يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

بريطانيا والإخوان.. لعبة المواءمات والسياسة الناعمة

الأحد 24/يونيو/2018 - 09:17 م
المرجع
حور سامح
طباعة
في مطلع عام 2014، تزايدت العمليات الإرهابية في بريطانيا وأوروبا بشكل كبير، إذ تراجع نفوذ الإسلام السياسي في الشرق الأوسط، وبدأ في التوافد على الخارج، فضلًا عن أن انحسار تنظيم داعش في العراق وسوريا عَرَّضَ أوروبا بأسرها لعدد من العمليات الإرهابية، وبدأت الدول الأوروبية -خصوصًا بريطانيا- تتساءل عن جذور الإرهاب في بلادها.

وفي عام 2014، أصدر رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون قرارًا بتشكيل لجنة موسعة لتقصي الحقائق عن جماعة الإخوان، كونها الجماعة الأصولية التي لها نشاط موسع في بريطانيا، وبعد انقضاء عام ونصف العام استغرقتها التحقيقات حول الجماعة، خلصت لجنة تقصي الحقائق هذه إلى نتيجة هلامية، وضعت نصب عينيها عدة اعتبارات ومواءمات سياسية بين حكومة كاميرون والتنظيم الدولي للإخوان، تلك النتيجة لخصتها اللجنة في عبارة واحدة، وهي: «الانتماء للإخوان ليس خطرًا في حد ذاته لكنه يُمثل بداية الطريق نحو التطرف»! 

ويُلاحظ صعوبة تصنيف الإخوان كجماعة إرهابية في بريطانيا، لأن الإخوان حطوا رحالهم في بلاد الإنجليز عام 1961 بفضل سعيد رمضان (زوج ابنة حسن البنا مؤسس الجماعة)، وترسخ وجود الجماعة بدعم من منظمات إسلامية إنجليزية، سرعان ما استحوذت عليه الجماعة وجعلتها ستارًا آمنًا وشرعيًّا لنشاطها المريب في بريطانيا.

أسس سعيد رمضان المركز الإسلامي في جنيف عام 1961، ليكون مقرًا لقيادات التنظيم الدولي، ويكون المُشرف على جماعة الإخوان في أوروبا، بعدها انتشر الإخوان في عدد من الدول الأوروبية، ليؤسسوا منظمات عديدة على غرار مركز جنيف، وتدار بشبكات معقدة من الكوادر والعلاقات الدولية، والنتيجة أن تحكمت الجماعة في 13 مؤسسة خيرية ومالية في بريطانيا وحدها!

ففي عام 1989، أعلن الإخوان رسميًّا عن إنشاء «اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا»؛ وذلك فى مدينة ماركفيلد قرب ليستر في المملكة المتحدة، وعام 2007 نقل إلى بروكسل؛ وذلك لتوسيع نفوذها في القارة الأوروبية، ويجمع الاتحاد نحو 500 منظمة وجمعية في 28 بلدًا، يرتبط جميعها بالإخوان. 

ويقول الباحث آيان جونسون: إن أحد أهداف الاتحاد يتمثل في التنسيق بين جماعات الإخوان في أكثر من 20 دولة، ويضيف «إن هذه الكيانات والمنظمات على تعددها وتشعبها تتلاقى في النهاية عند طرف قادة الإخوان عبر شبكة من المستشارين، على رأسهم يوسف القرضاوي، كما تتلقى هذه الكيانات تمويلات سخية من الجهات الأجنبية». 

وأنشأ الإخوان 6 معاهد تقوم بتعليم الدين الإسلامي في أوروبا، وهي: المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في فرنسا في عام 1991، وهو مختص بالدراسات الإسلامية واللغة العربية والدورات القرآنية، المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في المملكة المتحدة عام 1998، والمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في فرانكفورت بألمانيا عام 2012. 

ومن المؤسسات الكبرى الفاعلة في بريطانيا وأوروبا، «المنظمة الإسلامية للإغاثة حول العالم»، كانت من المنظمات التى تتلقى تمويلات ضخمة لخدمة المجتمع المدني، وكعادة الإخوان -في كل زمان ومكان- استغلت الجماعة تلك الأموال لصالحها هي، ولتعزيز نفوذها هي، واقتصر المجتمع المدني على أعضاء الإخوان فحسب، وتوجهت الإغاثة لكل من ينتمي للجماعة فقط، فالعالم كله في نظر أبناء حسن البنا هو جماعتهم لا غير.

ترأس منظمة الإغاثة الإسلامية حول العالم عصام الحداد مستشار الرئيس المعزول محمد مرسي، وكان يُدير المنظمة منذ عام 1992، وقد تجاوز عدد المؤسسات 30 مؤسسة، منها منتدى الشباب المسلم في أوروبا FIOE (شبكة تتألف من 42 منظمة تجمع شبابًا من عدد من الدول)، إضافة للمنظمات المعروفة دوليًّا، الرابطة الإسلامية MBA والمجلس الإسلامي البريطانى MCB اتحاد المنظمات الطلابية الإسلامية، والهيئة الاستشارية للأئمة والمساجد MINAB. 

وعلى الرغم من تصنيف بريطانيا لعدد من المنظمات بدعمها للإرهاب، فإن بريطانيا تتراجع أمام الإخوان، وتفضل اتباع «السياسة الناعمة» مع الجماعة، ويذكر أن حكومة تريزا ماي أصدرت تقريرًا يُتيح لعناصر الإخوان غير المتورطين في العنف حق الحصول على اللجوء السياسي، وذكر التقرير عددًا من الأسماء التي لها حق اللجوء السياسي، وكان في مقدمتهم مختار العشري عضو المكتب القانوني للجماعة، وكان ذلك بعد فترة قصيرة من صدور تقرير لجنة كاميرون يؤكد أن الجماعة تُمثل بداية الطريق نحو التطرف.

ودفع تزايد وتيرة العمليات الإرهابية داخل البلاد، الحكومة البريطانية لاتخاذ موقف مغاير من الجماعة، فأخيرًا صرح أليستر بيرت وزير بريطانيا لشؤون الشرق الأوسط، قائلًا: إن هناك جماعات تستخدم جمعيات ومؤسسات تكسبها نفوذًا تحت ستار الدين لخدمة أهدافها السياسة، ولابد أن تتخذ الدولة موقفًا من تلك الجمعيات لمكافحة الإرهاب في بريطانيا، وتجفيف منابع التطرف في أوروبا. 

وفي السياق ذاته، أكد الكولونيل تيم كولينز، مؤسس منظمة نيوسينشري لمكافحة الإرهاب، أن تنظيم الإخوان يستطيع أن يلعب بعقول المسلمين في الغرب، ويحولهم لأشخاص خطيرين للقيام بأفعال تضر بأوطانهم. 

ما إن يبدأ النظر إلى الإخوان بعين الحذر والريبة، أو التحرك في اتجاه حظرها، حتى تعلو نغمة الجماعة عبر أبواقها الإعلامية المنتشرة في أوروبا لا البريطانية فحسب، وينعق غربان الجماعة بأسطوانتهم المشروخة: «الإسلام يتعرض لهجوم ولابد من حمايته»، وهي السياسة الدفاعية التي تنجزها الجمعيات والمنظمات التي تؤسسها الجماعة، وتعمل -عبرها- على تضليل الجاليات المسلمة من مختلف الجنسيات في أوروبا بتلك الأسطوانة.

 وبالتالي يحصل الإخوان على تمويل إضافي لمواجهة لتلك الجمعيات؛ باعتبارها جمعيات خيرية وإسلامية ستقوم بصد «الحملة الشرسة على الإسلام»، على حد تعبير الإخوان، إضافة إلى جذب متعاطفين جدد قد يتحولون بعد ذلك لتنظيميين أكثر عنفًا، وعلى جانب آخر، ترهب الحكومات والرأي العام في تلك البلاد التي توجد فيها للتراجع عن تصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية أو حتى متطرفة. 
"