يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

إيران وأوروبا.. تقارب وتنافر تحكمه المنافع المتبادلة

الإثنين 12/نوفمبر/2018 - 01:32 م
المرجع
أحمد سامي عبد الفتاح
طباعة

مرت العلاقة بين إيران والدول الأوروبية، بمتغيرات عديدة من التقارب في بعض الأوقات، والتنافر تارة أخرى؛ فأوروبا كانت دومًا عنصرًا فاعلًا في العقوبات الدولية التي فرضت على طهران بهدف تقييد برنامجها النووي، كما لعبت القارة العجوز دورًا مؤثرًا في توقيع الاتفاق النووي مع النظام الإيراني عام 2015 بمدينة لوزان السويسرية، والذي تم بموجبه رفع العقوبات عن «نظام الملالي» مقابل تخليه عن مساعي امتلاك أسلحة نووية.

إيران وأوروبا.. تقارب

وفي كل الفترات (التقارب والتباعد)، سعى كل طرف لتحقيق ما يمكن أن نُطلق عليه «اختراقًا فكريًّا واستخباراتيًّا لدى الطرف الآخر»؛ فعلى سبيل المثال، وضعت إيران تعميق نفوذها في القارة الأوروبية هدفًا استراتيجيًّا لها، وذلك بالرغم من التباعد الجغرافي بين الطرفين، ويرجع ذلك لإدراك طهران أن علاقتها مع أوروبا ستنعكس بالإيجاب أو السلب على أنشطتها المسلحة ذات البُعد التخريبي في الشرق الأوسط.

 

ومن جانبها، نفذت أوروبا عمليات تجسس على النظام الإيراني بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ من أجل الوقوف على مدى التقدم الذي حققته إيران في برنامجها النووي.

 

كما حاولت إيران دومًا استخدام أوروبا كدرع لتقليل آثار العقوبات الأمريكية التي فرضت بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي بشكل منفرد؛ حيث هددت طهران في وقت سابق بالانسحاب من الاتفاق إذا لم تُقدم أوروبا على اتخاذ خطوات تحفيزية للاقتصاد الإيراني، ويتعين هنا أن نشير إلى أن الشركات الأوروبية انسحبت من السوق الإيرانية؛ خوفًا من امتداد العقوبات الأمريكية على أنشطتها.

 

وحاولت إيران تعميق نفوذها في أوروبا من خلال عدد من الأدوات، وتُعد زيادة المد الشيعي هي الأداة الأكثر فعالية التي انتهجتها السياسة الخارجية لطهران منذ الإطاحة بحكم الشاه في عام 1979.

 

وتهدف إيران من زيادة المد الشيعي في أوروبا إلى تكوين «لوبي شيعي» ضاغط وفعال؛ من أجل التأثير على قرارات الحكومات الأوروبية مستقبلًا.

إيران وأوروبا.. تقارب

ورغم أن السياسة الإيرانية قد لا تحقق أثرها في الوقت الحالي، فإن إيران تزعم أن زيادة نسب المسلمين مستقبلًا في أوروبا سوف توفر لها المناخ اللازم لتحقيق أهدافها، وتركز طهران بشكل رئيسي على الدول الأوروبية الكبرى ذات التأثير الفعال على الساحة العالمية، والتي يتمتع فيها المسلمون بنسب كبيرة، فعلى سبيل المثال، يشكل المسلمون في فرنسا 8.8% من السكان، بينما يمثلون 6.3% في بريطانيا، و6.1% في ألمانيا، وذلك وفق دراسة أجرتها مؤسسة Pew Research Center في نوفمبر 2017[1].

 

ورغم عدم وجود أي أرقام مؤكدة بخصوص تعداد الشيعة بين مسلمي أوروبا؛ فإن المؤسسات الشيعية الثقافية تعد معروفة للجميع، وتتفاخر بإعلان ولائها للمرجعيات الشيعية في العراق وإيران، ومن الأهمية أن نشير هنا إلى أن طهران تحاول قدر الإمكان فرض نفسها كمرجعية موحدة للشيعة في العالم، بما في ذلك شيعة أوروبا، وتعتبر هذا الأمر جزءًا من سياستها التمددية في كل دول العالم.

 

وهدفت إيران إلى استخدام تطوير برنامجها الصاروخي كأداة فعالة لإجبار أوروبا على التقارب معها من خلال سياسة الاحتواء؛ فعلى النقيض من قبولها التخلي عن مساعيها النووية، أعلنت طهران مرارًا أنها لن تتخلى عن برنامجها لتطوير الصواريخ البالستية العابرة للقارات، معتبرةً أن هذا الأمر شأن داخلي خالص يهدف إلى تقوية دفاعاتها العسكرية، في محاولة لتحقيق توازن عسكري، خاصة في ظلِّ العقوبات العسكرية المفروضة عليها.

 

وتتعامل أوروبا مع البرنامج الصاروخي الإيراني بصفته تهديدًا كبيرًا لأمنها القومي؛ فبينما تحاول دول القارة العجوز مهادنة إيران، طالبت فرنسا بضرورة إجراء مفاوضات مع طهران بشأن برنامجها الصاروخي بمعزل عن المفاوضات النووية[2]؛ إلا أن النظام الإيراني رفض هذا الأمر تمامًا، ورد على لسان الجنرال حسين سلامي، نائب قائد الحرس الثوري، الذي أكد في تصريحات نقلتها وكالة «رويترز» للأنباء في نوفمبر 2017، أن إيران سوف تزيد مدى صواريخها لأكثر من 2000 كيلومتر إذا شعرت بتهديد قادم إليها من أوروبا.[3]

 

ولا تزال استضافة الدول الأوروبية للمعارضين الإيرانيين، تمثل إشكالية للعلاقات بين الطرفين حتى هذه اللحظة، خاصة أن أوروبا تستضيف العديد من المعارضين لنظام الملالي والمدافعين عن حقوق الإنسان، إضافة إلى حركات إيرانية معارضة تدعو إلى حمل السلاح ضد النظام، مثل منظمة مجاهدي خلق الإيرانية.

 

وبين الحين والآخر، تعمل إيران على استهداف أحد معارضيها في الخارج، وهو ما يُسبب تدهور علاقاتها مع أوروبا، ولعل أحدث مثال على هذه الإشكالية هو اتهام الدنمارك لطهران بمحاولة اغتيال معارض من أصول عربية على أراضيها في 30 أكتوبر من العام الحالي، وذكر «فين بورك أندرسن»، أن الهجوم كان يستهدف زعيم فرع دنماركي من حركة النضال العربي لتحرير الأحواز، مؤكدًا أن قوات الأمن اعتقلت إيرانيًّا يعتقد أنه على صلة بتدبير الهجوم.[4]

 

وبالتدقيق في رد الفعل الأوروبي على هذه الواقعة، سنجد أنه جاء ضعيفًا للغاية؛ حيث لم تبادر أوروبا إلى دعم الدنمارك بشكل علني، خوفًا من تدهور العلاقات مع إيران، بعبارة أخرى، لن تتخذ أوروبا موقفًا جماعيًّا موحد ضد طهران، وستكتفي بدعم أي إجراءات فردية تتخذها الدنمارك بهدف الحفاظ على سيادتها.

 

وعلى سبيل المثال، قامت الدنمارك بسحب سفيرها من طهران في 30 أكتوبر 2017، ويرجع ذلك إلى الإدراك الأوروبي بأن أي عقوبات على إيران سوف تدفعها إلى الانسحاب من الاتفاق النووي، الأمر الذي تعتبره أوروبا -ليس فقط تهديدًا للأمن العالمي-ولكنه أيضًا تأكيد على ضعف دورها العالمي دون دعم الولايات المتحدة الأمريكية.


للمزيد: هل تقوض الصين وروسيا وأوروبا استراتيجية الولايات المتحدة تجاه إيران؟

 


[1]  Pew Research Center, Europe’s Growing Muslims Population,http://www.pewforum.org/2017/11/29/europes-growing-muslim-population/

[2]  السبيل، مستشار خامنئي: ليس من مصلحة فرنسا التدخل ببرنامجنا الصاروخي،http://assabeel.net/news/2017/11/18/%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D8%B1-%D8%AE%D8%A7%D9%85%D9%86%D8%A6%D9%8A-%D9%84%D9%8A%D8%B3-%D9%85%D9%86-%D9%85%D8%B5%D9%84%D8%AD%D8%A9-%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%A8%D8%A8%D8%B1%D9%86%D8%A7%D9%85%D8%AC%D9%86%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%A7%D8%B1%D9%88%D8%AE%D9%8A

[3]  رويترز، إيران تحذر أنها سوف تزيد من مدي صواريخها إذا شعرت بتهديد من أوروبا،https://ara.reuters.com/article/worldNews/idARAKBN1DQ00G

[4]  سكاي نيوز عربية، الدنمارك تتهم إيران بالتخطيط للاستهداف أشخاص في عاصمتها،https://www.skynewsarabia.com/world/1195443-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%86%D9%85%D8%A7%D8%B1%D9%83-%D8%AA%D8%AA%D9%87%D9%85-%D8%A7%D9%95%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AE%D8%B7%D9%8A%D8%B7-%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%87%D8%AF%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%94%D8%B4%D8%AE%D8%A7%D8%B5-%D8%B9%D8%A7%D8%B5%D9%85%D8%AA%D9%87%D8%A7

"