يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«طالبان ـ كابول».. مفاوضات غارقة في بحر من الدماء

الإثنين 29/يونيو/2020 - 01:46 م
المرجع
نهلة عبدالمنعم
طباعة

وسط تصاعد وتيرة العنف في أفغانستان طالب الرئيس أشرف غني من حركة طالبان بالتوقف عن أنشطة العنف والقتل، داعيًا إياها لقبول مطالب الحكومة والشعب، وذلك خلال بيان رسمي أصدرته الرئاسة في 23 يونيو 2020، تعليقًا على الهجوم الأخير الذي شنته الحركة على مكتب المدعي العام الأفغاني؛ ما أسفر عن مقتل خمسة من العاملين.


ومن جهته، أدان مبعوث الولايات المتحدة للسلام في أفغانستان وقائد فريق المفاوضات «زلماي خليل زاده» الهجوم، معربًا عن أسفه من تزايد الهجمات في البلاد، لكن «طالبان» تنفي عبر وسائلها الإعلامية صلتها بالهجوم رغم تأكيدات الحكومة.

«طالبان ـ كابول»..

أرقام وإحصائيات

يأتي بيان الرئاسة الأفغانية بعد تصريحات لمجلس الأمن القومي الأفغاني حول نسب الوفيات المتعلقة بهجمات «طالبان» في البلاد، إذ قال المتحدث باسم المجلس، «جاويد فيصل» إن «طالبان» قتلت ما لا يقل عن 291 عنصرًا من قوات الأمن خلال أسبوع واحد فقط في منتصف يونيو، مؤكدًا أن هذا الأسبوع هو الأعنف منذ بداية الصراع بين الطرفين عبر الأعوام الـ19 الماضية؛ حيث نفذت الحركة حوالي 422 هجومًا في 32 ولاية خلال الأسبوع محل الدراسة.


ومن جانبها، نفت الحركة عبر مواقعها الإعلامية صحة هذه الأرقام، بينما تؤكد الحكومة الأفغانية أن الحركة لا تهتم باتفاق وقف إطلاق النار وخفض العنف.

«طالبان ـ كابول»..

المفاوضات الداخلية

في خضم هذا السجال السياسي بين الطرفين أعلن المتحدث السياسي باسم «طالبان» «سهيل شاهين» على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «تويتر» في 22 يونيو 2020، اجتماع جرى في الدوحة بين رؤساء الحركة والممثلة الخاصة للأمم المتحدة، «ديبورا ليونز» بشأن الترتيبات اللازمة لإجراء المفاوضات الداخلية بين الحركة والحكومة، إذ شهدت الأونة الأخيرة كثيرًا من التصريحات الرسمية من الطرفين بشأن المفاوضات الداخلية، فبعد شهور من الاتفاق التاريخي بين الولايات المتحدة الأمريكية و«طالبان»، أعلنت الحكومة الأفغانية في 14 يونيو 2020 اتفاقها مع الحركة لعقد أول جولة من المباحثات الأفغانية داخل قطر، فيما يعد تحولًا كبيرًا نحو إتمام بنود الاتفاق الأمريكي من حيث إجراء مفاوضات داخلية بين الأطراف الفاعلة في الدولة.


وأشار المتحدث باسم الرئاسة الأفغانية «صديق صديقي» في تغريدة على حسابه الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، إلى أن الحكومة وافقت فقط على عقد أول اجتماع مع طالبان في الدوحة كخطوة تمهيدية، بينما لم يتم التوصل بعد إلى اتفاق بشأن مكان المحادثات النهائية بين الطرفين.


وكانت خطوة المفاوضات الداخلية معلقة بالإفراج المتبادل عن السجناء هي المتغير الذي احتدمت بسببه الصراعات العسكرية بين الطرفين، ولكن شبكة «طلوع نيوز» الإخبارية الأفغانية، أكدت أن الحكومة أفرجت عن أكثر من 3000 معتقل من «طالبان» من أصل 5000 أي ما يزيد عن النصف.

«طالبان ـ كابول»..

قطر.. رأس الحربة الأمريكية

لعبت قطر دورًا كبيرًا لتحقيق أهداف الولايات المتحدة الأمريكية في أفغانستان، فالخطوة المعلنة من قبل الرئاسة الأفغانية بشأن إتمام المباحثات الداخلية بعد شهور من الضربات المتتالية بين الطرفين وخصوصًا من جهة طالبان، تمت خلال زيارة خاصة من مفوض وزارة الخارجية القطرية للوساطة في حل النزاعات، «مطلق بن ماجد القحطاني» إلى أفغانستان، التقى خلالها الرئيس أشرف غنى وعدد من المسؤولين بالحكومة.


كما أن هذه الزيارة أسفرت عن إطلاق سراح دفعة جديدة من المعتقلين لدى طالبان مع تعهدات من الطرفين بالاستمرار في الإفراج المتبادل لإتمام المباحثات الداخلية في أسرع وقت كما هو متفق عليه مع واشنطن، وذكر موقع «طلوع نيوز» تأكيدات «غنى» بأن رؤيته للأوضاع في أفغانستان والسلام الدائم مرتبط بوقف إطلاق النار والحد من العنف حتى تكون المباحثات الداخلية ذات نتيجة.


تشكيل حكومة جديدة

يبقى المهم في هذه الأطروحة الأخيرة، ما قاله أشرف غني عن رفضه تشكيل حكومة أخرى أو مؤقتة عقب الاتفاق مع «طالبان» أي انتصاف الحكم أو تغيير الحكومة، مؤكدًا أن هذا خطأ استراتيجي سبق وارتكبه الرئيس «محمد نجيب الله»، الذي دعمه الاتحاد السوفيتي آنذاك عندما قدم استقالته في مارس 1992 لتشكيل حكومة مؤقتة، ومن ثم شهدت البلاد سقوطًا مدويًّا، مشيرًا إلى أنه لن يكرر ذلك مرة أخرى قاطعًا الطريق على أي مطالبات لهذا الأمر.


ويبدو من حديث الرئيس الأفغاني وعيه أو ربما مطالبات سياسية خفية بأن المباحثات الداخلية ستسفر بالضرورة عن إعادة تشكيل حكومة جديدة تجمع بين «غني» ورفاقه وبين عناصر «طالبان» وربما ستكون للأخيرة الغلبة نظرًا لقوتها على الأرض، وأراد بهذه التصريحات التي وجهها أيضًا لحلف الأطلسي أن يقطع الطريق على هذا الطرح مستحضرًا خيبة الماضي التي أدت إلى انزلاق الدولة في غياهب جماعات الإسلام السياسي التي شرذمتها ووضعتها تحت حكم القوى الأجنبية كمسرح لعمليات المصالح الكبرى.


وفي تصريح سابق لـ«المرجع» قال علي بكر الباحث في شؤون الحركات الإرهابية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية: إن «طالبان» تسعى لتولي السلطة منفردة بعد خروج الولايات المتحدة، ولن تسمح للحكومة بامتلاك نفوذ أعلى، ومن جهة الحكومة فستعمل على كسب أي متغيرات سلطوية ولكن ضعفها من وجهة نظره سيحول دون استحواذها على الكثير.

«طالبان ـ كابول»..

النوايا الأمريكية تجاه تيارات الإسلام السياسي

يتضح من ذلك أن الرئيس أشرف غني لايزال يدافع عن رغبته في الاستمرار في الحكم بعد فشله في استخدام ملف الإفراج عن المعتقلين للمناورة السياسية للاستمرار في السلطة، ودخول المفاوضات الأفغانية ببعض المكاسب، ولكن التدخل الأمريكي وتهديده بقطع المساعدات لدولته عجلت في إفراجه عن المعتقلين دون النجاح في تعطيل هذه الخطوة أو استغلالها.


وبذلك سيدخل «غني» وحكومته المفاوضات محققًا جميع الشروط التي وضعتها الحركة المتشددة مع واشنطن، حين استبعدوه كطرف سياسي من معادلة المستقبل الأفغاني؛ ما يؤشر على أن المفاوضات القادمة لن تكون سهلة، وسيقاتل عليها الجميع، ولكنها في النهاية ستخرج وفق ما أرادت واشنطن.


وتظهر هذه النتيجة أن المفاوضات مرتبطة أساسًا ببداية تخلي واشنطن عن مشروعها الذي جاءت من أجله لأفغانستان، وهو الوضع الذي يشير إلى احتمالات سيئة للوضع الأفغاني الداخلي خلال المرحلة المقبلة، وأيًا كانت الأوضاع فستتربح منها الولايات المتحدة الأمريكية التي من المرجح أن تكون خرجت من الدولة بعد وضع حليف لها سيؤمن مصالحها في المنطقة، ما يفضح نوايا المشروع الأمريكي الحقيقية تجاه مجموعات الإرهاب، ويكشف بجلاء الدور التنفيذي لقطر في هذه المعادلة.


المزيد.. بالأرقام.. هجمات القاعدة في أفغانستان ودلالة «سياسة التخلي» الأمريكية

"