يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

تمدد «داعش» في جنوب شرق آسيا.. «إندونيسيا» نموذجا

السبت 03/نوفمبر/2018 - 06:18 م
داعش
داعش
د. نرمين محمد توفيق
طباعة

تلجأ الجماعات الإرهابيَّة والمتطرفة دومًا إلى تبني فكرة إنشاء مراكز احتياطيَّة وبديلة؛ تحسبًا لسقوط معاقلها الرئيسيَّة، فمثلًا جماعة الإخوان تتخذ من بريطانيا معقلًا رئيسيًّا لإدارة عملياتها وسياساتها المناوئة للدول المركزية في الشرق الأوسط، كمصر والسعودية والإمارات، وفي المقابل أيضًا تتخذ من دول شرق أوروبا وجنوب شرق آسيا كإندونيسيا وماليزيا نقاطًا احتياطية استراتيجية، تلجأ إليها في حال تعرض معاقلها الرئيسيَّة للتضييق أو الإغلاق.


 وكحال الإخوان لجأ تنظيم «القاعدة» إلى تبني تلك الفكرة أيضًا، ففي الوقت الذي اعتُبِرَت جبال أفغانستان وباكستان معقلًا رئيسيًّا له، عمل التنظيم على بناء مراكز احتياطيَّة في إندونيسيا تُشكل الدعم والسند له، وبالفعل نجحت القاعدة في تشكيل جناحٍ قويٍ موالٍ لها في إندونيسيا، أخيرًا لم يألْ تنظيم داعش جهدًا في تحقيق الانتشار في منطقة جنوب شرق آسيا - وبالأخص إندونيسيا - لعله يتخذها موطنًا جديدًا له بعد سقوط دولته في العراق وسوريا.

 

لذا في هذه الدراسة نتطرق إلى سُبل وأدوات التمدد الإرهابي في المنطقة خلال الألفيَّة الجديدة.

تمدد «داعش» في جنوب
أولًا . تمدُّد داعش في جنوب شرق آسيا


اعتمد داعش في وجوده بمنطقة جنوب شرق آسيا على مبايعة الجماعات المُتشددة الموجودة تاريخيًّا هناك، وعلى رأسها جماعتان قديمتان، هما الجماعة الإسلامية في إندونيسيا، وجماعة أبوسياف في الفلبين، اللتان تقودان منذ عقود هجمات ضد حكومتي البلدين لدوافع انفصالية في المناطق التي تشهد غالبيةً مسلمةً، ولكن الجماعتين شهدتا تطورًا ملحوظًا منذ ظهور تنظيم داعش، وإعلان خلافته في مناطق من سوريا والعراق في العام 2014؛ حيث سارعت الجماعتان إلى بيعةِ زعيمهِ أبي بكر البغدادي، في أفق التوسع أكثر، وإعطاء حربهما ضد البلدين طابعًا عالميًّا وصدى أوسع، وتعزيز صفوفهما بمقاتلين جددٍ لديهم ميولٌ قتالية أو اقتنعوا بالخطاب المتشدد للتنظيم.


فقد أعلنت جماعة معركة الإعصار، التابعة لجماعة أبو سياف في الفلبين، مبايعتها لأبي بكر البغدادي، زعيم تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» على السمع والطاعة في المنشط والمكره في 2015، وقامت مجموعات أخرى من الحركة بمبايعة التنظيم، وقد بث داعش في 2016 فيديو مصورًا بتعيين إسنيلون حابيلون المعروف باسم أبو عبدالله الفلبيني «أميرًا» لما سمتها «ولاية الفلبين»، وظهر في الفيديو إندونيسي وماليزي وفلبيني مقيمون في مدينة الرقة، وهم يؤكدون قبول البغدادي بيعة هذه المجموعات[1].


أما في إندونيسيا؛ فقد أعلن زعيم الجماعة الإسلاميَّة أبو بكر باعشير - أحد أبرز القادة الإسلاميين في إندونيسيا - مُبايعته لتنظيم داعش في أغسطس 2014، وكان باعشير يسعى إلى إقامة دولة إسلاميَّة في منطقة جنوب شرق أسيا وليس في إندونيسيا فقط، وربطته علاقات قويَّة مع مؤسس تنظيم القاعدة أسامة بن لان، ففي عام 1988 التقى باعشير خلال رحلة إلى باكستان بأسامة بن لادن وعبد الله عزام، وبالعديد من المتدربين من جنوبي شرقي آسيا في معسكرات تدريب المجاهدين، كما دعمت الجماعة الإسلاميَّة الجهاديين في أفغانستان بعناصرها، واستفادت عناصرها من معسكرات تدريب المجاهدين في أفغانستان[2].


غيرت الحركة اسمها بعد التضييقات الأمنيَّة، والضربات التي تلقتها من القوات الأمنيَّة الإندونيسية بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا إلى «جماعة أنصار التوحيد»، وأعلنت مبايعتها لداعش في 2014، كما ظهر مقاتلون إندونيسيون في مشاهد ترويجية مصورة بثها تنظيم داعش، وقد أعلنت الشرطة الإندونيسيَّة العام الماضي أنها أفشلت خطة لإحداث تفجيرات خطط لها تنظيم «داعش» في البلاد.

 

لم تكن الجماعة الإسلاميَّة أو جماعة أنصار التوحيد هي الجماعة الإندونيسيَّة الوحيدة، التي أعلنت مبايعتها لداعش؛ حيث وصل عدد الجماعات التي بايعت البغدادي إلى اثنين وعشرين جماعة[3]، منها شبكة مجاهدي شرق إندونيسيا التي بايعت داعش في يوليو 2014، وتختبئ هذه الحركة في جبال جزيرة سولويزي، وتلقى عليها مسؤوليَّة موجة جرائم قتل لرجال الشرطة في المنطقة، وأعلن زعيم شبكة مجاهدي شرق إندونيسيا، المعروف باسم أبو وردة سانتوسو، مبايعته أبو بكر البغدادي، في تسجيل صوتي، كما دعمت حركات إندونيسيَّة مُتطرفة عدة داعش، على رأسها منتدى نشطاء الشريعة الإسلامية وحركة الإصلاح الإسلامية[4].


وفي 2015 أُسِّست «جماعة أنصار الدولة» التابعة لداعش عن طريق تحالف جماعات عدة منشقة، يرأسها أمان رحمان المعروف شعبيًّا بـ أمان عبدالرحمن من داخل سجنه، ويعد أمان من مُنظر رئيسي لمسلحي تنظيم داعش في إندونيسيا؛ حيث تعتبر جاوة مركزًا رئيسيًّا لهذه الجماعة، واعتاد عبد الرحمن أن ينشر أفكاره المتشددة، التي تُبرر العنف في اعتبار الآخرين من الكفار من خلال الخطب والمحاضرات، وبالرغم من أن عبدالرحمن يقبع وراء القضبان فقد تمكن من إعلان ولائه عبر الإنترنت لتنظيم داعش عام 2014، وقد أدرجت الولايات المتحدة الأمريكية جماعة «أنصار الدولة» على لائحة الإرهاب في يناير 2017 بتهمة تنفيذ اعتداءات انتحارية وهجمات مسلحة في 14 يناير 2016 في جاكرتا أودت بحياة أربعة مدنيين وأربعة مهاجمين.


ويرتبط اسم جماعة «أنصار الدولة» بسلسلة من الهجمات الأخرى في إندونيسيا؛ إضافة إلى مخطط لتنفيذ تفجير انتحاري قرب العاصمة في فترة أعياد الميلاد تمكنت السلطات من إحباطه، وتشترك «الجماعة الإسلامية» و«أنصار الدولة» في كثير من الأفكار والقناعات؛ لكنهما يختلفان حول طبيعة الأهداف التي يجب أن يهاجموها؛ ففي حين ترى الجماعة الإسلامية أنها يجب أن تحصر هجماتها ضد غير المسلمين والمسؤولين الأجانب لأن الاعتداء على المسلمين لا يجوز شرعًا، وهذا ما ظهر في هجماتها السابقة مثل تفجيرات بالي واستهداف السياح، يرى أنصار الدولة أن المسؤولين الحكوميين أهدافٌ مشروعة، خاصة رجال الشرطة، وحتى المدنيين[5].

 

وهذا ما اتضح في التفجيرات الأخيرة للكنائس وقد صرح واوان بوروانتو، من وكالة الاستخبارات الإندونيسيَّة، إنه يشتبه في أن جماعة «أنصار التوحيد»، الموالية لتنظيم الدولة الإسلامية، تقف وراء الهجمات المتزامنة.

تمدد «داعش» في جنوب
ثانيًا. الإرهاب العائلي نمط داعش للتمدد في إندونيسيا

 

لجأ داعش في تفجيرات الكنائس (مايو 2018) إلى استخدام آليات جديدة، يُصعِّدُ بها نشاطه داخل إندونيسيا، تتمثل في اعتماده على نمط «العائلة الكاملة» في تنفيذ الهجمات الإرهابية، فمنفذو العملية عائلة مكونة من 6 أفراد، تضم الأب والأم وابنين عمرهما 18 و16 عامًا وطفلتين عمرهما 12 و9 أعوام. وبدا لافتًا أن التنظيم يحاول التركيز على المدن الكبيرة، مثل مدينة سورابايا التي تعد ثاني أكبر مدن إندونيسيا، إلى جانب استهداف الأماكن الأمنية والدينية، على نحو يسعى من خلاله إلى تأكيد قدرته على تصعيد نشاطه داخل إندونيسيا رغم الجهود التي تبذلها السلطات من أجل احتوائه؛ حيث سبق أن حاكمت أمان عبد الرحمن مؤسس جماعة «أنصار الدولة» المرتبطة بالتنظيم في 15 فبراير 2018، بتهمة قيامه من محبسه، بتدبير 3 هجمات انتحارية في العاصمة جاكرتا خلال عام 2016 [6]، إضافة إلى الرسالة التي بعثها داعش من خلال القيام بثلاث عمليات متعاقبة في ذات الوقت ليقول إن عناصره تستطيع الانتشار خلال وقتٍ قصيرٍ في أكثر من مكان داخل إندونيسيا ليعكس قدرته على مواجهة الشرطة الأندونسيَّة.

تمدد «داعش» في جنوب
ثالثًا. أهداف داعش من الوجود في إندونيسيا

 

يسعى داعش من خلال وجوده في إندونيسيا إلى تحقيق العديد من الأهداف والدوافع مثل:

 

1-البحث عن أماكن جديدة تعوضه عن هزائمه في كل من سوريا والعراق، ويبتعد فيها عن ضربات التحالف الدولي ضد داعش، وقد أكد التنظيم من قبل في بياناته أنه يسعى إلى اختراق منطقة شرق آسيا، كما فعل سابقًا بالإعلان عن فرع دولته في الفلبين واستطاع أتباعه السيطرة على «مدينة ماراوي» جنوب الفلبين وإعلانها أول إمارة له في جنوب شرق آسيا في 2017، غير أن القوات الحكومية الفلبينية استردت المدينة منهم بعد معارك ضارية استمرت لأشهر بين الطرفين[7].

 

2- استغلال المقاتلين الأجانب من جنوب شرق آسيا، الذين عادوا من القتال في سوريا والعراق ليكونوا ظهيرًا له هناك، وكان منهم عددٌ غيرُ قليل من ماليزيا وإندونيسيا.

 

3- الاستفادة من الموقع الجغرافي لإندونيسيا، فموقعها له دور في توجه داعش لها؛ حيث تقع الدولة بالقرب من عدد من الدول الأخرى التي يسعى التنظيم إلى التمدد فيها؛ ومنها الفلبين وماليزيا وأستراليا، وهو ما يجعل التقارب بينه وبين عناصر الجماعات الإسلامية في إندونيسيا هدف مهم.

 

4- تنفيذ استراتيجية «البقاء والتوسع»؛ حيث يبنى داعش استراتيجيته عبر ثلاث مناطق جغرافية هي بلاد الشام، ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ومنطقة الخارج البعيد التي تضم أوروبا وآسيا، ومن ثمّ، اختار داعش إندونيسيا، أكبر الدول الإسلامية من حيث السكان، للوجود بها تحت مسمى الخلافة البعيدة[8].

 

تمدد «داعش» في جنوب
رابعًا – جهود إندونيسيا التشريعية في مكافحة الإرهاب

 

أقر البرلمان الإندونيسي، في 25 مايو 2018، قانونًا جديدًا يمنح الشرطة مزيدًا من الصلاحيات لاتخاذ إجراءات استباقيَّة ضد الذين يشتبه بعلاقتهم بالإرهاب في أعقاب اعتداءات، شنها إرهابيون وكانت الأكثر دموية في البلاد منذ سنوات، وتعطل مشروع القانون لنحو عامين خصوصًا مع خوض نواب البرلمان في كثيرٍ من التفاصيل، بما في ذلك كيفيَّة تعريف الإرهاب، لكن موجةً من التفجيرات الانتحارية الدموية الشهر الماضي زادت الضغط على النواب لتمرير التشريع الجديد في أكبر بلد مسلم من حيث عدد السكان.


وسيكون بوسع الشرطة الآن احتجاز الذين يشتبه بأنهم إرهابيون لمدة تصل إلى 21 يومًا مقابل أسبوع واحد حالياًّ، كما سيكون بوسعهم الآن توجيه تهمٍ إلى أشخاص لانضمامهم أو تجنيدهم آخرين للانضمام إلى منظمة «إرهابية»، سواء في الداخل أو في الخارج، غير أن هناك قلقًا من أن الصياغة الغامضة والفضفاضة لمشروع القانون قد تفتح الباب أمام حملة قمع لأي مجموعة ينظر إليها على أنها تشكل تهديدًا[9] وهذا يعكس أن إندونيسيا ستشدد من إجراءاتها الأمنية الصارمة لتمنع تمدد داعش بها بأي الطرق.

للمزيد: أدوار استخبارات إندونيسيا في مكافحة الإرهاب بجنوب شرق آسيا



[1] موقع العربية نت، الفلبين.. مجموعات من "أبو سياف" تعلن مبايعتها داعش، تاريخ النشر 25 يونيو 2016

https://goo.gl/ewv56a

[2] بوابة الحركات الإسلامية، الجماعة الإسلامية في إندونيسا... الوجه الآخر لـ"داعش"، تاريخ النشر 4 أكتوبر 2016 http://www.islamist-movements.com/37420

[3] المرجع السابق.

[4] موقع 24 الإماراتي، هذه هي الجماعات التي تبايع داعش حول العالم، تاريخ النشر 15 مارس 2015

http://24.ae/article/144349

[5] عبده مصطفى دسوقي، مرجع سبق ذكره.

[6] مركز المستقبل للدراسات والأبحاث المتقدمة، لماذا يتزايد استهداف "داعش" لإندونيسيا؟، تاريخ النشر 16 مايو 2018 https://goo.gl/PDHdZs

[7] صحيفة عكاظ السعودية، تنظيم «داعش» يهدد دول جنوب شرق آسيا، تاريخ النشر 29 إبريل   2018https://goo.gl/irWxHZ

[8] عبده مصطفى دسوقي، أنصار الدولة هي نسخة داعش في أندونيسيا، تاريخ النشر 15 مايو 2018

https://www.hespress.com/writers/391494.html

[9] موقع الغد الغربي، إندونيسيا تقر قوانين أكثر صرامة لمكافحة الإرهاب، تاريخ النشر 25 مايو 2018

https://goo.gl/km86Gm

"