يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«روحاني» في العراق.. زيارة الصفقات التجارية والكواليس المريبة

الثلاثاء 19/مارس/2019 - 05:46 م
المرجع
مرﭬت زكريا
طباعة

تميزت الفترة التي تلت الغزو الأمريكى للعراق في عام 2003 بتحسن كبير  في مسار  العلاقات العراقية الإيرانية، بعد قطيعة دبلوماسية وحرب دارت لثمانى سنوات من 1980 إلى 1988 بين الطرفين، ومنذ ذلك الحين قفزت العلاقة بين البلدين  إلى درجة كبيرة من التعاون، لا سيما في ظل حكومة إبراهيم الجعفري؛ حيث أصدرت تلك الحكومة أمرًا بالعفو عن المحتجزين والمعتقلين الإيرانيين في السجون العراقية؛ ترحيبًا بزيارة وزير الخارجية الإيراني في ذلك الوقت «كمال خرازي» لبغداد.


«روحاني» في العراق..

وعليه، كانت العراق من أولى دول الشرق الأوسط التي لجأ إليها المسئولون الإيرانيون بعد زيادة الضغوط عليها، خاصَّةً بعد الخروج الأمريكي من الاتفاق النووى الإيرانى مع دول (4+1)؛ بغرض التأكيد على ضرورة تجاوز العقوبات الأمريكية، استمرار التعاون الاقتصادي وإنهاء العزلة السياسية والاقتصادية التى فرضتها سياسات واشنطن تجاه طهران على المستوى الدولى والإقليمى، ويحلل المرجع أهم ما نتج عن هذه الزيارة، وأبرز دوافعها ويكشف كواليسها الخفية عبر النقاط التالية: .


أولاً: المصالح الإيرانية في العراق

توطدت العلاقات الإيرانية العراقية في ظل تولِّي الحكومة الجديدة ذات الأغلبية الشيعية التى أعقبت  انتهاء الاحتلال الأمريكى للعراق، وعليه، بادرت إيران بالاعتراف بهذه الحكومة، وفي المقابل  أصدرت تلك الحكومة أمرًا بالعفو عن المحتجزين والمعتقلين الإيرانيين في السجون العراقية(1).


أدركت طهران منذ البداية، أن العراق هى البوابة الرئيسية للسيطرة على الدول العربية، ومن هنا، اتخذ النفوذ الإيرانى في العراق عدة أبعاد تمثلت في، الجانب السياسي، الاقتصادي الأمني و المذهبي، والواقع كما أشار بعض المحللين، أن إيران باتت تستفيد بشكل كبير من أخطاء الآخرين في المنطقة؛ حيث استغلت طهران الأزمة الأمنية التي شهدها العراق منذ مطلع 2014، و التى تفجرت في 10 يونيو من العام ذاته بعد استيلاء «داعش» على عدد من المحافظات العراقية، ومن هنا استغلت طهران الفرصة؛ لاقناع العراق بضرورة التدخل ضد «داعش»، مما أسفر عن بروز نفوذ كبير لقائد فيلق القدس داخل الحرس الثوري الإيراني «قاسم سليمانى»، وأدى لتعينه مستشارًا عسكريًّا للحكومة العراقية.


نتيجةً لما سبق، أدى زيادة التدخل الأمنى في العراق إلى توغل النفوذ الإيرانى على المستوى الاقتصادي و السياسي، ومن هنا باتت طهران تتمتع بالسيطرة الكاملة على بغداد(2)، وعليه سعى نظام الملالي -على خلفية الضغوط الشديدة  التي تتعرض لها خلال زيارة «روحاني» - إلى تعزيز فرص التعاون الاقتصادي مع بغداد؛ حيث تعد بمثابة ثانى أكبر مستورد للسلع الإيرانية غير النفطية، في ظل تراجع العوائد النفطية منذ فرض الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية(3).


ثانياً: دلالات الزيارة

عكس المؤتمر الذي عقدته الولايات المتحدة الأمريكية في العاصمة البولندية «وارسو» يومي 13 و14 فبراير لعام 2019، رغبة واشنطن في محاصرة طهران و تصعيد الضغوط المفروضة عليها إلى اقصي حد ممكن، وفي هذا السياق، يمكن القول أن دلالات هذه الزيارة تشكل ردّ غير مباشر على السياسات الأمريكية ضد  إيران داخل المنطقة وخارجها، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالى:-

1-رغبة إيرانية في تعزيز فرص التعاون الاقتصادي وتجاوز العقوبات الأمريكية

وصف الرئيس الإيراني «حسن روحانى» الوضع الحالى في طهران على أنه حرب كبيرة، ومن أصعب الفترات التى مرت بها بلاده في تاريخها، وفي هذا السياق، وقع البلدان عدة صفقات تجارية أولية؛ بغرض توسيع العلاقات التجارية فضلًا عن  المساعدة في تعويض العقوبات الأمريكية الجديدة.


 وتمثلت أبرز هذه الصفقات في  خطة لبناء خط سكة حديد يربط بين مدينة البصرة الجنوبية النفطية وبلدة شلامجة الإيرانية الحدودية، ومن ناحية أخرى، أقر مكتب رئيس الوزراء العراقي «عادل المهدى» بتوقيع عدة مذكرات تفاهم تضمنت اتفاقيات حول النفط، التجارة، الصحة، فضلًا عن الاتفاق على مجموعة من التدابير؛ لتسهيل حصول رجال الأعمال والمستثمرين على تأشيرات(4).


2-الحد من نفوذ الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة

تمثلت أبرز النتائج التى تم التوصل اليها خلال  مؤتمر وارسو المنعقد في فبراير  2019، في ضرورة مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، وتجلى ذلك في دعوة وزير الخارجية الأمريكي «مايك بومبيو» إلى اتفاق دولي حول ضمان الاستقرار في الشرق الأوسط، فضلًا عن الحد من النفوذ المتصاعد لطهران في المنطقة.


وعليه، جاءت هذه الزيارة؛ بهدف تأكيد المسؤولين الإيرانيين على وجودهم داخل معاقل النفوذ الأمريكية، ومن هنا، بدأ الرئيس الإيراني في التعويل على الخلفية المذهبية الشيعية، التى يشترك فيها عدد كبير من سكان العراق مع المواطنين داخل إيران؛ بغرض الحفاظ على المستوى المرتفع من العلاقات بين البلدين، فضلًا عن أن إيران دائمًا ما تكون مستعدةً لمساعدة جيرانها في إشارة إلى الدور الذي لعبته طهران في محاربة داعش داخل بغداد؛ حيث اعتمد العراق منذ  انتخاب روحاني في عام 2013، على الدعم شبه العسكري الإيراني لمحاربة داعش، وذلك في أعقاب استيلاء التنظيم الإرهابي على مدينة الموصل العراقية وغيرها من الأراضي في كل من العراق وسوريا(5).

3- تقوية موقف حكومة «روحانى» في الداخل

مثلت الاستقالة التى تقدم بها وزير الخارجية الإيراني «جواد ظريف» صفعةً كبيرةً للسياسة الإيرانية؛ حيث عكست هذه الاستقالة حجم الصراع الكبير بين المحافظين و الإصلاحيين داخل طهران، فضلًا عن ضعف موقف حكومة روحاني، على خلفية الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي مع مجموعة (4+1)، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية مرةً أخرى من قِبَلِ الولايات المتحدة الأمريكية.


وعليه، ساهمت هذه الزيارة في رفع الروح المعنوية للشعب الإيراني، والتأكيد على نجاح سياسات الحكومة في الخارج، وانعكاس ذلك إيجابًا على المستوى الداخلى خاصَّةً من الناحية الاقتصادية؛ حيث يعد العراق سوقًا كبيرًا للمنتجات الإيرانية، فضلًا عن أنه بات منفذًا حيًّا لتجاوز العقوبات الأمريكية(6).


«روحاني» في العراق..

ثالثًا: تداعيات زيارة روحاني لبغداد

على الرغم من عدم ترحيب بعض العراقيين بزيارة «روحاني» للعراق، ولكن تم اختتام اللقاء بعدد من النتائج تمثل أهمها في توقيع مجموعة من الاتفاقيات التجارية في  عدد من المجالات المهمة، وهو ما يمكن توضيحه على النحو التالي:- 

1.     عدم ترحيب العراق برفع مستوى التعاون

على الرغم من ظهور عدم ترحيب نوعى خلال زيارة الرئيس الإيراني «حسن روحاني» إلى بغداد تمثلت في رفض الرئيس العراقي اقتراح طهران إلغاء تأشيرة السفر إلى بغداد بالنسبة للإيرانيين، كما ظهر ذلك في التصريحات التي أدلى الرئيس العراقي «برهام صالح».

 

لكن بالنظر  إلى أن العراق لا يزال يواجه العديد من المشاكل، بما في ذلك عودة «داعش» المحتملة ، فإن بغداد لا تستطيع تحمل نفوذ إيران إلى ما بعد نقطة معينة، علاوة على ذلك، سوف يمر وقت طويل قبل أن يثق معظم الشيعة العراقيين بالمملكة العربية السعودية ودول الخليج العربية الأخرى، وبالتالي، فإن إقامة علاقات معقولة مع طهران لا تزال ذات قيمة كبيرة للعراق كقوة موازنة للقوة والنفوذ في الخليج.


كما أن تصريحات القادة العراقيين، توضح أن أيًّا منهم لم يوافق على رؤية إيران للعلاقات الاستراتيجية بين الدولتين؛ حيث وضع القادة العراقيون علاقات بغداد مع طهران في إطار علاقاتها الأوسع مع جميع دول المنطقة.


في السياق ذاته، أظهر ذلك حرص العراقيين على تبني علاقة خاصَّة مع طهران، فبعد أن غادر روحاني بغداد قبل وقت قصير، ذكر رئيس الوزراء العراقي «عادل عبد المهدي» مقترح زيارته القريبة للرياض، مما يدل على رغبة العراق في عدم السماح لصلتها الوطيدة مع طهران بالإضرار بعلاقاتها مع الدول العربية الأخرى(7).

 

2.     مطالبة الجانب العراقي بتعديل اتفاقية الجزائر لعام 1975

تم توقيع اتفاقية الجزائر  في 6 مارس عام 1975 بين نائب الرئيس العراقي آنذاك صدام حسين وشاه إيران «محمد رضا بهلوي» وبإشراف رئيس الجزائر آنذاك «هواري بومدين»، تعتبر هذه الاتفاقية، أن نقطةً معينةً في شط العرب- غير خط القعر- هي الحدود البحرية بين العراق وإيران لكن الحكومات المتلاحقة في إيران، رفضت هذا الترسيم الحدودي واعتبرته صنيعةً إمبرياليةً، لكن اعتبرت إيران نقطة خط القعر في شط العرب التي كان متفقًا عليه عام 1913 بين إيران والعثمانيين، بمثابة الحدود الرسمية ونقطة خط القعر هي النقطة التي يكون الشط فيها بأشد حالات انحداره.


 و في عام 1969، أبلغت حكومة العراق الحكومة الإيرانية ،أن مياه شط العرب كاملةً هي مياه عراقية ولم تعترف بفكرة خط القعر، ولكن في عام 1975؛ وبغرض إخماد الصراع المسلح للأكراد بقيادة مصطفى البارزاني المدعوم من شاه إيران «محمد رضا بهلوي»، قام العراق بتوقيع اتفاقية الجزائر مع إيران، وتم الاتفاق على النقطة التي حددتها الحكومة الإيرانية كحد فاصل بين الدولتين(8) وعليه، صرح المرجع الشيعي الأعلى في العراق «على السيستاني» في إطار زيارة «روحاني» بضرورة العودة إلى تعديل اتفاقية الجزائر؛ لإعادة ترسيم الحدود مع إيران فيما يتعلق بشط العرب.  


3.     طرح قانون منح الجنسية للأجانب

أثارت فكرة تعديل قانون الجنسية العراقي الذي قدمته الحكومة لمجلس النواب العراقي بعد زيارة الرئيس الإيراني «حسن روحاني» لبغداد، موجات كبيرة من الانتقادات، نتيجة اقتراحٍ منحها لمن يقيم في العراق لمدة سنة واحدة، لكن قوبل هذه المقترح بالرفض من قبل التكتلات البرلمانية العراقية.


في السياق ذاته، شن الكاتب والبرلماني السابق «حسن العلوى» هجومًا عنيفًا على الأشخاص و الجهات الداعمة للقانون؛ لأن من شانه المساعدة على تغيير الهوية الديموغرافية لبغداد في غضون بضع سنوات، الأمر الذي يتيح لبعض الإيرانيين، والأفغان أو لرعايا دول أخرى الحصول على الجنسية العراقية بمجرد زيارتهم العراق في المواسم الدينية والبقاء فيه لفترة وجيزة(9).

 

الهوامش:

1.      محمد عبد العاطي، العلاقات العراقية الإيرانية بين عهدين، الجزيرة. نت، متاح على الرابط التالي http://cu2.io/7nNv7e .

2.      معمر فيصل خولي،  التغلغل الإيراني في العراق…الدوافع والأشكال وأدوات التأثير، 11/6/2016، مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية، متاح على الرابط التالي http://rawabetcenter.com/archives/27905 .

3.      تامر بدوى، تعزيز النفوذ الاقتصادي الإيراني في العراق، 23/5/2018، مؤسسة كارنيجى للسلام الدولي، متاح على الرابط التتاليhttps://carnegieendowment.org/sada/76437

4.      Ahmed Rasheed, Iran's Rouhani signs trade pacts in Iraq to help offset US sanctions, 11/3/2019, Reuters, available athttps://www.reuters.com/article/us-iran-iraq-visit/trade-ties-in-focus-as-irans-rouhani-begins-iraq-visit-idUSKBN1QS0FI

5.    Rouhani slams US on first day of Iraq visit, 12/3/2019, Arab News, available athttp://www.arabnews.com/node/1464876/middle-east .

6.      مرفت زكريا، استقالة ثم عودة .. الصراعات الخفية ومصير حكومة روحاني، 27/2/2019، المركز العربي للبحوث و الدراسات، متاح على الرابط التاليhttp://www.acrseg.org/41127?fbclid=IwAR0F-HlVIxS5ypEsFwGMpLdRNEw4bTSX4El-m4bB6LXYwcLcN6B2cDgeipI .

7.      Shireen T. Hunter, What Did Rouhani Really Get From His Iraq Visit? 15/3/2019, lobe log, available athttps://lobelog.com/what-did-rouhani-really-get-from-his-iraq-visit/

8.      اتفاقية الجزائر 1975، المعرفة، متاح على الرابط التالي http://cutt.us/7oPXL

9.      مشروع تعديل قانون الجنسية العراقية يثير موجة سخط واسعة، 17/3/2019، Iraq News، متاح على الرابط التالي

https://iq.shafaqna.com/AR/AL/3212793 . 

 

 


"