يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

بعد تجاوز سوريا مرحلة الخطر.. روسيا وإيران وغنائم الحرب

الإثنين 28/مايو/2018 - 10:23 م
المرجع
إسلام محمد
طباعة
بعد سنوات من القتال من أجل دعم النظام السوري، في مواجهة مناوئيه، تقترب لحظة اقتسام الغنائم، بعدما تجاوز النظام مرحلة الخطر، وأصبح لحلفائه وجود عسكري كبير في البلاد؛ ما ينذر بوقوع اختلاف بين الروس والإيرانيين اللذين كان لكليهما فضل كبير في دعم الرئيس بشار الأسد في أحلك الأوقات.

وقد ثارت التكهنات بشأن تلك الاختلافات بعد التصريحات التي كان مبعوث الرئيس الروسي الخاص إلى سوريا ألكسندر لافرنتيف، أدلى بها لوسائل إعلام بلاده، قائلًا: إن انسحاب الوحدات الأجنبية من سوريا يجب أن يتم بشكل شامل؛ ما استدعى ردًّا من المتحدث باسم الخارجية الإيرانية بهرام قاسمي، الذي أكد أنه «لا أحد بإمكانه إجبار إيران على الخروج من سوريا»، مشددًا على أن طهران «مستقلة في السياسات».

من جهته، أكد الكاتب الصحفي أسامة الهتيمي، الخبير في الشؤون الإيرانية، أن الحديث عن وجود مطالب روسية بانسحاب القوات الإيرانية من سوريا لم يكن حديثًا حاسمًا من قبل الكرملين، وإنما ارتكز هذا الحديث على مجرد تفسير من قبل مبعوث الرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتيف لكلام الرئيس فلاديمير بوتين، بشأن الحاجة إلى انسحاب القوات الأجنبية من سوريا؛ حيث اعتبر لافرنتيف أن هذا يعني كل المجموعات العسكرية الأجنبية التي توجد على أراضي سوريا، بما فيها الأمريكيون والأتراك وحزب الله والإيرانيون.

من ثم فإنه يمكن النظر إلى هذا التفسير على أنه أحد احتمالين:

«الأول» أن يكون تفسيرًا عفويًّا، ولم يكن الإيرانيون مقصودين به بقدر ما كانت رسالة لغيرهم من الأمريكيين والأتراك.

«الثاني» أن يكون ما نطق به لافرنتيف ليس إلَّا «تكتيكًا» يستهدف ممارسة الضغط على إيران؛ للحدِّ من طموحها في سوريا، فيما لا تريد روسيا انسحاب إيران من سوريا، فضلًا عن إدراكها أن هذا الانسحاب في الوقت الحالي ربما ليس في صالحها.

ويُعد الاحتمال الثاني أكثر منطقية؛ لاتساقه مع السياسة الروسية التي تريد تحقيق أكبر قدر من المنافع والمكاسب في سوريا، بعد أن لعبت دورًا مهمًّا استمر لأكثر من 3 سنوات؛ نجح في الإبقاء على النظام السوري. 

وأضاف «الهتيمي» في تصريحاته لـ«المرجع» أن إيران لن تخرج من سوريا؛ لأسباب عدة، منها ما هو متعلق بإيران ذاتها، ومنها ما يتعلق بعلاقة إيران بالنظام السوري، فضلًا عما هو متعلق بالجانب الروسي الذي يخص إيران، يمكن فهمه بأن تدخلها في سوريا وغيرها من بلدان الإقليم جزء من مشروعها الذي لا يمكن على الإطلاق أن تتخلى عنه، فالتخلي عن المشروع يعني ببساطة خسارة النفوذ الإيراني القوي في سوريا، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال إلى انهيار نظام الملالي القائم على نظرية ولاية الفقيه وآلية تصدير الثورة، كما أن هذا البقاء يُمثل ورقة من أهم الأوراق الضاغطة التي تلعب بها إيران على الساحة الدولية مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل؛ كونه -أي البقاء الإيراني في سوريا- يعكس مدى قوة إيران ونفوذها في المنطقة، وإمكانية أن تلعب دورًا محوريًّا يحقق مصالح مشتركة، في حال حدثت توافقات.

وعلاقة إيران بالنظام السوري قائمة على أساس أيديولوجي وأهداف استراتيجية إقليمية، لا يمكن لكليهما أن يتخلى عنها، فمن ناحية إيران تتخذ من سوريا ركيزةً قويةً فيما يُسمى «محور الممانعة»، الذي يُعد القوة الأساسية التي تستند إليها إيران في تحركاتها في المنطقة، كما أن سوريا هي الممر الوحيد والطريق الآمن الواصل بين إيران وحزب الله اللبناني، الذي هو درة التاج الإيراني والنموذج المثال الذي تحاول أن تستنسخه في كلِّ البلدان التي امتد إليها النفوذ الإيراني، فضلًا عن أن البقاء الإيراني في سوريا منح إيران موطئ قدم في البحر الأبيض المتوسط.

ومن الناحية السورية، بات النظام السوري برئاسة بشار الأسد يُدرك جليًّا، أن الدعم الإيراني الذي قدم له بعد أن تمت «عسكرة الثورة السورية» منذ سنوات، هو ما يحول بين نظام الأسد والانهيار، وأن هذا الدعم نجح؛ لاستناده إلى أساس طائفي ومذهبي بالدرجة الأولى.

وأما ما هو متعلق بالجانب الروسي؛ فإن الروس أحرص الأطراف على استمرار بقاء القوات الإيرانية في سوريا؛ إذ إنه لولا وجود هذه القوات الإيرانية والميليشيات الشيعية التابعة لها لكان من المرجح أن تتضاعف الخسائر الروسية في سوريا، وهو الأمر الذي كان يُمكن أن يقلب الخطط الروسية كلها في سوريا رأسًا على عقب، ومن ثم فإن بقاء هذه القوات بميليشياتها يمكن أن يكون جزءًا من الاستعداد لمواجهة أي مخاطر محتملة قد تواجه الدب الروسي. 

وأشار الهتيمي إلى أن حديث إسرائيل عن انسحاب إيران من سوريا يُشير إلى أمرين يتعلق ثانيهما بأولهما.

«الأول» أن الكيان الصهيوني وأمريكا باتا يدركان أن النظام السوري نجح في تحقيق السيطرة على الأرض، وأنه من المصلحة ألا يتم العصف بالجيش النظامي السوري حتى لا يتكرر السيناريو العراقي، خاصةً أن الأيام أثبتت أن هذا الجيش لن يُمثل على الإطلاق أي خطورة على أمن واستقرار إسرائيل، بعد العديد من الاختبارات، وأن الثورة السورية هي التي يمكن أن تُهدد استقرار إسرائيل بالفعل.

«الثاني» أنه وترتيبًا على ما سبق، فإن إيران قد قامت بدورها على أكمل وجه في التصدي للفصائل الإرهابية على أرض سوريا؛ ما رجح كفة بشار الأسد، ومن ثم فقد انتهى دورها عند هذا الحد، وإزاء ذلك نصبح أمام صراع محتمل قد يطول أمده بين رغبة «إيرانية - روسية - سورية» في بقاء القوات الإيرانية، ورغبة «أمريكية - إسرائيلية» في انسحاب إيران من سوريا، وهو الصراع الذي يمكن لكلا الطرفين أن يستخدمه خلاله أدوات الضغط؛ لتحقيق ما يريد كل طرف منها، وإن كان المرجح أن تنتصر فيه الرؤية «الإيرانية - الروسية - السورية» على أن يكون ذلك أيضًا وَفق تفاهمات دبلوماسية على أعلى مستوى بين روسيا وأمريكا، غير أنه وحتى يحدث ذلك فليس من المستبعد أن تقع مناوشات بين الحين والآخر.
"