يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

قطع المياه عن «العراق».. بلاد الرافدين بين التهديد الإيراني والاقتراب التركي

الأحد 14/أكتوبر/2018 - 06:07 م
المرجع
نورا بنداري
طباعة

تعمل إيران بين الحين والآخر على إثارة التهديدات في الدول المجاورة لها، محاولة استغلال ما يجري داخل هذه الدول، لإخضاعها لسياستها والانصياع لأوامرها، ومن أجل ذلك تتبع طهران سياسة الضغط السياسي على الدول باتخاذ قرارات تعلم طهران جيدًا أنها ستؤثر على الأوضاع السياسية والاقتصادية في هذا البلد، وهذه المرة كانت ناحية بلاد الرافدين.

للمزيد.. «الأرض المحروقة».. ورقة إيران الأخيرة للسيطرة على العراق

معاون وزير الزراعة
معاون وزير الزراعة الإيراني «علي مراد أكبري»

في 10 أكتوبر 2018، ظهرت تصريحات مثيرة للجدل على لسان معاون وزير الزراعة الإيراني «علي مراد أكبري» نقلتها بعض وسائل الإعلام، أعلن فيها أن طهران ستقطع المياه عن العراق، وهذه لم تكن المرة الأولى التي تقطع فيها المياه عن بغداد.

 

رغم نفي إيران هذه التصريحات، فإنه يجب البحث في الأمر، والنظر إلى ما وراءه، خاصة عن سبب اتخاذ طهران لهذا القرار في هذا التوقيت تحديدًا الذي تشهد فيه العراق مرحلة تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، إضافة إلى أن العراق لم تعلق على هذا القرار حتى الآن، بل إن رئيس البرلمان العراقي «محمد الحلبوسي»، أعلن في 8 أكتوبر 2018، أي قبل القرار الإيراني؛ أنه سيزور كلًا من تركيا وطهران؛ لبحث موضوع المياه مع العراق، كما يأتي القرار بالتزامن مع زيارة وزير الخارجية التركي «مولود جاويش أوغلو» إلى بغداد.

خامنئي
خامنئي

أوامر «خامنئي»

أعلن «أكبري» في التصريحات المنسوبة له، أن طهران ستقطع نحو 7 مليارات متر مكعب صوب الحدود الغربية والشمالية الغربية العراقية، بأمر من المرشد الإيراني «علي خامنئي»، مؤكدًا أن هذه الكميات من المياه ستستخدم في 3 مشروعات رئيسة على مساحة 550 ألف هكتار في خوزستان (جنوب غرب البلاد)، و220 ألف هكتار في خوزستان أيضًا، وإيلام (غرب).

 

وأوضح «أكبري»، أن «ندرة المياه هي أحد التهديدات الخطيرة التي تواجهنا نفكر في حلها والتحكم فيها»، معلنًا تخصيص 8 مليارات دولار لوزارات الطاقة والزراعة، للتحكم في عملية حركة المياه.

 

وأحدثت هذه التصريحات ضجة في وسائل الإعلام، خاصة الإيرانية؛ حيث نفت وزارة الزراعة الإيرانية في بيان لها على وكالة أنباء «فارس»، في 11 أكتوبر الحالي، ما تناقلته بعض وسائل الإعلام نقلًا عن مساعد وزير الزراعة في شؤون المياه والتربة بشأن قطع المياه عن العراق، كما نفى نائب السفير الإيراني في العراق «موسى طباطبائي» صحة الخبر المنسوب إلى مساعد وزير الزراعة الإيراني.

المحلل السياسي رعد
المحلل السياسي رعد الإبراهيمي

ورقة ضغط

انقسمت الآراء حول هذا القرار، فهناك من رأى أنه محاولة من إيران للضغط على الحكومة العراقية الجديدة، لتمرير المشروع الإيراني في المنطقة الهادف إلى إبقاء العراق تحت هيمنة دول الجوار، وهذا بعدما صارت طهران تتدخل بشكل واضح في الشؤون الداخلية للعراقيين، وعلى النقيض رأى آخرون أن هذا القرار لم يعد ضغطًا سياسيًّا.

 

وفقًا للكاتب والمحلل السياسي «رعد الإبراهيمي»، في لقاء ببرنامج «الظهيرة»، المذاع على قناة «الغد العربي»، يعد قرار قطع إيران للمياه عن العراق قرارًا سياسيًّا بحتًا، تريد منه إيران أن تضغط على العراق، لكي تخفف أمريكا من الضغط على إيران، كما أن توقيت القرار هو توقيت سياسي للتلويح بأن إيران قادرة على إدارة اقتصادها، وقادرة على التأثير على جيرانها ومنها العراق.

 

من جانبه، قال «هشام البقلي»، مدير وحدة الدراسات السياسية بمركز سلمان -زايد لدراسات الشرق الأوسط: إن إيران تمارس ضغوطًا متعددة على العراق منذ فترة، وذلك بعد محاولات العراق الخروج من عنق الزجاجة الإيراني، وبدأ ذلك بإعلان رئيس الوزراء العراقي السابق «حيدر العبادي» التزام بلاده بالعقوبات على طهران، وهو الأمر الذي واجهته طهران بقطع الكهرباء عن جنوب العراق، وتضييق الخناق على حكومة «العبادي»، ما أدى إلى مطالبة العراق باستثناءات لها عن العقوبات الإيرانية.

 

وأضاف «البقلي» في تصريح لـ«المرجع»، أن قطع المياه هو تصعيد جديد من جانب طهران ضد العراق، وردًا على تظاهرات تخرج تندد بطهران ورسالة للحكومة والشعب أن مصير العراق بيد طهران، مؤكدًا أن الزيارة التركية لها تأثير علي القرارات الإيرانية للمزيد من الضغط على تركيا لكسب المزيد من القوة بالعراق وسوريا معًا.

 

وعلى الجانب الآخر، أعلن رئيس المرصد العراقي للحريات الصحفية «هادي جلو مرعي» في تصريح خاص لـ«المرجع»، أن موضوع المياه بين العراق وإيران يثير الجدل؛ لأنه في الواقع لا توجد هناك أنهار كبيرة تدخل من إيران كما هو الحال مع تركيا التي ينبع منها دجلة والفرات، لذلك فإن إيران تقيم سدودًا على ممرات مائية وأنهار صغيرة.

 

وتابع: «لا يمكن اعتبار قطع إيران للمياه دليلًا على ضغط سياسي؛ لأنها في الأصل متصلة بالحدود الشرقية للعراق حيث لا توجد مدن كبرى، وأغلب التجمعات السكانية في مدن تطل على «دجلة والفرات»، ولكن هذا لا يمنع من القول بأن الضغط السياسي أمر ممكن طبعًا لأن دول الجوار جميعها تسعى لنفوذ في هذا البلد».

 

وفي إطار ذلك، نجد أن قرار التهديد الإيراني يأتي بعد اختيار «عادل عبدالمهدي» رئيسًا للحكومة العراقية الجديدة، حيث أتى «المهدي» بعد تفاهم بين الجهات المتصارعة على المنصب في العراق، كما أنه لم يأت من جبهة معينة، لذلك فإن قرار طهران قد يكون محاولة للضغط على «عبدالمهدي» لتحسين شروط الفريق الموالي لإيران في العراق في التركيبة الحكومية المرتقبة.

 

وأشارت مصادر سياسية عراقية، إلى أن القرار الإيراني يعني بوضوح أن إيران التي كانت حتى الأمس القريب ممسكة بمفاصل اللعبة السياسية في العراق وتتحكم وحيدة به، لم يعد ساحة مفتوحة لها، بل عادت الولايات المتحدة والدول الخليجية بقوة إلى بغداد، بعد تنامي الأصوات المعترضة على أداء إيران، بدليل نتائج الاستحقاق الانتخابي الذي أعطى تقدمًا لفريق زعيم التيار الصدري «مقتدى الصدر».

أردوغان
أردوغان

توجه نحو الأتراك

في الوقت الذي أعلنت فيه طهران وفقًا للتصريحات المنسوبة لوزير الزراعة الإيراني، وافقت تركيا على زيادة ضخ المياه للعراق، حيث يتدفق نحو 70% من إمدادات المياه إلى العراق من دول مجاورة، خاصة عبر نهري دجلة والفرات اللذين يمران في تركيا.

 

ولذلك أعلن «الحلبوسي» خلال لقائه بالرئيس التركي «أردوغان» 10 أكتوبر، أن أنقرة وافقت على زيادة ضخ المياه من سد في جنوب شرق تركيا إلى العراق الذي يواجه أزمة مائية.

 

وأشار «الحلبوسي»، إلى أن ذلك يهدف لضمان وصول المياه إلى كل محافظات العراق ومنها البصرة على وجه الخصوص.

 

إضافة لذلك، توجه وزير الخارجية التركي «مولود جاويش أوغلو» إلى بغداد 11 أكتوبر، وبحث مع «حيدر العبادي»، رئيس مجلس الوزراء العراقي -المنتهية ولايته- أزمة المياه داخل العراق، نتيجة للسدود التي تقيمها تركيا على نهر دجلة.

قطع المياه عن «العراق»..

تهديد عراقي

قرار طهران إذا تم تنفيذه هذه المرة فإنه سيزيد من تفاقم مشكلة نقص وتلوث المياه التي تعاني منها بالفعل بعض المدن العراقية، وعلى رأسها البصرة التي شهدت تظاهرات عارمة منذ يوليو 2018 بسبب أزمة نقص المياه وتلوثها وتردي الخدمات، وبعد ظهور تأثير تحويل إيران لمجرى الروافد على المدن والمناطق المحيطة والمغذية لنهر دجلة في العراق، ما تسبب في انخفاض مناسيب المياه في النهر بشكل كبير.

 

وأوضحت حكومة إقليم كردستان، أن إيران غيرت مجرى نهر الكارون بالكامل، وأقامت ثلاثة سدود كبيرة على نهر الكرخة، بعدما كان هذان النهران يمثلان مصدرين رئيسيين لمياه الإقليم، والعراق ككل.

 

ومنذ شهر يونيو الماضي ارتفعت نسبة الملوحة (أو ما يعرف بالمد الملحي) المقبلة من الخليج العربي إلى شمال نهر شط العرب (الذي يتكون من التقاء نهري دجلة والفرات شمالي محافظة البصرة)، وهو مصدر المياه الوحيد لمحافظة البصرة، بعد قرار إيران وتركيا بإنقاص كمية مياه نهر دجلة إلى نصف الكمية، بعد أن بدأت تركيا بتشغيل سد إليسو الذي انتهت من بنائه في يناير 2018؛ لأن ذلك جعل أنقرة تحتجز المياه في نهر دجلة لملء خزان وراء «سد إليسو» في خطوة أقلقت العراق وتسببت في نقص المياه خاصة في محافظة البصرة في الجنوب، لذلك أوقفت تركيا مؤقتًا ملء الخزان في يونيو 2018.

للمزيد.. «تظاهرات البصرة».. سيناريوهات تطور الأزمة في العراق


من خلال ذلك، نجد أن الضغوط السياسية هي وسيلة إيرانية متبعة لتحقيق أهدافها والتأثير بقوة على الحكومة الجديدة، كما أن التوجه التركي يأتي لمحاولة استغلال الأمر، وكسب المزيد من السيطرة والنفوذ داخل العراق.

"