقد ارتبط ذلك بطبيعة الأدوار التي تقوم بها أجهزة الاستخبارات، التي تتركز في مختلف الدول على حماية الأمن القومي، وتعزيز مصالح الدول الخارجية في حالتي السلم والحرب عبر مجالين رئيسين: الأول هو توفير قاعدة من المعلومات الموثوقة، والتقييمات الاستراتيجية لصنَّاع السياسات لاتخاذ قرارات عقلانية رشيدة، أما الثاني فيتعلق بالرقابة على توجهات الدول الأخرى والتأثير المستتر فيها، بخلاف منع التجسس المضاد على الدولة[1].  ذلك أن قدرة الاستخبارات على التوقع الدقيق لهجمات التنظيمات الارهابية لا تزال تواجهها صعوبات خاصة، فضلًا عن أن الافتراضات العقلانية في تحليل سلوك تلك التنظيمات قد لا يكون واردًا (منطق التكلفة والعائد)، وهو ما يتجلى في إشكالية «الإجهاض الاستباقي» للعمليات الانتحارية، أو حتى مكافحة أنماط جديدة من الإرهاب العشوائي والفردي، أو الخلايا العائلية والصغيرة، كما برز في الدول الغربية خلال السنوات الأخيرة[2].


لكن رُغمّ تجذُّر النشاط الإرهابي على الساحة العالمية، فإن الجدل الخاص بأهمية العمل الاستخباري في مواجهة الإرهاب بأوروبا لم يطفوا على السطح إلا في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2011 بالولايات المتحدة الأمريكية، ورغم أن تلك الأحداث كانت على الجانب الآخر من الأطلنطي، فإنها مثلت نقطة البداية لموجهة من الأنشطة الإرهابية التي استهدفت المدن الأوروبية ولم تتوقف حتى اليوم. ففي عام 2002 ظهرت فكرة إنشاء ما يشبه «مكتب التحقيقات الفيدرالية» FBI الأمريكية، لكنها قوبلت بالرفض، وقد عاودت الفكرة الظهور في أعقاب أحداث مدريد 2004 لكنها قوبلت أيضًا بالرفض[3].

للمزيد: دور الاستخبارات الأوروبية في مكافحة تسلل الإرهابيين لمخيمات اللاجئين (1 - 2)

الإرهاب واختبار فاعلية

ومع تنامي موجة الإرهاب خلال السنوات الأخيرة، تزايد الضغط على منظومة العمل الاستخباري الأوروبية، ولاسيما مع التطور العددي والنوعي للعمليات الإرهابية التي استهدفت المدن الأوروبية المختلفة؛ فوفقًا لبيان صادر عن وكالة الشرطة الأوروبية، تضاعفت الهجمات الإرهابية ضد أهداف أوروبية خلال عام 2017، الأمر الذي يرتبط بالسياق العام للهزائم التي تعرض لها تنظيم داعش وانحساره في الشرق الأوسط خلال العامين الأخيرين؛ ما دفع التنظيم إلى البحث عن ميادين أخرى لعمليات من خلال العائدين إلى أوروبا من مناطق الصراع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ووفقًا لـ«وكالة تطبيق القانون الأوروبية» «يوروبول» يتسع نطاق التهديدات المستقبلية المحتملة فيما يتجاوز السبل غير التقليدية (الطعن والدهس) ليعتمد التنظيم في هجماته على الطائرات من دون طيار إضافة إلى الأسلحة أخرى غير تقليدية (كيميائية وبيولوجية وإشعاعية ونووية).


مثلت وكالة الـ«يوروبول» إضافة نوعية للتعامل مع الجريمة بمختلف أشكالها على المستوى الأوروبي حيث أصبحت الوكالة تعمل بمثابة منصة للتبادل المعلومات متعددة الأطراف، كما أنها تقوم بتحليل البيانات الشخصية فيما يتعلق بالجريمة المنظمة والإرهاب عبر شبكة أمنية تخضع لضوابط دقيقة للتعامل مع البيانات المستندة إلى رموز معالجة محددة. وهو ما دفع دول الاتحاد الأوروبي لإعادة التأكيد على تبادل البيانات حول الإرهاب بموجب القرار 671/2005 الذي ينص على وجوب نقطة اتصال واحد داخل كل دولة عضو بالاتحاد تعني بجمع المعلومات ذات الصلة كافة والمتعلقة بالتحقيق الجنائي الذي تقوم به سلطات إنفاذ القانون وبمرورها إلى الـ«يوروبول» تطور التعاون في مشاركة المعلومات من خلال إدماج اشكال وجهات أخرى مثل المكتب الأوروبي لمكافحة الغش OLAF وفرقة عمل رؤساء الشرطة الأوروبية الـ«يوروبول» اضطلعت بتوسيع «ملفات العمل التحليلية» الإرهابية وقد تم إنشاء وحدة الإنذار لمكافحة الإرهاب على مدار 24 ساعة داخل يوروبول (تتألف من ضباط اتصال وطنيين من الشرطة وأجهزة المخابرات). وفي يناير 2005 تأسس مركز جديد لمكافحة الإرهاب داخل «يوروبول» ليعمل كمركز معلوماتي مركزي في الحرب ضد الإرهاب في الاتحاد الأوروبي وتحليل التحقيقات الجارية. وبفضل ذلك، لعبت «يوروبول» دورًا مهمًا في المشهد الأمني الأوروبي بعد 11 سبتمبر 2011، رغم صعوبة التنسيق بين الجهات الأمنية بين الأجهزة الأمنية الأوروبية نتيجة لاختلاف الإطار السياسي والإداري والقضائي من دولة عضو إلى أخرى مما يضيف التنسيق وتبادل المعلومات.


وفقًا لتقرير صادر عن المفوضية الأوروبية، فإن حرية انتقال المعلومات يعوقها عددٌ من العوامل التالية: أولًا. المعلومات قد تكون مجزأة على المستويين التنظيمي والقانوني ما بين الوزارات والخدمات ويهدف لاستخدمه في إجراءات مختلفة، ما يؤثر على طبيعة وحساسية المعلومات التي يمكن أن يتعامل معها. 


ثانيًا. عدم وجود حساسية واضحة بشأن قنوات المعلومات، ما يؤدي إلى عدم الاتفاق على اختيار القناة وعلى كيفية التعامل مع المعلومات الحساسة والسرية. 


ثالثًا. بعض الدول الأوروبية يتم التعامل مع الإرهاب من قبل وكالات الشرطة بينما في دول أخرى تكون الاستخبارات هي المسؤولة. يث تختلف منهاجية الشرطة عن الاستخبارات. 

رابعًا. التنوع الثقافية واللغوي بدول الاتحاد الأوروبي الـ28. 

خامسًا. البعض يرى أن يوروبول ينتهك الاستقلال الذاتي للدول في تجاوز الحدود الوطنية ونقل المعلومات[4].


يضاف إلى ما سبق أن الـ«يوروبول» ليس قوة شرطة تنفيذية ذات سلطة فوق وطنية مستقلة لإجراء تحقيقاتها الخاصة، أو القيام بعمليات تفتيش أو اعتقال المشتبه بهم. فالـ«يوروبول» مهامه تتمثل في تحسين فعالية التعاون بين السلطات الشرطية الوطنية بالدول الأعضاء والتعاون بشكل أساس من خلال تبادل المعلومات وبخلاف منظمات الشرطة، لم يتشكل الـ«يوروبول» من أسفل إلى أعلى فهو من ناحية يتميز بدرجة من الاستقلالية لتحديد وسائل وأهداف محددة لبرامج الشرطة ومكافحة الإرهاب. ومن ناحية أخرى، فإن القرار السياسي من أعلى إلى أسفل لتأسيس الـ«يوروبول» ربما يفسر جزئيًّا على أنه عدم إرادة من قبل وكالات إنفاذ القانون والمخابرات الوطنية ذات الصلة مع وكالات الاتحاد الأوروبي ومن خلالها.


ثالثا. إشكالية التعامل الاستخباري الأوروبي مع الإرهاب

يشير واقع الحالة الأمنية في أوروبا أخيراً، إلى أن الهجمات الإرهابية كافة، التي تعرضت لها المدن الأوروبية أظهرت ثغرات عديدة في عمل أجندتها ما نتج عن تسلل منفذي هذه الهجمات. وقد ارتبطت غالبية تلك الثغرات بالتعامل السياسي مع قضايا الإرهاب؛ وهو ما جسدته القرارات السياسية التي اتخذتها باريس عام 2008، التي كشفت عن التعامل العسكري مع قضايا الإرهاب، بعيدًا عن الجوانب الاستخباراتية، فضلًا عن ضعف الإمكانات المادية التي عكست الحاجة لاستراتيجية أوروبية تشمل الجوانب السياسية والأمنية والقضائية مشتركة كافة  لتبادل المعلومات المفتوح ضمن آلية مقيدة بالروتين.

ورغم التعاون الاستخباري المُعلَن بين الدول الأوروبية فإن عدم توقف العمليات الإرهابية في المدن الأوروبية، لاسيما تلك الناتجة عن تنسيق مسبق وليس العمليات الفردية، يعكس قدرًا من الفشل الاستخباري الأوروبي فما بين العمليات الإرهابية في بروكسيل 22 مارس 2016 والعمليات التي شهدها عم 2018، نجد أن الفشل الاستخباري يتجلى في عدم قدرة الأجهزة الاستخبارية الأوروبية على الوقوف على حجم وجدية الخطر والتهديد الذي تشكله التنظيمات المتطرفة على الأمن والسلم الدوليين عامة والأوروبي خاصة، كما أن الأمر لا يقتصر على حالة بعينها بقدر ما امتد ليشمل العمليات كافة التي شهدتها المدن الأوروبية أخيرًا. من أصل 125 هجمة تعرضت لها المدن الأوروبية في 2017؛ حيث كانت لندن أولى المدن الأوروبية التي شهدت هذه العمليات بإجمالي 107 عمليات، بينما تحتل فرنسا المركز الثاني بـ 54 عملية، ثم تليها اسبانيا وإيطاليا بـ 16 و 14 عملية على التوالي فيما بينما[5].


وقد شهدت الشهور الأخيرة اعتقال نحو 705 أشخاص في 18 دولة أوروبية شهدت فرنسا وحدها اعتقال 373[6]. كما لايزال خطر داعش يتنامي في أوروبا وهو ما حذر منه رئيس جهاز الاستخبارات البريطاني M15 يوم 15 مايو 2018 باعتبار أن داعش لايزال يشكل خطرًا على أوروبا، ويسعى لتنفيذ هجمات إرهابية واسعة.  فضلا عما صرح به رئيس جهاز المخابرات الداخلية البريطاني أندرو باركر في 17 أكتوبر 2017؛ حيث قال إن بريطانيا تواجه أخطر تهديد على الإطلاق من جانب الجماعات المتطرفة[7].

للمزيد: دور الاستخبارات الأوروبية في مكافحة تسلل الإرهابيين لمخيمات اللاجئين (2-2)

الإرهاب واختبار فاعلية

وهو ما دفع العديد من الاستخبارات إلى رفع الدعاوى التحذيرية بشأنه وفي مقدمتها الاستخبارات الداخلية الألمانية؛ حيث حذر «تورستن فوس» رئيس مكتب حماية الدستور بهامبورغ (الاستخبارات الداخلية بالولايات خلال تصريحات لصحيفة هامبورغر ابندبلات بتاريخ 28 ديسمبر 2017 من عواقب أمنية ربما تترب على اختراق العناصر المتطرفة بين الجاليات المسلمة في الأوساط الأوروبية، كما حذر جهاز أمن الدولة البلجيكي أيضا من الأمر نفسه؛ حيث لفت بيان صادر عن الجهاز إلى تنامي الخطر الناجم عن العناصر السلفية الآخذة في الانتشار بالأوساط الأوروبية وإمكانية تحولها إلى تهديد اجتماعي يهدد القيم الغربية والديمقراطية[8]. كما انتقلت تلك المخاوف إلى أوساط الرأي العام الأوروبي، الأمر الذي عكسه عدد من استطلاعات الرأي، ومنها ما أجراه معهد يوفوغ، الذي أظهرت أن نحو ثلث الألمان 34% يتوقعون مزيدًا من الهجمات الإرهابية مستقبلا، وأن حوالي 65٪ من الإيطاليين قلقون نوعًا ما بشأن الهجوم. في المملكة المتحدة كان التهديد المتصور بهجوم إرهابي مرتفعًا بشكل كبير في عام 2016 ، وتم الكشف عن نفس التصور للمخاطر في ألمانيا[9].


على أي حال، فإن التناول الأوروبي لمعضلة الإرهاب، ينطوي على إشكالية معقدة تتضمن العناصر التالية:

1)                تعقيد خريطة التنظيمات الإرهابية في أوروبا

مع تعاظم حضور العمل الإرهابي، واتساع نطاق تأثيره في كافة أنحاء العالم، بدت خريطة العمل الإرهابي غاية في التعقيد؛ فوفقًا لوثيقة نشرتها ذا غارديان البريطانية، تنتشر في أوروبا شبكة معقدة من عناصر تنظيم داعش وعناصره ترتبط بحركات جهادية أخرى تمكنت من التسلل لأوروبا خلال السنوات الأخيرة تحت مظلات تنوعت بين المتظاهرين بالمرض والحاجة لعلاج في المراكز الصحية بأوروبا لتنطلق فيما بين المدن الأوروبية المختلفة، الأمر الذي تزامن مع ما كشفت عنه الاستخبارات الإسبانية والفرنسية خلال أغسطس وديسمبر 2017 بوجود خلايا مترابطة ومنظمة تابعة لتنظيم داعش في إطار محكم من الأنظمة الأمنية السرية دعمت كافة عمليات «الذئاب المنفردة» التي شهدتها أوروبا خلال عامي 2017-2018. ولعل في ذلك ما يضاعف التحديات التي تواجهها منظومة العمل الاستخباري.

2)                غياب الرؤية الاستخبارية الأوروبية الموحدة

رغم التحذيرات المتنامية من جانب أجهزة الاستخبارات الأوروبية، فضلًا عما يبدو انتفاضة أوروبية في مواجهة الإرهاب، ورغم النشاط الملحوظ من جانب «يوروبول» أخيرًا، فإن الرؤية الإقليمية الموحدة لا تزال غائبة، فيما يعكس غياب الإرادة الحقيقية لهذا الأمر. فقد برزت المطالب باستحداث آلية إقليمية موحدة نادى بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إلا أن هذه الفكرة لم تكن محل إجماع بين الأوروبيين. ففي 10 مايو 2017 رفض مسئولو الاستخبارات الألمانية فكرة إنشاء جهاز استخبارات أوروبي؛ حيث قال بورنو كال، رئيس جهاز الاستخبارات الألمانية، أمام لجنة الاستخبارات في البرلمان الألماني «البوندستاج»: «لا نحتاج إلى وكالة استخبارات ألمانية أو أي مؤسسة استخبارية أوروبية أخرى». كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دعا في خطاب له إلى إنشاء أكاديمية استخبارية أوروبية؛ حيث قال إن «تلك الأكاديمية تهدف إلى تعزيز الروابط بين بلداننا»، وفي الشهر نفسه اقترح مفوض الشؤون الداخلية الأوروبية ديميتريس أفراموبولوس فكرة إنشاء نظام استخبارات أوروبي موحد للمساعدة في منع الهجمات الإرهابية. ويعلل الألمان ذلك بأنه يوجد بالفعل «مركز الاتحاد الأوروبي للاستخبارات (EU INTCEN)، الذي يقدم تحليلات استخبارية وتحذيرات مبكرة لمسؤولي الاتحاد الأوروبي، كما يقول كاهل أمام لجنة الاستخبارات في البوندستاج»[10]. كما تدخل العديد من الدول الأوروبية في اتفاقات أمنية  ثنائية مع دول أخرى، هذه الاتفاقات لا تكشف عنها الدول، حتى لأقرب حليفاتها، لأنها تمثل تهديدًا لأمنها القومي، الأمر الذي يفسر الرفض الألماني القاطع لفكرة إنشاء آلية استخبارية إقليمية موحدة[11].

3)                تواطؤ أجهزة الاستخبارات الأوروبية مع العناصر الإرهابية

رغم الخبرة العميقة لمنظومة العمل الاستخباراتي الأوروبية فإن أجهزة المخابرات الأوروبية تعاملت مع بعض العناصر المصنفة كـ«خطرة» التي انعكست سلبًا على الأمن الأوروبي فيما بعد. ومن أمثلة تلك الحالات، تعاونت الاستخبارات البريطانية M16 مع بكري فستق، الإيطالي من أصل سوري، والتي كشفت «ذي وول ستريت جورنال»، نقلًا عن مسؤولين في استخبارات الأمن القومي M15 أنه كان لفترة طويلة مخبرًا لدى الأجهزة البريطانية[12]. فقد ذكر المؤرخ «مارك كورتيس»، أن بكري قام بتدريب مئات البريطانيين في معسكرات في المملكة المتحدة وفي الولايات المتحدة وإرسالهم للقتال في سوريا والعراق ومناطق أخرى. فعلى الرغم مما سعت إليه المخابرات البريطانية من تجنيد فستق فيما يتوافق مع أجندتها فإن اتساع نشاطه لاحقًا في بريطانيا أصبح أحد التهديدات الأمنية الخطيرة التي خرجت عن سيطرة السلطات البريطانية.


4)                . غياب التوافق الأمريكي الأوروبي على الرؤية الاستخبارية

تمثل المدرسة الاستخباراتية الأمريكية إحدى الروافد المهمة بالنسبة لمنظومة العمل الاستخباري الأوروبي وذلك على مستوى الخبرة المهنية، أو التنسيق المعلوماتي فيما يتوافق مع التنسيق في المواقف السياسية بين الأوروبيين وواشنطن في العديد من القضايا. لكن فيما يخص مواجهة الإرهاب، ونتيجة للاختلافات في الرؤى السياسية بشأن تلك القضية، يختلف دور العمل الاستخباراتي؛ فبينما يرى الأمريكان بأن مواجهة الإرهاب عملية خارجية في المقام الأول إذ تتصل بالتهديدات الخارجية، يرى الأوروبيون أن مواجهة الإرهاب مطلبًا داخليًّا، ليس فقط لأن العديد من الدول الأوروبية لا ترغب في الانخراط بالحرب على الإرهاب لكن لأن الاتحاد الأوروبي ذاته يعاني من عدم وجود سياسة خارجية متماسكة في مواجهة القضايا الخارجية[13]. ولاسيما بعد خروج بريطانيا منه والذي من شأنه أن يسبب مشكلات في تبادل المعلومات بين لندن والدول الأعضاء في الاتحاد الأمر الذي يلزم الحكومة البريطانية بتشريع جديد ينظم التعامل الاستخباري فيما بينهم[14]. وبالتالي فإن غياب التوافق الأوروبي الأمريكي على طبيعة ودور العمل الاستخباري يمثل أحد الجوانب الإشكالية التي تعتري منظومة العمل الاستخباري الأوروبي في مواجهة الإرهاب.

5)                استراتيجية «الذئاب المنفردة»

مثلت استراتيجية «الذئاب المنفردة» التي تبناها تنظيم داعش الإرهابي لأول مرة في 2010 بوصفها «جهادًا فرديًّا»، معضلةً خطيرة في مواجهة منظومة العمل الاستخاري في أوروبا. وقد تعززت تلك الاستراتيجية فكريًّا من خلال كتاب «دعوة المقاومة الإسلامية العالمية» لـ«أبو مصعب السوري» الذي أصَّل من خلاله لفكرة اللامركزية ليتحول التنظيم إلى شبكة عابرة للحدود يحق لكل من يعلن ولاؤه للتنظيم أن يمارس تحت شعار «إن كل مسلم يجب أن يمثل جيشًا من رجلٍ واحدٍ». ونظرًا لاعتمادها على التمويل الذاتي والمحدود، فإن صعوبة رصد عمليات «الذئاب المنفردة» ومراقبتها تكون مضاعفة أمام أجهزة الاستخبارات وذلك مقارنة بشبكات الإرهاب التقليدية التي يسهل رصد وتتبع أنشطتها ومصادر تمويلها.

أما تلك الخلايا الفردية فتتحرك عبر الفضاء الإلكتروني «الإنترنت»، فضلًا عن كونها تعمل بشكل منفصل ما يجعلها تمثل التحدي الأكبر للاستخبارات الأوروبية وبخاصة بعد فشل السياسات الأوروبية في تسوية نزاعات الشرق الأوسط، وتحديدًا في سوريا والعراق وأفغانستان والصومال، بجانب الحضور المتنامي للشباب الوافد لأوروبا عبر دول المغرب الإسلامي وأفريقيا في إطار إشكاليات الهجرة غير الشرعية الأمر الذي يفضي إلى مضاعفة التحديات التي تفرضها استراتيجيات «الذئاب المنفردة» أمام منظمة العمل الاستخباري.

للمزيد: «اليوروبول».. تهديدات متصاعدة وتحديات راهنة

الإرهاب واختبار فاعلية

وبالتالي فقد تحولت غالبية الأحداث الإرهابية، التي شهدتها المدن الأوروبية خلال السنوات الأخيرة إلى نموذج «الذئب المنفرد» سواء من خلال عمليات الدهس أو الطعن أو غيرها؛ فوفقًا لليوروبول في 21 يونيو 2018 فقد شهد عام 2017 تضاعف عدد العمليات الإرهابية؛ حيث قتل 62 شخصًا جراء عمليات إرهابية في أوروبا خلال عام 2017 كان لبريطانيا النصيب الأكبر 35 ثم تليها إسبانيا 16، والسويد 5، وفرنسا 3، وفنلندا 2، وألمانيا 1، وكان العام السابق شهد مقتل 135 شخصًا خلال 13 هجومًا شهدتها أوروبا[15].

رابعًاـ أهم التحديات التي تواجه العمل الاستخباري في مواجهة الإرهاب

تُظهر الهجمات الأخيرة التي شهدها الفضاء الأوروبية قدرًا من الخلل في منظومة «شنغن»[16]، رغم التعاون المعلن داخل الاتحاد الأوروبي، وهو ما بدا واضحًا في العديد من العمليات الإرهابية التي شهدتها أوروبا خلال الفترة الأخيرة؛ فأنيس العامري على سبيل المثال وهو تونسي الأصل، استخدم ما لا يقل عن 14 هوية مختلفة أثناء وجوده في ألمانيا، وتم تصنيفه على أنه يشكل تهديدا محتملًا، لكنه اختفي من رادارات الشرطة عندما فشلت السلطات في جمع الأدلة ضده، وهكذا فقد تمكَّن المتطرفون من التنقل عبر الحدود داخل الاتحاد الأوروبية، الأمر الذي تؤكده بعض المؤشرات التالية[17]:

·                    تزايد عدد المقاتلين الأجانب العائدين إلى أوروبا.

·                    عودة العمليات الفردية وما يعرف بـ«الذئاب المنفردة».

·                    تنامي عدد عمليات الدهس والطعن خلال العامين الأخيرين.

·                    تزايد ملحوظ في استخدام السيارات في عمليات الدهس.

يمتزج ما سبق مع ضعف التنسيق؛ فضلًا عن غياب الرؤى بشأن قضايا الإرهاب، ليضفي إلى المزيد من الضغط والتعقيد في مواجهة منظومة العمل الاستخباري في أوروبا. فرغم التحذيرات التي تطلقها الاستخبارات الأوروبية من وقت لآخر حول عودة المقاتلين الأجانب من سوريا والعراق، إلا أن عدد المقاتلين الأجانب الذين غادروا ألمانيا للقتال في سوريا والعراق تجاوز 900 شخص، إذ يأتي ذلك في الوقت الذي تنتشر فيه السلفية الجهادية التي تصل في ألمانيا وحدها إلى حوالي 10 آلاف شخص[18].

فالاستخبارات الفرنسية وجهت انتقادات لنظيرتها البلجيكية واتهامات بشأن إخفاء معلومات عن وجود اسم صلاح عبد السلام (العقل المدبر لهجمات باريس 2015) من قوائم الشخصيات الخطرة، التي تأثرت بالفكر المتشدد الذي ساد الفضاء الأوروبي أخيرًا، ذلك أنه لم تكن هناك معلومات كافية بشأن عبد السلام حتى وقوع هجمات باريس في الثالث عشر من نوفمبر 2015. الأمر الذي أثار حفيظة الفرنسيين بشأن عدم إفصاح الأمن البلجيكي عما لديه من معلومات بشأن عبد السلام قبل سقوط تلك الهجمات؛ حيث طالب رئيس اللجنة البرلمانية الفرنسية جورج فينش بإعادة هيكلة أجهزة الاستخبارات الفرنسية في إطار جديد تحت سلطة رئيس الوزراء، مثل الاستخبارات الأمريكية CIA ومكتب التحقيقات الفيدرالي FBI بالولايات المتحدة. ولعل تلك الإشكالية تعكس قدرًا من ضعف الثقة المتبادل بين الأوروبيين[19].

بجانب ما سبق تتنوع الإشكالات التي تواجه منظومة العمل الاستخباري الأوروبي، التي تتصل بالتخطيط والتحليل في المقام الأول مثل[20]:

1)                صعوبة إمكانية توصيف التهديدات نظرًا لغياب النموذج المتطور للقيام بذلك.

2)                محدودية الرؤية في التعامل مع التهديدات الإرهابية، بسبب الاعتماد على المناهج الأمنية التقليدية.

3)                غياب التقديرات الواضحة سواء على المدى القريب أو المتوسط وذلك لتطوير التوازن بين الوسائل الهجومية والدفاعية.

4)                الغموض الذي يكتنف الكثير من جوانب العمليات الارهابية سواء على مستوى المعلومات أو بقية الجوانب المتصلة بها.

بجانب ما سبق، ورغم قوة أجهزة الاستخبارات الخاصة بالدول الأوروبية، فإن اتساع نطاق العمليات الإرهابية وبخاصة العمليات الفردية يفرض على الأجهزة الاستخبارية الانتشار في أوسع نطاق ممكن ما يقابل بإشكالية نقص الموارد البشرية كما هو في حالة العديد من أجهزة الاستخبارات الأوروبية كالفرنسية على وجه التحديد، التي تستغرق وقتًا طويلًا ربما يصل إلى سنوات لتجهيز الكوادر وتدريبها ودمجها بفاعلية في الأجهزة الاستخباراتية[21].

فضلًا عن ذلك فإن الطفرة الأخيرة في العمليات الإرهابية واتساع نطاق حضور وتأثير العناصر المتطرفة باتت بعض أجهزة الاستخبارات الأوروبية في موقف متخبط في مواجهة مصادر التهديد المتنوعة ما بين عناصر التطرف الديني واليمين المتطرف ذات الحضور المتنامي خلال السنوات الأخيرة في أوروبا في ظل الاختلاف السياسي حول آليات التعامل تلك التهديدات المختلفة[22].

ورغم أن الأوروبيين اتفقوا على تطوير مذكرة توقيف أوروبية، وتوسيع نطاق عمل اليوروبول، ودعم التبادل المعلوماتي، ومع ذلك لم تكن تلك الجهود ترقى إلى المستوى الذي يتناسب مع حجم التهديد الإرهابي الذي يواجه أوروبا فقد قوبلت تلك الخطوات بعدم وجود إرادة حقيقية لتنفيذها.

الإرهاب واختبار فاعلية

مقترحات لتمكين المنظومة الاستخبارية في مواجهة الارهاب بأوروبا

تكشف التحديات والمؤشرات السابقة عن كفاءة محدودة للمنظومة الاستخباراتية الأوروبية في مواجهة الإرهاب، الأمر الذي يفرض عددا من المقترحات التالية لتعزيز كفاءة تلك المنظومة في ظل تنامي التوقعات باتساع نطاق التهديدات الإرهابية في أوروبا:

أولا. ضرورة الاستجابة لدعاوى إنشاء آلية فوق ـ وطنية ذات سيادة فيما يخص التحقيق في قضايا الإرهاب، وهو ما يسمح بإعادة النظر في أعداد العاملين بأجهزة الاستخبارات لسد العجز تعاني منه بعض الأجهزة الوطنية كالاستخبارات الفرنسية على سبيل المثال.

ثانيا. إعادة النظر في آليات التنسيق بين وكالة "اليوروبول" والأجهزة الوطنية العاملة في مجال الاستخبارات فيما يضمن سهولة التبادل المعلومات بين الدول الأوروبية.

ثالثا. إعادة النظر في التشريعات الداخلية بما يضمن رقابة أشد على التنظيمات الدينية المتطرفة، حيث أثبت الخبرة الأخيرة أن حرية الحركة التي تتمتع بها تلك التنظيمات ذات الطبيعة السلفية، والتابعة "للتنظيم الدولي للإخوان" في أوروبا (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا ...الخ) مثلت رافدا مهما للكثير ممن يعتنقون الفكر المتشدد، وهو ما يسهم في تشتيت جهود الانظمة الاستخباراتية.

رابعا. إعادة النظر في المواقف السياسية التي ثبت انها تنعكس على تنامي وتيرة الأعمال الارهابي في المدن الأوروبية أخيرا مما يضغط بدوره على الأجهزة الاستخبارية.

المصادر



[1] خالد حنفي علي، الاستخبارات وقوة الدولة في سياق عالمي متغير، ملحق اتجاهات نظرية، الاستخبارات في العلاقات الدولية، مجلة السياسة الدولية، (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، ع 214، اكتوبر 2018، ص 3.

[2] المرجع السابق، ص 40

[3] Richard J. Aldrich, US–European Intelligence Co-operation on Counter-Terrorism: Low Politics and Compulsion, The British Journal of Politics and International Relations, (London: Political Studies Association, Vol 11, 2009), P.126

[4] Eugenia Siapera y Chiara Sighele, Challenges to Media Freedom: A View from Europe, Published Paper, Avaliable on, https://www.infoamerica.org/icr/NUM11/challenges_to_media_freedom_A_view_from_Europe.pdf

[5] جاسم محمد، هل حققت استراتيجيات وسياسات المكافحة أهدافها؟، مجلة المجلة، http://cutt.us/XmRLK  

[7] بريطانيا … تواجه أخطر تهديد على الإطلاق من الجماعات المتطرفة!، تقرير من اعداد،  إعداد المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والإستخبارات ـ المانيا وهولندا وحدة الدراسات والتقارير  “3، متاح على الرابط: http://cutt.us/nioh8

[8] . نور الدين فريضي، بلجيكا تخشى اختراق متشددين جاليتها المسلمة، جريدة الحياة، 29/1/2018.

[9] Number of terrorist attacks in the European Union (EU) in 2017, by member state, http://cutt.us/wDqtt

[10] Philip Kaleta, Germany rejects creating European intelligence agency, Avaliable on: http://cutt.us/9wefr

[11] جاسم محمد، مساع أوروبية لتعزيز التعاون الاستخباري داخل أوروبا ومع دول المنطقة، شبكة رؤية الاخبارية، متاح على الرابط: http://cutt.us/7Kljz

[12] جاسم محمد، الاستخبارات الأوروبية.. معالجات ناقصة لظاهرة المقاتلين الأجانب، (القاهرة: المكتب العربي للمعارف، 2018)، ص 66

[13] Richard J. Aldrich, US–European Intelligence Co-operation on Counter-Terrorism: Low Politics and Compulsion, The British Journal of Politics and International Relations, (London: Political Studies Association, Vol 11, 2009), P.122

[14] MI5 chief: UK and EU intelligence sharing ‘never more important’, The Guardian, 13/5/2018

[15] Maria do Céu Pinto Arena, Islamic Terrorism in the West and International Migrations: The “Far” or “Near” Enemy Within? What is the Evidence, European University Institute, Robert Schuman Centre for Advanced Studies, 2017.

[16] تضم 26 دولة أوروبية، وقد تشكلت في 14 يونيو 1985، بموقب اتفاقية قضت بإلغاء عمليات المراقبة الحدودية بين الدول الاعضاء، كما تضع الاتفاقية نظاما لمراقبة الحدود.

[17] جاسم محمد، الاستخبارات الأوروبية.. معالجات ناقصة لظاهرة المقاتلين الأجانب، مرجع سابق ص 24

[18] المرجع السابق، 166

[19] بلجيكا.. في مرمى الاتهامات، سكاي نيوز عربية، http://cutt.us/lWzr2

[20] محمد بوبوش، دور الاستخبارات في مواجهة التحديات الأمنية الراهنة، المركز الاروروبية لدراسة مكافحة الارهاب والاستخبارات، الرابط http://cutt.us/briQf

[21] من بين أقوى 10 أجهزة استخبارات على مستوى العالم في 2018 لم تذكر سوى 3 أجهزة أوروبية هي "الاستخبارات البريطانية M16 والتي احتلت المرتبة الثالثة عالميا والاستخابارات الاتحادية الألمانية BND وقد احتلت المرتبة الخاصة ومديرية الأمن العام الفرنسي DGSE.

[22] كانت المستشارة الألمانية انجيلا ميركل قد قررت إقالة رئيس الاستخبارات الداخلية الذي تعرض لانتقادات بعد أن شكك في صحة تسجيل مصور يظهر لقطات المتظاهرين من اليمين المتطرف يلاحقون مهاجرين بعد قتل رجل ألماني طعنا. أنظر: اليوم السابع 17/9/2018.
"