يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

انعكاسات التدخل.. تركيا وسيناريوهات التصعيد الليبي والإقليمي

الجمعة 27/ديسمبر/2019 - 12:11 م
المرجع
مصطفى صلاح
طباعة

أفرزت التدخلات التركية في الأزمة الليبية العديد من الانعكاسات السلبية على المسارات الداخلية والخارجية؛ خاصة بعدما تم الاتفاق بين أنقرة وحكومة الوفاق الليبية في 27 نوفمبر 2019، على اتفاقية تتضمن التعاون الأمني والعسكري بين البلدين، وترسيم الحدود البحرية، إلا أن الجيش الوطني الليبي اتخذ العديد من الخطوات التي من شأنها مواجهة الجماعات المسلحة التابعة لحكومة الوفاق التي لم تعد وفق اتفاق الصخيرات الموقع في 17 ديسمبر 2015 تمتلك الشرعية القانونية لإبرام مثل هذه الاتفاقيات، كونها لم تستحوذ على ثقة مجلس النواب الليبي.

انعكاسات التدخل..

ولعل لجوء حكومة الوفاق في 19 ديسمبر 2019، إلى الطلب من 5 دول (الولايات المتحدة الأمريكية، والمملكة المتحدة، وإيطاليا، والجزائر، وتركيا) بتفعيل اتفاقيات التعاون الأمني الأمر الذي سيزيد من صعوبة تسوية الأزمة الداخلية، ويزيد من تعقيد الأزمة؛ خاصة بعدما شرعت الدول الإقليمية والدولية الاحتكام إلى مسار برلين المزمع انعقاده أوائل عام 2020، لمناقشة الحلول الممكنة للنزاع القائم في ليبيا بين الميليشيات الداعمة لحكومة الوفاق، والجيش الوطني الليبي، وتسعى ألمانيا إلى التوصل إلى نقط محددة في مؤتمر برلين، أبرزها وقف إطلاق النار غير المشروط في طرابلس، وتوحيد المواقف الإقليمية والدولية تجاه نقاط الخلاف في الأزمة الليبية وحسمها؛ لتحقيق الاستقرار في أفريقيا، وضفتي البحر الأبيض المتوسط.


للمزيد  تقرير أمريكي: موجة جديدة من العقوبات تضرب تركيا


ملفات متداخلة


المشهد المعقد سينعكس ليس فقط على الداخل الليبي، ولكن ستمتد لتشمل التأثير على الأمن الإقليمي في منطقة شرق المتوسط، كون هذا التدخل يتسم بعدم المشروعية القانونية، والذي تحاول أنقرة من خلاله ممارسة الضغوط على الدول الموجودة في المنطقة، بعدما فشلت في التوصل إلى صيغة مقبولة مع مصر واليونان وقبرص وإسرائيل، في احترام السيادة البحرية لهم، والمناطق الاقتصادية الخالصة، الأمر الذي انعكس على حجم التنسيق الثنائي والجماعي في المنطقة؛ لتحقيق الاستفادة المشروعة للثروات المكتشفة في تلك المنطقة، وفق تفاهم على المستويين الثنائي أو الجماعي، ومن ثم فإن هناك مسارات متوازية، بعضها يتعلق بالتسوية السياسية، والبعض الآخر يتعلق بإطالة أمد الصراع الليبي، والصراع في منطقة شرق المتوسط، والذي تتصدره تركيا، سواء بتحركاتها غير المشروعة في التنقيب عن الغاز، أو فيما يتعلق بتدخلاتها في الشأن الداخلي الليبي بدعم حكومة الوفاق، والتصريح بإرسال جنود أتراك إلى هناك لمساندتها في مواجهة قوات الجيش الوطني الليبي، ووفق ذلك تداخلت العديد من الملفات والسياسات، سواء على مستوى الداخل الليبي أو المستويين الإقليمي والدولي، وذلك على النحو التالي: (1)


1) الداخل الليبي: أسهم التدخل التركي من قبل بدعم الجماعات المسلحة التابعة لحكومة الوفاق أو من خلال الاتفاق الأمني والعسكري مع حكومة الوفاق في زيادة مستوى حدة الصراع؛ خاصة بعدما حقق الجيش الوطني العديد من النجاحات خلال عمليتي الكرامة وطوفان الكرامة؛ ونتيجة للاتفاق الموقع بين الجانبين أعلن الجيش استهدافه كل الطائرات والسفن التركية في المياه الإقليمية الليبية، وهذا الأمر ظهر جليًا في 22 ديسمبر 2019، عندما قامت البحرية الليبية بالقبض على سفينة تركية للتفتيش، التي كانت تحمل علم غرينادا، ويقودها طاقم تركي الجنسية، وذلك قبالة السواحل الشمالية الشرقية للبلاد.


2) الجانب الأوروبي: قام وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بإجراء مشاورات حول كيفية الحد من التأثيرات السلبية للاتفاق بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية؛ خاصة في ظل الاهتمام الأوروبي بتحقيق الاستقرار في هذه المنطقة، فيما يتعلق بتأمين احتياجاتها من الطاقة بعيدًا عن الجانب الروسي الذي تشهد العلاقات معه توترات عدة؛ خاصة أن بنود الاتفاق تسمح لتركيا بالوجود في مناطق تخضع للسيادة اليونانية والقبرصية، والتي تشهد نزاعًا طويل الأمد حول حقوق التنقيب عن النفط والغاز شرقي البحر المتوسط.


وبالرغم من كونهما حليفين في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإن اليونان وتركيا منقسمان حول جملة من القضايا التي استمرت لعقود، بما في ذلك النزاعات الإقليمية في بحر إيجه، وقد وصلتا إلى شفا الحرب ثلاث مرات منذ سبعينيات القرن الماضي؛ إحداها حول حقوق التنقيب في إيجه، ويستهدف الاتحاد الأوروبي الخروج بجملة من الإجراءات التي لم تعد فقط العقوبات آلية وحيدة على ردع ومواجهة السلوك التركي؛ خاصة أن هناك تشابكًا أيضًا بين الجانبين على الكثير من الملفات الخلافية، كما هو الحال في أزمة اللاجئين أو أزمة العائدون من داعش، واللتان تستخدمهما تركيا في الضغط على دول الاتحاد.(2)


3) المتغير الأمريكي: برز المتغير الأمريكي بصورة غير مباشرة تجاه الضغط على تركيا في الكثير من الملفات، ولكن في منطقة غاز شرق المتوسط فإن السياسة الأمريكية بدأت تتكشف في الظهور، بعدما أقر الكونجرس في 17 ديسمبر 2019 رفع الحظر المفروض على قبرص والمفروض عليها منذ عقود، في خطوة تنطوي على تحدٍّ لتركيا عبر السعي لتعزيز العلاقات الأمريكية مع الجزيرة المتوسطية، وسط التوتر المتصاعد بين أنقرة وواشنطن.


الجدير بالذكر، أنه بالتزامن مع ذلك فرضت الولايات عقوبات اقتصادية على تركيا على خلفية إقامة الغاز الروسي، السيل الشمالي 2 أو نورد ستريم، والسيل التركي أو ترك ستريم، وفي كل الأحوال تجد تركيا نفسها الآن في مأزق، ففي حال رضوخها من أجل تجنب العقوبات الأمريكية عليها، فستغضب الحكومة التركية القيادة في موسكو، ويمكن للحكومة الروسية فرض عقوبات اقتصادية أيضًا كما فعلت في عام 2015 بعد إسقاط طائرة مقاتلة روسية في المجال الجوي التركي، وبالتالي فإن الخيارات التركية في أي جانب سوف تتسبب في كلتا الحالتين في التوتر مع إحدى القوتين العظميين.(3)


4) المتغير الروسي: تتقاطع المصالح الروسية من خلال سوريا مع تلك التوترات التي تشهدها منطقة غاز شرق المتوسط؛ خاصة أن موسكو في ديسمبر 2017، وقّع بوتين قانونًا لتوسيع قاعدتي طرطوس وحميميم؛ من أجل ترسيخ الوجود الدائم لروسيا في سوريا، وإلى جانب موانئ سوريا، تتطلع موسكو إلى مصر وليبيا، وكذلك إلى شمال أفريقيا على نطاق أوسع، ويمكن إرجاء ذلك إلى الطموحات الروسية الرامية إلى لعب دور جيوسياسي أكبر في شرق البحر الأبيض المتوسط، ولعل هذه التحركات الروسية في منطقة شرق المتوسط، بعدما وقع الطرفان الروسي والسوري اتفاق «عقد عمريت» في 2013؛ من أجل التنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، ويشمل عمليات تنقيب في مساحة 2190 كيلومترًا مربعًا، ويمتد على مدى 25 عامًا، بكلفة تبلغ 100 مليون دولار، بتمويل من روسيا، وفي حال اكتشف النفط أو الغاز بكميات تجارية، ستسترد موسكو النفقات من الإنتاج، واستحوذت شركتان روسيتان على ثلاثة مواقع للتنقيب عن البترول في سوريا، بعد توقيع كل من شركتي فيلادا وميركوري الروسيتين على العقود مع وزارة النفط السورية.


وفيما يتعلق بالاتفاق التركي مع حكومة الوفاق الليبية دعا الرئيس بوتين إلى وقف الأعمال العسكرية في ليبيا، والتوصل إلى حل يسمح بتوزيع صلاحيات الحكم بين الأطراف الليبية، وقال بوتين: إن روسيا على اتصال مع جميع الفرقاء الليبيين، بما في ذلك رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج، وقائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر، مشيرًا الى مشاورات تجريها موسكو مع تركيا ودول أوروبية أخرى بهذا الإطار؛ خاصة بعد زيادة احتمال نقل تركيا قوات عسكرية إلى ليبيا، وفق الاتفاق الأمني.(4)


للمزيد  المشروع «الإخواني التركي».. حلم أردوغان «العثماني» يبدأ بثروات ليبيا

انعكاسات التدخل..

تداعيات محتملة


ثمة العديد من التداعيات التي ستنعكس على الكثير من المسارات السياسية والاقتصادية والعسكرية، سواء على مستوى الداخل الليبي أو على المسارات الإقليمية والدولية، فبعد أن وجدت تركيا نفسها في عزلة إقليمية في شرق المتوسط، ومحاطة بالكثير من الانتقادات، شرعت في التوجه نحو فرض سياسة الأمر الواقع، ومحاولة بلورة واقع جديد من خلال تغيير خريطة التحالفات القائمة حاليًّا من خلال اصطفاف مصر واليونان وقبرص ضد تنقيب تركيا عن الغاز، سواء على حدودها أو على حدود ليبيا عبر التوقيع على اتفاقية أمنية وحدودية جغرافية مع حكومة الوفاق في ليبيا لترسيم الحدود البحرية بين البلدين، وبالنسبة لاعتبارات القانون الدولي فإن مذكرة التفاهم بين الجانب التركي وحكومة الوفاق الليبية تفتقد للصلاحيات الدستورية الداخلية الليبية، كون حكومة الوفاق غير مكتملة الشرعية السياسية والقانونية، وخرجت من رحم اتفاق سياسي لم يكتمل؛ لأنها لم تستحوذ على ثقة من برلمان طبرق، لأن أي معاهدة بين بلدين لتصبح معاهدة لابد من وجود حكومة مكتملة الشرعية تستطيع التوقيع على الاتفاق ثم برلمان يُصدق على هذا الاتفاق وفق اتفاق الصخيرات الذي انبثقت منه هذه الحكومة، وتأسيسًا على ذلك برزت عدة سيناريوهات على النحو التالي: (5)


1) الافتراض الأول: يرتكز هذا السيناريو على إمكانية تسوية الخلافات، والاتجاه نحو التعاون؛ خاصة أن الموقف التركي يتعرض للكثير من الانتقادات الداخلية والإقليمية والدولية، من خلال توفير سبل، وبناء آفاق لتفعيل الشراكة والمباحثات بين الدول عبر منظمة الاتحاد من أجل المتوسط أو عبر التفاهمات الثنائية بين الدول؛ من أجل تخفيض التصعيد، ويظل هذا الافتراض مشروطًا تحقيقه بالتوقف التركي عن انتهاج سياسات تصعيدية تؤثر على مسار العمل المشترك في هذه المنطقة.


ويستند هذا الافتراض على الإدراك المتبادل لدول شرق البحر الأبيض المتوسط لخطورة التصعيد فيما بينها على أمنها وأمن المنطقة، التي تعد حيوية لدول العالم على صعيد التجارة ونقل الطاقة، ومن ثم فإن حجم الضغوط والتصعيد من الممكن أن يدفع هذه الدول إلى التفاوض مجددًا على ترسيم الحدود البحرية، وتقاسم المصالح الاقتصادية في المناطق المشتركة.


2) الافتراض الثاني: يفترض استمرار حالة التصعيد، وتشكيل محاور إقليمية ودولية مناوئة لتركيا، وبالنسبة لتركيا فإنها ستستمر في انتهاج السياسات التصعيدية لها، وخلق محاورها الخاصة، الأمر الذي قد يتطور إلى إمكانية فرض عقوبات سياسية واقتصادية وعسكرية رادعة، ويعود ذلك إلى حساسية جيبوليتك المنطقة وبعدها التاريخي، ولما تحويه من ثروات وطاقة، لذلك قد يتراوح التصعيد بين العقوبات الاقتصادية والسياسية والمناوشات العسكرية، ومحاولة إلغاء الاتفاقية بين تركيا وحكومة الوفاق، ويدعم هذا السيناريو التباينات الشديدة في سياسات الدول المطلة على شرق المتوسط.


3) الافتراض الثالث: نشوب الصراع ووقوع اشتباك عسكري بين مصر وتركيا في حال قيام تركيا بتفعيل الاتقاق الأمني مع حكومة الوفاق في ظل الاستعدادات العسكرية المصرية، والتنسيق مع اليونان وقبرص سياسيًّا وعسكريًّا، ورغم أن الاشتباك العسكري أمر من الصعب حدوثه؛ لأن منطقة الشرق الأوسط ليست في حاجة إلى تأزيم أو تصعيد الأمور، بل في حاجة إلى التهدئة، إلا أن احتمالاته تظل قائمة في ظل المعطيات الميدانية.


المراجع:

1) كعكة الغاز.. أبعاد الصراع الأردوغاني مع دول شرق المتوسط، على الرابط: https://cutt.us/P49aQ

2) تركيا تحذر الولايات المتحدة من مغبة رفع حظر السلاح المفروض على قبرص، على الرابط: https://cutt.us/8XI9

3) هل يعيد الاتفاق التركي الليبي رسم خارطة النفوذ شرق المتوسط؟، على الرابط: https://cutt.us/dzEhn

4) المصالح الروسية في سورية، على الرابط: https://carnegie-mec.org/2014/06/11/ar-pub-55899

5) تطورات وصراعات جديدة.. هل مازال مسار برلين قائمًا؟، على الرابط: https://cutt.us/vJCC6

"