يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

حصار حكومي وإجراءات عشوائية.. «بوكو حرام» تستفيد من خطوات السلطات لمكافحتها

الخميس 17/ديسمبر/2020 - 12:09 م
المرجع
أحمد عادل
طباعة

بهدف تقييد «بوكو حرام» الإرهابية، فرضت حكومات النيجر ونيجيريا وتشاد والكاميرون، حزمة من الإجراءات الاقتصادية، على السكان والمدنيين، لكن هذه القيود خدمت الإرهابيين من جهة أخرى، حيث سهلت مهمة عناصر الحركة المتطرفة بشقيها المتنافسين في استمالة العديد من سكان تلك البلدان والذين عانوا سوء الوضع الاقتصادي، واستفاد الجناح الموالي لـ«داعش» من سياسة الحصار تلك ليحقق مكاسب تعطيه وجودًا إلي أجل غير مسمي.


أبومصعب البرناوي
أبومصعب البرناوي
إجراءات غير مدروسة

وخلال الفترة الماضية، حظرت نيجيريا وتشاد والكاميرون والنيجر تجارة السلع الحيوية، والتي تمثل القوت اليومي للسكان، مثل الأسماك والفلفل، ومنع استخدام الدراجات النارية نظرًا لاستعمالها من أعضاء بوكو حرام في عمليات الاغتيال، ومنع زراعة المحاصيل الطويلة نسبيًّا، كي لا تُستخدم من قبل الإرهابيين في التخفي عن أعين القوى الأمنية، من معاناة المدنيين بشكل أكبر مما هو متوقع.

ولم تفطن سلطات هذه الدول وهي تتخذ الإجراءات الهادفة إلى تضييق الخناق على مصادر تمويل بوكو حرام، إلى أنها تقوّي نفوذ جناح نشيط  داخل الجماعة، وهو الموالي لتنظيم داعش الإرهابي.


نظرة من بعيد

في عام 2016، انقسمت حركة بوكو حرام المتطرفة إلى جناحين أحدهما موالٍ لداعش، بزعامة «أبومصعب البرناوي»، الذي شاعت روايات بشأن مقتله أو اعتقاله عام 2019، والجناح الآخر منشق بزعامة «أبوبكر شيكاو»، بعد خلافات حول طريقة قيادته، والموالي لتنظيم القاعدة.

جناح شيكاو

وفيما ينتهج جناح شيكاو سياسة قتل المدنيين وتنفيذ الهجمات الإرهابية داخل أوساطهم وتجمعاتهم بالأسواق والمزارع والمدارس وغيرها، ينتهج الجناح الموالي لداعش سياسة مغايرة، ويحصر عملياته في القوى الأمنية والعسكرية، ويتعمد تحييد المدنيين، ويتخذ ما يلزم لكسب ولائهم.

وتأسست لـ«بوكو حرام»، في عام 2003، ووصلت إلى ذروة قوتها في 2009، كان «جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد»، وتغير عندما أعلنت الولاء لداعش في 2015 إلى “ولاية غرب أفريقيا”. وانطلاقا من خلافات أيديولوجية وعملياتية متعلقة باستهداف المدنيين واستخدام النساء في العمليات الانتحارية، حدث الانشقاق الكبير داخلها عام 2016، ليعترف داعش بجناح البرناوي بينما قطع صلته بجناح شيكاو.




حصار حكومي وإجراءات
خلاف تكتيكي

يعود الخلاف التكتيكي بين جناحي بوكو حرام أساسًا إلى مسألة الإسراف في قتل المدنيين،  فالجناح الموالي لشيكاو لا يتورع عن مهاجمة المدنيين ومعاقبتهم جراء عدم انضمامهم إلى التنظيم، بينما يرى الجناح الموالي لداعش ضرورة استبعاد المدنيين وينحاز إلى أهمية الاستفادة من مسلمي منطقة بحيرة تشاد في حربه ضد سلطات وجيوش نيجيريا ودول الكاميرون وتشاد والنيجر.

واستغل جناح بوكو حرام الموالي لداعش الإجراءات المتشددة، وقام بعرض البدائل والمعونات اللازمة للسكان المتضررين من سياسة الحصار الاقتصادي، التي انتهجتها حكومة أبوجا، ومضى في سياق سياسته النفعية مع المدنيين والمزارعين في خطة التمدد وكسب أرضية شعبية معتمدًا تكتيكًا يستثمر في أخطاء الحكومة والسلطات المحلية في التصدي للجماعات الإرهابية، وفي مقدمتها اتخاذ إجراءات مؤلمة تسببت في خسائر اقتصادية فادحة للسكان.


جناح البرناوي

ونجح جناح البرناوي في إيجاد حاضنة شعبية له واستمالة العديد من السكان المدنيين، مما سمح له بالتمدد والبقاء لأطول فترة ممكنة والتفرغ لمواجهة القوات الحكومية، علاوة على السيطرة على مساحات شاسعة بالمناطق النائية من بحيرة تشاد، واتخاذها ملجأ آمنًا ومنطلقًا لشن هجمات داخل حدود البلدان المحاذية لنيجيريا.

ومنحت هذا الإستراتيجية لهذا الجناح الأفضلية من خلال تركيز هجماته على القوى الأمنية والعسكرية، واتبع سياسة مزدوجة تعتمد على الحاضنة الشعبية واستثمار وحشية الجناح المنافس بقيادة أبوبكر شيكاو لمضاعفة النفوذ والتغلغل في الأوساط الشعبية لامتلاك قوة ضاربة في مواجهة القوات الأمنية والعسكرية.

ولذلك صب تنفيذ عمليات قتل وحشية ضد المدنيين بنيجيريا والتي يرتكبها جناح شيكاو في مصلحة جناح البرناوي، الذي يحرص على تشكيل حاضنة شعبية عمادها المدنيون الذين يُحرم تكفيرهم وقتلهم واستهداف ممتلكاتهم، وعلى تحييد العمال والمزارعين والفئات المهمشة والتقرب منهم وحمايتهم، ما أوجد علاقات جيدة بهم في وقت يعانون من أزمات إنسانية واقتصادية.

وتبنّى جناح شيكاو في 29 نوفمبر 2020، قتل 110 مدنيين في ولاية بورنو شمال شرقي نيجيريا، وقال شاهد عيان للوكالة الفرنسية، نجا من المذبحة إن المتطرفين طلبوا من المزارعين تسليم هواتفهم وأموالهم، وهو ما عجزوا عنه لعدم امتلاكهم لها، ما دفع أعضاء بوكو حرام إلى تقييدهم ونحرهم الواحد بعد الآخر قبل أن يحرقوا المزرعة التي كانوا يعملون فيها.

وسبقت واقعةَ مزرعة قرية كوشوبي عملياتُ ذبح لمزارعين وعمال بالجملة تحت عنوان «كبلوهم واذبحوهم»، كما جرى في يوليو2020، بالقرية نفسها عندما ذبح التنظيم أكثر من أربعين مزارعًا بالطريقة نفسها وقبلها بأسابيع قليلة ذُبح 22 مزارعًا في هجومين منفصلين، وقد كانوا يعملون في حقول زراعية في مايدوغوري عاصمة ولاية بورنو.

ويحرص جناح شيكاو، الأكثر تشددًا ودموية داخل «بوكو حرام»، على الهيمنة على ناتج المحصول الزراعي عبر فرض الضرائب وعدم مباشرة المزارعين حصد المحاصيل إلا بإذن من قادة التنظيم ومن لا يلتزم بالتوجيهات في هذا الشأن يتم ذبحه.

تنافس الاجنحة

وأدى التنافس بين الجناحين إلى ازدياد وتيرة تنفيذ عمليات ضد المدنيين من جانب جناح شيكاو ليصعد بالتفجيرات الانتحارية التي تنفذها فتيات وسيدات مخطوفات وعمليات ذبح ونحر المزارعين والعمال إلى مستوى قياسي خلال العامين الماضيين، مقابل زيادة في هجمات الجماعة من خلال الفرع الموالي لداعش على الجيش والقوى الأمنية، ما جعل نيجيريا تحتل المرتبة الثالثة بين الدول الأكثر إرهابًا في العالم وفقًا لتقرير مؤشر الإرهاب العالمي لعام 2020.

 حصار ومعاناة

وزادت سياسة الحصار الاقتصادي من معاناة ما يقارب من 17 مليون شخص في حوض بحيرة تشاد، يشكون من الجوع وسوء التغذية، فضلًا عن احتياج عشرة ملايين شخص إلى مساعدات إنسانية عاجلة داخل الفضاء الجغرافي الذي يمارس به جناحا بوكو حرام أنشطتهما في نيجيريا أو دول الجوار.

ودفع تضييق الخناق الاقتصادي بشكل عشوائي من قبل الحكومة النيجيرية الجناح الذي يتزعمه شيكاو إلى تنفيذه عمليات إرهابية ضد سكان القرى والمزارعين من أجل الحصول على التمويل اللازم لتنفيذ عملياته الإرهابية ولتوفير المواد الغذائية لعناصره.

وأفادت السياسة الحكومية بشقيها الأمني والاقتصادي فرعي بوكو حرام المتنافسين، ففرع شيكاو يجوب القرى دون أي عائق أمني مرتكبًا جرائم بشعة في حق من يرفض الانصياع لما يفرضه من ضرائب أو يرفض تحويله المحصول الزراعي إلى فائدة قادته، في المقابل تمدد نفوذ الجناح الموالي لداعش وشكل حاضنة شعبية مؤثرة، ما مكنه من التعامل من موقع قوة وندية مع قوات الجيش والسلطات الحكومية .


"