يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

كرة القدم في أدبيات الإخوان.. لعبة تحولت إلى مشروع سياسي

السبت 26/مايو/2018 - 02:54 م
المرجع
دعاء إمام
طباعة
في نهاية ثلاثينيات القرن الماضي، خطب حسن البنّا (1906 - 1949) في نفر من جماعة الإخوان (أسسها البنا عام 1928)، الذين حضروا المؤتمر الخامس للجماعة، راميًا على مسامعهم عبارات وتعليمات يحضهم خلالها على الاهتمام بالرياضة البدنية؛ نزولًا على حديث النبي: «إن لبدنك عليك حقًّا».


كرة القدم في أدبيات
كرة القدم، على وجه الخصوص، لم تكن مجرد لعبة في أدبيات الإخوان، بل مشروع سياسيّ متكامل يخضع لإدارة وإشراف مؤسس الجماعة شخصيًا؛ إذ اعتمد «البنّا» -عام 1938- أول لائحة رياضية حقيقية ومكتملة للإخوان، نصت المادة الأولى منها على أن «الأندية الرياضية للإخوان وحدات قائمة بذاتها تخضع لإدارة الأندية بالمركز العام، وعند حدوث أي خلاف يكون مكتب الإرشاد هو المرجع الأخير، وقراراته نافذة وسارية على الجميع».

ابتكر «البنّا» وقتذاك، فكرة «كأس المرشد العام»؛ لتشجيع الشباب وطلاب المدارس على الانضمام إلى الجماعة، مستغلًّا شعبية اللعبة داخل مصر، فأجرى المسابقات على هذه الكأس كل عام، وكان المرشد يحضر المباراة النهائية بعد أن تتنافس كل فرق الإخوان على مستوى الجمهورية، ليسلم الكأس للفريق الفائز.

كما عجت مجلة «الإخوان» (الذراع الإعلامية للجماعة) بأخبار فرق كرة القدم والألعاب الأخرى، ففي العدد رقم 189، الصادر في ديسمبر 1946، احتفت المجلة بفوز فريق «إخوان المعادي»، على فريق «نادي المعادي» بنتيجة 3-1، بحضور المرشد العام، إضافةً إلى نشر مواعيد مباريات أندية الإخوان والأندية الأخرى.

وفي العدد ذاته، ورد أن فريق الإخوان بدمنهور يلاقي نادي الترسانة بالإسكندرية على استاد البلدية في تمام الساعة الثالثة والربع ظهرًا، وبموازاة ذلك، تحمّس إخوان الصعيد للعب كرة القدم، فأقيمت مباراة بين فريق «إخوان بني سويف» وفريق بني سويف.

تحولت اللعبة الشعبية الأولى في مصر إلى مشروع دعائي منظم، روّجتها الجماعة على أنها أسمى من أن تكون لهوًا وشغلًا لأوقات الفراغ، لكنها ساحة تتجسد فيها صورة الشاب المتدين كما يريده الإخوان.
كرة القدم في أدبيات
وُجهت اتهامات سلفية لجماعة الإخوان في هذا الصدد، فقال عبدالمنعم الشحات، أحد مفكري التيار السلفي، في مقطع مصور نُشر عام 2009: «إن الإخوان أصروا على الدخول في ألعاب السياسة والديمقراطية، فوقعوا في كثير من الأخطاء: منها تورطهم في تشجيع كرة القدم والاهتمام بها»؛ متهمًا الجماعة بالهروب من الصدام مع الناس من خلال الاهتمام بكرة القدم؛ للتدليل على أنهم يندمجون في الحياة العامة وليسوا متشددين.

وفي كتابه «شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر»، الصادر عام 2010، أشار عبدالمنعم أبوالفتوح (قيادي سابق في جماعة الإخوان)، إلى صدام شهدته الجماعة في السبعينيات، كان طرفه الأول هو وزملاؤه، والآخر السكرتير الشخصي للمرشد الثالث للجماعة عمر التلمساني (1976-1986)؛ وذلك بعدما سمح المرشد له بالاعتذار عن عدم حضور اجتماع مهم لقيادات الإخوان؛ نظرًا لانشغاله بمتابعة مباراة كرة قدم بين فريقي الأهلي والزمالك.

وبحسب «ويكي إخوان» (موسوعة إلكترونية تؤرخ للجماعة) فإن الجماعة أنشأت 99 فريقًا لكرة القدم في أنحاء مصر، يحملون اسم «الإخوان»، وكان «البنّا» يُقيم بينهم دورة كروية كل سنة، يقوم هو شخصيًّا بتسليم كأسها للفريق الفائز، وكان دائمًا يقول لمساعديه وأعضاء قيادة الجماعة: «إن كرة القدم هي أحد الأسلحة المهمة لجماعة الإخوان»، وكانت مباريات فرق الإخوان تشهد بعض الطقوس الدينية؛ إذ حرص أفراد فرق الإخوان على تأدية الصلوات بين شوطي المباراة.


كرة القدم في أدبيات
صادرت الحكومة أندية الإخوان؛ بعد حلّ الجماعة عام 1948 بقرار من رئيس الوزراء -آنذاك- محمود فهمي النقراشي، لكن تلك الأندية عادت مرةً أخرى بعد قرار المحكمة عام 1951 بإلغاء قرار الحلّ ليعود الإخوان إلى العناية بالرياضة، حتى توقَّفت الأنشطة مرةً أخرى بعد اعتقال قيادات الإخوان عام 1954.

حال الإخوان بالمعتقلات لم يختلف كثيرًا عما كانوا عليه بالخارج؛ إذ حرص الإخوان في سجون القاهرة والأقاليم على إقامة دورات رياضية، ومن أبرز تلك الدورات، ما وثقه المؤلف محمد الصروري في كتاب موسوم بـ«الإخوان المسلمون في سجون مصر»، الصادر عام 2006، عن دورات سجن الواحات التي أشرف عليها محمد مهدي عاكف (المرشد السابع لجماعة الإخوان فيما بعد) في الخمسينيات؛ نظرًا لدراسته في كلية التربية الرياضية.

وفي سجن قنا (جنوب مصر) لفت «الصروري» إلى أن كثيرًا من ضباط السجن، كانوا يشاركون الإخوان المعتقلين هذا النشاط، كالضابط مصطفى دومة وغيره، ولم يتوقف أفراد الجماعة المعتقلون عن ممارسة كرة القدم داخل السجن منذ الخمسينيات، وحتى مرحلة خروجهم من السجون في السبعينيات.

أما المؤلف حسّان حتحوت، في كتابه الصادر عام 2000 بعنوان «العقد الفريد»، فقصّ موقفًا وصفه بـ«الطرفة»، عن أحد دروس الثلاثاء؛ إذ استهل حسن البنّا الدرس بأخبار شعب الإخوان، معلنًا فوز فريق الكرة لإحدى الشُّعب في المباراة النهائية وحصوله على كأس المرشد العام، فقاطعه طالب سوري أزهري: «يا أستاذ، الكأس آلة الخمر، أهذه كلمة تقال في محيط الإخوان؟» فابتسم «البنا» وقال في دعابة: «أتغضب يا شيخ؟ إذن حصل على القدح».


 الكاتب ياسر أيوب
الكاتب ياسر أيوب

وعلى الرغم من موقف الجماعة الرافض لفرق كرة القدم النسائية؛ بسبب الخلاف على ملابسهن خلال اللعب والجري، واعتبار الاختلاط في النوادي حالة من السفور، فقد صرح المرشد الثامن للجماعة محمد بديع، إبان ثورة 25 يناير عام 2011، عن رغبة الجماعة في إنشاء نوادٍ رياضية وفرق للإخوان؛ ما عرّض الجماعة لحالة من الهجوم والسخرية.

كما خصص الكاتب ياسر أيوب، 6 دقائق من حلقة برنامجه «الأهلي اليوم»، الذي يقدمه على قناة النادي الأهلي، في أكتوبر 2012؛ للاحتفال بذكرى ميلاد حسن البنّا، والحديث عن الإخوان وعلاقتهم بكرة القدم.
 
وقال أيوب: إن «البنّا كان أحد الذين أدركوا حجم وقيمة ومدى تأثير كرة القدم، فكان من الأوائل الذين التفتوا إلى هذه اللعبة في التاريخ السياسي المصري، وقرر أن يستغل كرة القدم وشعبيتها، في إطار الدعوة لمزيد من الشعبية والرواج والتأثير لجماعة الإخوان».

وفيما يؤكد اختراق الجماعة لبعض الأندية المصرية، منها الأهلي، أكد «أيوب» أن «البنّا» كان صديقًا مقربًا لعدد من نجوم الأهلي الكبار، أبرزهم «محمود مختار التتش»، وأردف: «ورغم هذه الصداقة العميقة لم يكن يصر مؤسس الجماعة على حضور مباريات النادي الأهلي، لكن الصداقة بينهما أدت إلى أن يصبح البنا مشجعًا أهلاويًّا، ومن ثمّ تحولت الجماعة إلى جماعة أهلاوية، خاصة أن معظم قادة الجماعة ومديري شؤونها يشجعون النادي الأهلي».

"