يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

لأجل عيون «أردوغان».. «الإخوان» تستمر في ممارسة الإرهاب

الجمعة 03/أغسطس/2018 - 06:03 م
المرجع
هشام النجار
طباعة
ليس هناك جناحان على الحقيقة داخل جماعة الإخوان (أسسها حسن البنّا في مصر عام 1928) كما يظهر على السطح، إنما هي جماعة واحدة تعاظم فيها مهام جناحها المسلح، أو ما يُعرف حديثًا بـ«اللجان النوعية»، خاصة خلال عامي 2014، و2015، ثم بدأت الجماعة تبرز صورتها الأخرى المعتادة، عندما تلقى التنظيم السري ضربةً قاصمةً من قِبل أجهزة الأمن المصرية.


سيد قطب والبنا
سيد قطب والبنا
لنفهم ما يحدث، ينبغي قراءة فلسفة «البنّا» مؤسس الجماعة، مقابل فلسفة سيد قطب؛ فالأول مناور جعل للجماعة جناحين؛ أحدهما سري مسلح، والآخر سياسي معلن؛ ليتمكن من التملص من العنف عند هزيمة من جَنَّدَهم بنفسه، ووجَّهَهم لارتكاب عمليات إرهابية.

والثاني سعى لعسكرة التنظيم بالكامل، وجعله جناحًا واحدًا يتبنى الصدام الشامل دون الدخول في مناورات سياسية، وتنازعت الفلسفتان عندما تم تصعيد الجناح المسلح ليقوم بمهام محددة تحت إشراف القيادة العامة للجماعة.

استغل شباب الإخوان الفرصة لإقصاء الوجوه القديمة عن القيادة، تشبثًا بمنهج «قطب»، ودافع الحرس القديم عن مراكزه متمسكًا بمنهج «البنّا»، الذي يتيح المزاوجة بين السري والعلني، والسياسي والمسلح.

الدلائل عديدة؛ فمن أمر بتشكيل هذه اللجان النوعية هم قيادات الحرس القديم أنفسهم، وأطلق المرشد من سجنه خطة «إعادة هيكلة التنظيم» قبيل فعاليات 25 يناير 2015، باستحداث مهام جديدة كلف بها شبابًا لم يُسمِّهم لقيادة المرحلة.

لم يتنازع الجناحان طوال عامين ترقبًا لما ستؤول إليه الأوضاع، وظهرت الجماعة متفقة على مسار العنف و«عسكرة الثورة»، سيرًا على الخطة التي وضعها محمد كمال، وهو عضو مجلس شورى الجماعة الذي أشرف على نشاط لجان الجماعة النوعية المسلحة تحت عنوان: «الإنهاك والإرباك والإفشال»، قبل أن تقتله قوات الأمن.

تيقنت الجماعة من هزيمة لجانها النوعية وجناحها المسلح، فبدأت بوادر النزاع؛ بهدف العودة لخطة «البنّا» عندما فشلت خطة «قطب»؛ للظهور بالجماعة كأنها بريئة مما ارتكبته من عنف، بزعم أن من قام به تيار متمرد على القيادة.

أدرك قادة الحرس القديم ويتقدمهم «إبراهيم منير، ومحمود عزت، ومحمود حسين»، أبعاد الضربة الأمنية التي تلقاها الجناح الشبابي واللجان النوعية، سواء خلال المواجهات التي امتدت لأكثر من 3 أعوام مع الشرطة المصرية، أو عبر عملية «سيناء 2018» الأخيرة الشاملة، التي من المفترض أن تقضي على ما تبقى من بنية هذه اللجان السرية في الداخل المصري.
الاخوان
الاخوان
عودة للجماعة لا للدولة
ولذلك عرض الأمين العام للجماعة «محمود حسين»، خلال حوار له على فضائية الجزيرة القطرية، على أعضاء ومؤيدي «تيار الشباب» العودة واللحاق بأصل الجماعة ومؤسساتها، وقال: إن «أبواب الجماعة مفتوحة لكل من أراد اللحاق بركبها وفق نظمها ولوائحها وأدبياتها».

حيث إنه يدرك أن تيار اللجان النوعية، والذي يعرف أيضًا بـ«التأسيس الثالث» و«الكماليين»، بعد الهزيمة الميدانية التي تعرض لها، مآله للتراجع وإعلان الاستسلام؛ لذا يستبق ويسعى أن تكون المحصلة من نزوح الأفراد المتراجعين صوب الجماعة الأصل، لا صوب الدولة بإعلان التوبة والاعتذار للمجتمع المصري.

تظهر هنا خبرة جماعة الإخوان، فقادتها يشتمون عن بُعد مصائر الأجنحة المسلحة الشاملة، خاصةً أن جماعة الإخوان ذاتها كاد يُقضى عليها تمامًا بعد القضاء على تنظيم «65 الانقلابي» المسلح الذي قاده سيد قطب.

ويُدرك قادة الجماعة أن الجناح الذي يتبنى العنف بشكل معلن وشامل مساق على المدى المنظور لمصير من اثنين؛ إما الهزيمة الساحقة من قِبَل المؤسسة الأمنية التي تتفوق عليه عدةً وعتادًا وقوةً، وإما الاستسلام ومباشرة مراجعات ذاتية، كنموذج الجماعة الإسلامية المصرية في تسعينيات القرن الماضي.

تظهر هنا خطورة جناح الحرس القديم الذي يوظف المتناقضات لصالحه؛ فهو يتبنى المراوغة والمزاوجة بين العلنية والسرية، وبين التمسح بشعارات السلمية ومباشرة العنف عبر أنماط متعددة ومبتكرة، علاوةً على أنه يظهر بخطاب خاص للغربيين، وخطاب مختلف في الداخل المصري.

ويلجأ قادة هذا الجناح مع سعيهم لتحقيق أهداف «الكماليين» نفهسا لخطاب مراوغ يجعل الشعب طرفًا في الصراع، ويبتكرون أنماطًا للعنف أكثر اتساعًا، بدلًا من أن ينحصر الصراع بين الجماعة وحدها في مواجهة أجهزة الدولة الأمنية.

تعبيرية
تعبيرية
إخوان «داعش»
هناك تحدٍّ آخر يُواجه قادة جماعة الإخوان من الحرس القديم؛ إذ إن فشل اللجان النوعية المسلحة لجماعة الإخوان في الاستمرار بنفس القوة التي ظهرت بها خلال عامي 2014 و2015، ونجاح الأجهزة الأمنية في القضاء سريعًا على كوادرها وفي توجيه ضربات قوية لبنيتها التنظيمية، خلق حالة من الهجرة صوب تنظيم «داعش» لدى شباب الإخوان.

ولجأ شباب جماعة الإخوان للانضمام لـ«داعش» خلال الفترة الأخيرة؛ بسبب تفكك التنظيم السري الجديد للجماعة عقب مقتل قائده محمد كمال في أكتوبر عام 2016، أثناء مواجهة مسلحة مع الأجهزة الأمنية.

وانقسمت اللجان النوعية المسلحة للإخوان على نفسها؛ فمنهم من رأى أنه لا جدوى من المواصلة ضمن خلايا ضعيفة لم تُقدم ما يأمله الشباب، فرأوا أن الانضمام إلى التنظيم الأكثر خبرة وشراسة في ميادين المواجهة والقتال هو ما سيحقق لهم ما يضمرونه من رغبات في الثأر.

واستغل تنظيم «داعش» حالة الانبهار الإخواني به، والتي لمسها من ازدياد معدل انضمام شباب الإخوان لصفوفه عبر إصداره المصور الأخير بعنوان «حماة الشريعة»، والذي يؤكد انضمام عمر الديب نجل القيادي الإخواني إبراهيم الديب له، ومشاركته في عملياته المسلحة؛ بهدف استقطاب المزيد.

لذلك حرص محمود عزت، القائم بأعمال مرشد الجماعة حاليًّا، على التخفي عن الأنظار منذ فترة على الخروج في هذا التوقيت، ويُهاجم الجناح الشبابي داخل الجماعة، متهمًا إياه بتجنيد شباب الجماعة في صفوف تنظيم «داعش».

وتوازيًا تحدث محمود حسين، عن تبرؤ الجماعة من داعش ومنهجه، ومن تنظيم «حسم» -أحد أهم لجان الإخوان النوعية- وكل من يرفع السلاح ضد الدولة وأجهزتها الأمنية.

ويُحاول الحرس القديم هنا الإمساك بالتنظيم والسيطرة عليه؛ حتى لا ينهار عقب هزيمة لجانه النوعية المسلحة، مع حرص قادته على ألا تتسبب الأزمة في انفراط عقد الجماعة بتوجه قسم من شبابها لداعش وقسم آخر إلى حضن الدولة المصرية.

وتبادل قادة الجناحين الهجوم بقوة أخيرًا؛ لأن جماعة الإخوان ممثلة بقيادتها التقليدية ضاعت منها فرصة إلهاء قواعد الجماعة، عبر الظهور كما لو كانت ممسكة ببعض خيوط اللعبة السياسية في مصر، مع فتح باب الترشح للانتخابات الرئاسية الأخيرة، بما يمنح الأفراد آمال العودة من هذا الباب.

وجد جناح الحرس القديم أن إخفاقه في تثبيت حضوره في انتخابات الرئاسة الأخيرة عبر وكلاء سيضعف موقفه وينهي سيطرته، بعد أن عَوَّل على تفكيك أزمة الجماعة، من خلال ربط اسمها بمرشحين محتملين للرئاسة.
الجيش في سيناء
الجيش في سيناء
الجيش ينتصر
فيمَ أربكت نتائج عملية سيناء 2018 جناح الكماليين؛ لكونه يعتمد بشكل رئيسي على إثبات وجاهة خياراته الممثلة في العسكرة الشاملة للجماعة وتطويرها لتنظيم ثوري مسلح، على بقاء سيناء كرافد وداعم لنشاطه داخل المحافظات.

انكشف جناحا الإخوان إذن، وضاعت فرص كل منهما في الإمساك بمسار يعزز من خلاله فرص سيطرته على مقاليد إدارة الجماعة، فوجدا أن الحل في الهروب للصراع الداخلي، حتى لا ينشغل أعضاء الجماعة بملفات الإخفاق ومطالبات المحاسبة والعزل.

ووجد قادة الجناحين ألا مفر من فتح ملفات الخلاف وتصعيد لهجة الهجوم، خاصةً بعد أن صارت الجماعة مكشوفة إثر العملية العسكرية الشاملة التي قضت على الجزء الأكبر من بنية التنظيمات الإرهابية المسلحة بسيناء.

أردوغان يسيطر على الجماعة
في المحصلة يبدو أن من يمضي قدمًا في فرض سيطرته على التنظيم هو تيار الحرس القديم، لكنه سيرهن نفسه بالكامل للقيادة التركية، وهو ما عكسته طبيعة الفعاليات والمؤتمرات والاحتفالات التي نظمتها الجماعة بتركيا خلال الفترة الأخيرة.

تكبدت حركة حسم التي تعد الذراع المسلحة الرئيسية للإخوان خسائر فادحة في صفوف أعضائها وقيادييها، بعد أن كشفت الأجهزة الأمنية الكثير من مراكز تمركزها ومناطق اختباء أفرادها وأسرار هيكلها التنظيمي، كما تم كشف هوية أهم كوادرها، وأسماء المسؤولين عن عملياتها النوعية.

ما أوصل للقيام بعمليات عدّة استباقية أسقطت العديد من قيادات الحركة، وأحبطت هجمات عدّة كان مخططًا تنفيذها، كما قلَّت قدرتها على إنجاح عملياتها النوعية، وأخيرًا فشلت محاولتها في اغتيال مدير أمن الإسكندرية.

وانطوى حديث الرئيس عبدالفتاح السيسي أخيرًا من قلب قاعدة جوية بسيناء على وصول الجيش لمراحل متقدمة، تسبق الإعلان النهائي عن الانتصار على مختلف الفصائل الإرهابية بمن فيهم خلايا الإخوان المسلحة.

وأحكمت قوات الجيش السيطرة على الحدود، وتمكنت من اكتشاف غالبية مخابئ التنظيمات المسلحة ومعابر مرورها، بما يحرمها من تعويض خسائرها في الداخل عبر إمدادات خارجية.

ألجأت تلك المعطيات جناح الحرس القديم لجماعة الإخوان لأن يغير عنوان استراتيجية الجماعة، معلنًا عن شكل جديد من المواجهة مع الحالة المصرية والواقع العربي برمته.
 أردوغان
أردوغان
إذ بدلًا من أن تقود الجماعة مسارًا صداميًّا مباشرًا مع الدولة المصرية تحت مبرر استعادة سلطة الجماعة في الحكم، وإعادة محمد مرسي كرئيس للبلاد، الآن تدخل كقوة سياسية وعسكرية وتعبوية تحت عنوان تنصيب رجب طيب أردوغان، زعيمًا وخليفةً للمسلمين.

وبمراجعة طبيعة فعاليات وتصريحات قادة الجماعة منذ مؤتمر «نداء الموصل» الذي نظمته بتركيا، مرورًا بفاعلية «شكرًا تركيا»، وانتهاءً باحتفالية «ذكرى تأسيس الإخوان التسعين»، نلمس أن الجماعة تخوض مرحلة جديدة تحت الزعامة التركية.

واتضحت ملامح هذه المرحلة عبر العديد من الشواهد، أهمها إنهاء الانقسام داخل الجماعة، وتحجيم نفوذ الكماليين، للإيحاء بأن الجماعة تعود لهدف أكبر من إعادة «مرسي».

مارست جماعة الإخوان العنف ضد الدولة المصرية في السابق عبر أجنحتها المسلحة من الداخل، ويتضح من اعترافات المقبوض عليهم من شباب حركة «حسم»، بأن التمويل والإشراف والتخطيط للعمليات يُدار من تركيا.

الآن ستمارسه تحت غطاء «مشروع أردوغان الإقليمي» لتنصيبه خليفةً وزعيمًا للمسلمين، ولتحقيق أهدافه في اقتطاع أجزاء استراتيجية من الجغرافيا العربية.

ولذلك تعهد خالد مشعل، رئيس حماس السابق، بعد مبايعة أردوغان «زعيمًا للأمة الإسلامية»، وبعد مباركته لاحتلال تركيا لمدينة عفرين السورية بجهود مقاتلين تابعين لجماعة الإخوان من الجيش السوري الحر، بمواصلة «الجهاد تحت قيادة أردوغان»، قائلًا: «إن شاء الله سنسجل ملاحم بطولية لنصرة أمتنا».
"