يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

الهجوم المسلح على المؤسسات الأمنية في إيران.. المحفزات والتداعيات

الجمعة 14/ديسمبر/2018 - 01:17 م
المرجع
مرﭬت زكريا
طباعة

لم تعدْ العمليات الهجومية المسلحة على المؤسسات الأمنية الإيرانية جديدة وانما متجددة، نتيجة بقاء العوامل الرئيسية التي أدت لظهور مثل هذه المشكلات، وفشل الحكومة أو بالأحرى عدم رغبتها في التعامل معها على نحو صحيح. وعليه، بات ذلك واضحًا في ظهور مجموعة من التنظيمات المسلحة القادرة على التعايش مع الإجراءات الأمنية التي تتخذها الحكومة، ما أصبح يمثل تحديًا كبيرًا لا تستطيع الحكومة التعامل معه أو مواجهة تداعياته.


وكان للخروج الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني في مايو 2018، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية مرة أخرى أثرٌ كبيرٌ في عدم قدرة الحكومة على التعامل مع هذا النوع من القضايا. من ناحية أخرى، شكلت سياسات الدولة الإيرانية مع دول الجوار الإقليمي، تهميش الأقليات، استهداف المعارضة الإيرانية في الخارج مجموعة من التداعيات الخطيرة التي تمثلت في تكثيف التنظيمات المسلحة عملياتها ضد المؤسسات الأمنية؛ لاسيما الحرس الثوري والشرطة الإيرانية.


الهجوم المسلح على

أولًا: الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي.. عودة العقوبات الاقتصادية


كان الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير بالنسبة للنظام الإيراني؛ تمثل ذلك في تفاقم الأزمات على الأصعدة السياسية كافة، الاجتماعية وخاصةً الاقتصادية؛ الأمر الذي أدى لخروج الشركات الأجنبية الكبرى من السوق الإيراني بعد أن قامت الإدارة الأمريكية بإغلاق النافذة القانونية الوحيدة المتبقية التي تسمح لها بالتعامل مع طهران دون انتهاك العقوبات الأمريكية، لاسيما بعد أن وضعت إدارة ترامب مهلة زمنية لإنهاء الأعمال للمشروعات العادية خلال 90 يومًا، و 180 يومًا للمشروعات النفطية(1).


وعليه، تمثلت أبرز المشكلات الداخلية في انهيار سعر الصرف في مواجهة الدولار، واستمرار تراجع صادرات النفط مع اقتراب فرض الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية بحلول نوفمبر 2018؛ حيث هبط الريال الإيراني مسجلًاً رقمًا قياسيًّا في تراجعه أمام الدولار. ما أدى لضعف الاقتصاد وزيادة المصاعب المالية في المصارف المحلية، إضافة إلى تصاعد الطلب على الدولار بين المواطنين(2).


وما زاد الوضع سوءًا طبقًا لوكالة «رويترز» هو تراجع صادرات النفط الخام الإيراني ومشتقاته بمعدل 8.0 مليون برميل يوميًّا من أبريل إلى سبتمبر لعام 2018.  فعلى الرغم من تصاعد مؤشرات انخفاض الأسعار من قبل الحكومة الإيرانية، فضلًا عن استخدام ناقلاتها الخاصة في شحن النفط إلى الهند والصين دون أي رسوم إضافية، إلا أنهم يواجهون ضغوطًا مكثفة من قبل الحكومة الأمريكية التي تطالبهم بإيقاف واردتهم من النفط الإيراني(3).

الهجوم المسلح على

ثانيًا: تهميش واضطهاد الأقليات ... سياسة إيرانية بامتياز 


تُعاني الأقليات داخل إيران من الاضطهاد والتهميش المتعمد من قبل السلطات الإيرانية؛ حيث التمييز القومي على جميع الأصعدة (السياسية، الثقافية، الاقتصادية)، وعدم تكافؤ الفرص، فتهيمن القومية الفارسية على جميع مقدرات الدولة دون المشاركة مع القوميات الأخرى. تشمل العرقيات في إيران البلوش، الأكراد والتركمان، العرب الأحوازيين والأذربيجانيين، فبحسب الإحصائيات الرسمية يشكل الفرس من 30 إلى 40% فقط من عدد سكان البلاد، وتتراوح نسبة الأذربيين والأكراد من 8 إلى 10 % والبلوش من 3 إلى 4 %، في حين لا تتجاوز نسبة قوميات أخرى مثل التركمان والأرمن الواحد في المائة(4).


نتيجة لما سبق، تحظر الدولة على الأقليات استخدام لغاتهم الخاصة في المصالح الحكومية والمكاتب العامة، ويواجه النشطاء المدافعين عن حقوق الأقليات سياسات الدولة الموجهة التي تعتمد على التهديد، الاعتقال والسجن، فضلًا عن الحرمان من الحقوق المدنية الأخرى التي تتمحور حول حرية الرأي والتعبير، المشاركة السياسية، عدم تطبيق المواد الدستورية الخاصة بتنظيم حقوق الأقليات. بل والأكثر من ذلك أن الدولة تنتهج سياسة التهجير القصرى وتجريف التربة لاسيما في المناطق التي يسكنها الأحواز العرب(5).

الهجوم المسلح على

ثالثًا: تداعيات الأزمة

أدت ظروف التعثر الاقتصادي الناتجة عن الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران وسياسات الدولة تجاه الأقليات الي بروز صور كثيرة للعنف والتطرف؛ زيادة عدد العمليات الهجومية على المؤسسات الأمنية لاسيما الحرس الثوري والشرطة وأشكال كثيرة للجماعات المعارضة، وهو ما يمكن بيانه على النحو التالي:

1- تكثيف الهجوم على المؤسسات الأمنية (الحرس الثوري والشرطة نموذجًا)

 تمثل الهجوم على المؤسسات الأمنية في تصاعد تنفيذ كثير من العمليات المسلحة، التي كان آخرها التفجير الذي استهدف مقرًا للشرطة في منطقة تشابهار الواقعة في منطقة سيستان بلوشستان جنوب شرقي إيران. وأسفرت عن مقتل عنصرين من الشرطة وإصابة أكثر من 40 آخرين.

 وعلى الرغم من الهجوم الذي استهدف الاستعراض العسكري للحرس الثوري في إقليم الأحواز 22 سبتمبر 2018، الذي أسفر عن اختطاف 14 من عناصر ميليشيا «الباسيج»، فإن الدولة مازالت تستخدم الإطار المنهجي نفسه في التعامل مع مثل هذه القضايا، الذي يتمحور حول توجيه الاتهامات لجهات خارجية ودول إقليمية، وذلك بالطبع لا يقلل من أهمية تجاهل الجمهورية الإسلامية للأسباب الرئيسية التي من شأنها تفسير أسباب هذه الظاهرة(6).  

وعليه، يمثل تصاعد العمليات الإرهابية والهجمات المسلحة على المؤسسات الأمنية الرئيسية في إيران مثل الشرطة والحرس الثوري تحديًّا كبيرًا لسياسة الجمهورية الإسلامية في الداخل، التي طالما أكدت  أن إيران من أكثر دول المنطقة استقرارًا، فضلًا عن أنها عصية على التأثر بما يحدث في المنطقة في ظل ما تمر به من أزمات حادة.   

ففي الوقت الذي تتصاعد فيه وتيرة العمليات الهجومية على المؤسسات الأمنية داخل الجمهورية الإسلامية، تقوم المعارضة الإيرانية في الخارج بتوسيع مجال نشاطها واجتذاب دعم الدول الأوروبية إلى جانبها، نتيجة استهداف نظام الملالي لهم في الخارج، لإجبار طهران على الحد من سياستها التدخلية في المنطقة، فضلًا عن إرغامها على الاعتراف بحقوق الأقليات والقوميات المختلفة(7).


2- تصاعد نزعات العنف والتطرف


أدت السياسة القمعية لإيران في التعامل مع الأقليات والقوميات غير الفارسية، فضلًا عن تعمد عدم معالجة المشكلات الاجتماعية المتمثلة في تزايد نسب البطالة، والتعثر الاقتصادي الناتج عن فرض الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية على طهران لتصاعد نزعات العنف والتطرف، إلى الحد الذي باتت من خلاله الجماعات الإرهابية تقف لتعلن عن تبنيها للعميات المسلحة التي تستهدف المؤسسات الأمنية داخل إيران.


في السياق ذاته، ظهرت جماعات مسلحة مثل «جيش العدل» و «أنصار الفرقان» كنمط من أنماط المعارضة السياسية في مواجهة الحكومة الإيرانية في منطقة سيستان وبلوشستان؛ واحدة من أكثر دوائر الصراع على الحدود الباكستانية مع إيران. تحاول هذه الحركات مساندة أهالي هذه المنطقة في مواجهة حكومة الجمهورية الإسلامية، على خلفية معاناتهم من التهميش الحكومي لسنوات طوال؛ حيث يعاني البلوش منذ عقود طويلة من الاعتقالات، فضلًا عن محاولة التضييق على الهوية واللغة البلوشية التي يعتزون بها(8).


إجمالًا: لا يمكن فصل تصاعد العمليات المسلحة ضد الحكومة الإيرانية، وتدخلات إيران التخريبية في الشرق الأوسط، وكأن سياسة طهران الإقليمية ترتد اليها؛ حيث أدى الاهتمام الإيراني بالتدخل في شؤون الدول الأخرى، وتجاهل الأسباب الرئيسية لتصاعد الأزمات الداخلية التي تفاقمت على خلفية تراجع العوائد النفطية الناتجة عن إعادة فرض العقوبات الاقتصادية الأمريكية.

وعليه، تبدو إيران مقبلة على مرحلة من عدم الاستقرار الأمني نتيجة تصاعد الأزمات الداخلية وعدم رغبة الحكومة في معالجة هذه القضايا الشائكة من جذورها الرئيسية؛ فمازالت الجمهورية الإسلامية تتعامل مع هذه المشكلات على أنها نتيجة مؤمرات خارجية تسعى لتقويض دعائم النظام، رغم إدارك العامة أن الأسباب الحقيقة ترجع لمواصلة الأعمال التخريبية للنظام الإيرانى في الخارج.

الهوامش:  

1)     10 شركات ضخمة تهرب من إيران والخسائر ضخمة، عربي 21، 8 يونيو 2018، متاح على الرابط التاليhttp://cutt.us/pH81N  

2)     تسونامي انهيار الريال الإيراني، سكاي نيوز عربية، 6/9/2018، متاح على الرابط التالي http://cutt.us/EEI4C 

3)    Iran oil exports fall before U.S. sanctions: global banking group, Thomson Reuters, 25/9/2018, available at https://www.reuters.com/article/us-iran-nuclear-oil-iif/iran-oil-exports-fall-before-u-s-sanctions-global-banking-group-idUSKCN1M52U9 

4)     إيران... أقليات بلا حقوق ومطالب بلا أفق، سكاي نيوز عربية، 28/6/2018، متاح على الرابط التاليhttp://cuio.io/QXRfu   

5)     مرفت زكريا، تداعيات أزمة المياه والكهرباء في إيران، المركز العربي للبحوث والدراسات، 2/8/2018، متاح على الرابط التالي http://www.acrseg.org/40944  

6)     أزمة متصاعدة: دلالات الهجوم على منطقة تشابهار في إيران، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، 9/12/2018، متاح على الرابط التاليhttps://mail.google.com/mail/u/0/#inbox/FMfcgxvzMBkXRqTWshxvvqCZLxzPwvSJ 

7)     مرفت زكريا، التنكيل بمزدوجي الجنسية تجارة إيرانية لجنى الأموال، المرجع: دراسات وابحاث استشرافية حول الإسلام الحركي، 29/11/2018، متاح على الرابط التالي http://www.almarjie-paris.com/5349

8)     على عاطف حسان، توترات متصاعدة: جيش العدل و الصراع مع الحكومة الإيرانية، المركز العربي للبحوث والدراسات،21/10/2018 ، متاح على الرابط التالى http://www.acrseg.org/40974    

"