يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

أردوغان ونيوزيلندا.. هجوم للاستهلاك المحلي وتراجع للسياسة الدولية

الجمعة 22/مارس/2019 - 11:28 م
المرجع
محمد عبد الغفار
طباعة

«يجب أن يكون رد فعل رئيس الوزراء النيوزيلندية جاسيندا أرديرن وتضامنها مع المسلمين نموذجًا لكافة زعماء العالم»، هكذا تحدث أردوغان في اجتماع لمنظمة التعاون الإسلامي، بمدينة إسطنبول التركية، ولكن هل كان يقصد أردوغان ذلك فعلًا أم أنه تراجع للخلف عقب حماقة سياسية ارتكبها منذ أيام؟


بالعودة بالتاريخ إلى يوم الجمعة 15 من مارس من عام 2019، استهدف إرهابي أسترالي مسجدين في مدينة كريست تشرش، في عملية إطلاق نيران إرهابية راح ضحيتها نحو 50 فردًا، بالإضافة إلى 24 مصابًا بينهم أطفال كانوا بالمسجد لحظة الهجوم.

أردوغان ونيوزيلندا..

الإرهاب يضرب نيوزيلندا.. و«أردوغان» يهاجمها

وفي الوقت الذي سعت فيه دول العالم، بدافع من إنسانيتها، إلى الوقوف مع الحكومة النيوزيلندية في محنتها، خصوصًا وأن الإرهاب الأسود لا يعرف دينًا ولا وطنًا ولا قومية، وصدرت العديد من البيانات الداعمة للمصابين وأهالي الضحايا، كان رجب طيب أردوغان يعمل على استغلال الحادث لصالحه؛ حيث وجد أردوغان في الحادث فرصة لكسب تأييد أصوات الناخبين خلال الانتخابات المحلية المقبلة، والمقرر إجراؤها في 31 مارس المقبل؛ حيث أراد أردوغان أن يُظهر نفسه في صورة المدافع عن الدين الإسلامي والخلافة الدينية، والحامي لصون وعرض وحياة المسلمين حول العالم، وهو ما يعزز حلمه القديم النابع من تراث أجداده بخلافة المسلمين مرة أخرى، رغم كل مساوئهم آنذاك.


ولكي تنجح خطته، قام أردوغان بعرض الحادث الشنيع الذي بث الإرهابي أحداثه في عرض مباشر عبر خاصية النقل الحي بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، وعلى الرغم من أن كل مواقع التواصل الاجتماعي قد قامت بحذف الفيديو ومنع تداوله، إلا أن أردوغان حصل عليه، وعمل على استغلاله، رغم بشاعته ودمويته، لصالح حملته الانتخابية.

أردوغان ونيوزيلندا..

حماقات أردوغانية.. عنتريات للاستهلاك المحلي

وتأكيدًا على نجاح هدفه الخبيث، أطلق أردوغان التصريحات العنترية ضد الدولة النيوزيلندية وحكومتها، ثم نشرت وكالة الأنباء التركية الرسمية فيديو لأردوغان وهو يحادث رئيسة الوزراء النيوزيلندية ويسألها عن أبرز نتائج التحقيقات، وطبيعة الهجوم بلهجة هجومية واضحة، معتبرًا أن هناك عصابة تقف وراءه وليس عملًا فرديًّا.


ولم يتوقف أردوغان عند هذا الحد، ولكنه عاد في لقاء انتخابي ليتحدث عن ما اعتبرها أمجادًا عثمانية قديمة، ضد المؤامرات الأجنبية التي وضعتها القوى الأجنبية ضد الدولة العثمانية، واعتبر أنه يحاول تذكير الغرب، الذي سعى لسنوات للانضمام له، بها.

أردوغان ونيوزيلندا..

رفض نيوزلندي

وردًّا على كل هذا، أعلنت نيوزيلندا أنها ترفض ما قام به أردوغان، وأنه يعرض حياة مواطنيها في الخارج للخطر بسبب حديثه ذي الطابع الديني، لذا قامت بإرسال وزير خارجيتها إلى تركيا لإيضاح الحقائق، والتعرف على دوافع التصرفات الأردوغانية الطائشة.


ويبدو أن أردوغان لم يكن يريد سوى تحقيق هدف محلي، ولم يتوقع أن تتطور الأمور إلى هذا الحد، لذا عاد لممارسة تناقضاته المعروفة، وأراد أن يخفف من وطأة الحديث حتى لا يقع في أزمة دبلوماسية، وهذا دليل على قصر نظره، وعدم قدرته على حساب الأوضاع بصورة صحيحة ومضبوطة.


ولم يتوقف تراجع أردوغان عند هذا الحد، ولكنه ذهب إلى ما هو أبعد، وناقض نفسه مرة أخرى عندما قال في نفس الاجتماع «على السياسيين الذين يربحون الانتخابات بتبني مواقف تدعو لإقصاء المسلمين وكراهية اللاجئين أن يضبطوا خطاباتهم»، وكان عليه أن ينصح نفسه، بدلًا من نصيحة الآخرين، وهو تناقض معروف عنه.


وذلك لأن الكل يعلم بأن أردوغان اتخذ تلك المواقف لكسب تأييد المواطنين داخل تركيا قبل الانتخابات المقبلة؛ حيث اعتمد أردوغان على استراتيجية التلاعب بالدين والمواقف الخاصة بالمسلمين، بهدف كسب قلوب السذج من المواطنين داخل تركيا وخارجها.


لذا يظهر بوضوح أن أردوغان أيقن أنه ارتكب حماقة سياسية في ردة فعله تجاه الحادث الإرهابي في نيوزيلندا، وبأنه لم يكن من المفروض أن يتحرك بهذه الغوغائية حتى وإن أراد استغلال الحادث لصالح حملته الانتخابية، لذا بدأ بعملية التراجع التدريجي، وكانت البداية إظهار الإعجاب بالحكومة النيوزيلندية.
"