يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

الجماعة الإسلامية في إندونيسيا وعقود الإرهاب المتوارث

الخميس 28/يونيو/2018 - 03:39 م
المرجع
محمد الدابولي
طباعة
تعاني دولة إندونيسيا، في الفترة الأخيرة، من انتشار وتطور العمليات الإرهابية، فقد شهدت مؤخرًا مدينة «سورابايا» هجمات انتحارية على 3 كنائس أدت إلى مقتل نحو 11 شخصًا، وقد أثارت هذه الحادثة أمرين، أولهما أنه جرى تنفيذها بواسطة أسرة واحدة، ما يعد تطورًا ملحوظًا في عملية التجنيد الذي تمارسه الجماعات الإرهابية، والأمر الثاني هو تبني تنظيم «داعش» للعملية.


حادث «سورابايا» لم يكن هو الأول لتنظيم «داعش» في إندونيسيا، ففي يناير 2016 دوت سلسلة انفجارات في العاصمة «جاكرتا» قرب مكتب الأمم المتحدة، أسفرت عن مقتل 8 أشخاص، وترجح الحكومة أن «داعش» هو المسؤول عن الحادث، حيث نجح التنظيم الإرهابي في إيجاد موطئ قدم له في إندونيسيا بعدما كانت أحد المعاقل الرئيسية لتنظيم «القاعدة».


وتعد «الجماعة الإسلامية في إندونيسيا» الرافد الرئيسي للتيارات والجماعات الإرهابية ليس فقط في إندونيسيا، ولكن أيضًا في منطقة جنوب شرق آسيا، حيث تربطها علاقات قوية بالتنظيمات الإرهابية العالمية كـ«القاعدة وداعش».


أولا- الولادة من رحم التعدد الإثني:
تعد إندونيسيا فسيفساء إثنية؛ إذ ينتشر بها نحو 300 جماعة إثنية ولغوية مثل الملايويون (مَجموعة عِرقية تعيش في شبه جزيرة ملايو وجزر أخرى)، العرب والهنود والصينيين، والجاويين وغيرهم من الجماعات الإثنية المتعددة، ففي مثل هذه المجتمعات دائمًا ما يكون هناك تصارع بين الجماعات من أجل الاستحواذ والسيطرة على الجماعات الأخرى.


وشهدت بداية القرن العشرين تصاعد نفوذ الصينيين في السياسة والمجتمع الإندونيسي مما استدعى إلى تشكيل «الرابطة الإسلامية» (1912م) بزعامة «تيرتو أضحي سوريو» من أجل مقاومة نفوذ الجماعة الصينية، وعلى الرغم من الطابع السياسي الذي بنيت عليه «الرابطة»، فإنه حدث انحراف لتوجهاتها نحو استخدام العنف في مقاومة نفوذ الصينيين.


وقد نشأت «الرابطة الإسلامية» في البداية كمنظمة دينية إثنية، ففي الوقت الذي كانت تدعو فيه إلى تطبيق الدين الإسلامي كانت تنادي أيضًا بالحد من نفوذ الجماعات الصينية وتمكين الجاويين من الحكم والسلطة في إندونيسيا باعتبارهم أكبر الجماعات العرقية والإثنية في البلاد، الأمر الذي دفع العديد من رواد حركة الاستقلال الإندونيسي إلى الانخراط والانضمام في صفوف الرابطة مثل «كارتوسويرجو» والرئيس الإندونيسي السابق «سوكارنو» الذي ترك الرابطة عام 1927 وأسس الحزب الوطني الإسلامي.


ثانيًا: إقامة الدولة الإسلاميَّة في إندونيسيا
تعد «الرابطة الإسلامية» هي العباءة التي خرجت من رحمها جميع التنظيمات المتطرفة الإندونيسية، مثل الجماعة الإسلامية، ودار السلام وغيرها من الجماعات التي مارست العنف الديني في إندونيسيا، ففي عام 1936 أطلق القيادي في الرابطة «كارتوسويرجو» دعوته لإقامة الدولة الإسلامية في إندونيسيا، وفي عام 1948 أعلن قيام دولته الإسلامية بعد الاستقلال، إلا أنه تراجع عنه.


وفي أربعينيات القرن الماضي خرج من رحم الرابطة الإسلامية تنظيم «دار الإسلام» بقيادة «كارتوسويرجو»، الذي قاد تمردًا إسلامويًا ضد الدولة، مما أدي إلى إعدامه عام 1962، وفي سبعينيات القرن الماضي ظهر تنظيم «كوماندو الجهاد» الذي قاد عمليات ضد الكنائس والمساجد وقوات الجيش والشرطة في إندونيسيا، وخلال تلك الفترة ظهر أيضا تنظيم «المجلس الثوري الإسلامي الإندونيسي» بقيادة «عمران بن زين».


ومن رحم تنظيم «دار الإسلام» نشأت «الجماعة الإسلامية»، ففي عام 1969 حاول 3 قيادات من قيادة «دار الإسلام»، هم: «أبوبكر بشير، عبدالله سونغكار، وشهرول» إحياء تنظيم «دار الإسلام»، لكنه تم القبض عليهم ووأد محاولتهم لإنشاء تنظيم إسلاموي جديد في إندونيسيا، وبعد عقود من محاولتهم السابقة لتأسيس «الجماعة الإسلامية» نجح كل من «أبوبكر باعشير، وعبدالله سونغكار» في تأسيس «الجماعة الإسلامية» في 1 يناير 1993.


ثالثا: التكوين الأيديولوجي
تنتمي «الجماعة الإسلامية الإندونيسية» فكريًا إلى إطار ما يسمى باسم «السلفية الجهادية»، التي تسعى إلى إقامة الدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة الإسلامية بواسطة العنف المسلح، لكن الملاحظ أن التيار السلفي الجهادي لم يكن وافدًا على التجربة الإندونيسية، فالتجربة «السلفية الجهادية» في إندونيسيا زاخرة بالعديد من التنظيمات الإسلاموية المتطرفة.


ولم تمر عشر سنوات على إنشاء «الرابطة الإسلامية» حتى تحولت نحو الفكر المتطرف وتبنى رؤى أكثر تطرفًا وعنفًا تجاه الآخرين، وظهر هذا بوضوح مع بروز تنظيم «دار الإسلام» الذي قاد تمردًا مسلحًا ضد الحكومة الإندونيسية بقيادة «سوهارتو» خلال فترة الخمسينيات مما أدي إلى إعدام قائد التنظيم «كارتوسويرجو».


رابعًا: إحياء فكرة الدولة الإسلامية
وقف الرئيس الإندونيسي السابق «سوهارتو» بالمرصاد للجماعات الإسلاموية الإندونيسية، حيث طارد معظمها مما اضطر قادتها للجوء إلى دول الجوار مثل «عبد الله باعشير» الذي مكث فترات طويلة من حياته في ماليزيا.


ومثل تنحى «سوهارتو» فرصة كبيرة لإعادة تنظيم الجماعات الإسلاموية في إندونيسيا، ففي أغسطس 2000 تجمع نحو 18 ألف من أنصار التنظيمات المتطرفة الإندونيسية في مدينة «جوغجاكرتا» وتشكل -بناء على هذا الاجتماع- ما يسمى «مجلس مجاهدي إندونيسيا»، واختير أبوبكر باعشير أميرًا للمجاهدين، كما تم تكوين هيئة للحل والعقد تابعة للتنظيم برئاسة «باعشير».


خامسًا: الارتباط بـ«القاعدة» ومبايعة «داعش»
مؤسسو الجماعة الإسلامية في إندونيسيا كانوا على ارتباط واضح بتنظيم «القاعدة»، ففي البداية اشترك أتباع الجماعة في الجهاد الأفغاني، كما التقي «باعشير» بكل من «عبدالله عزام» و«أسامة بن لادن»، عام 1988، في أفغانستان، ويعتبر «باعشير» نفسه «بن لادن إندونيسيا»، كما فتحت «القاعدة» معسكراتها لتدريب أعضاء الجماعة الإسلامية الإندونيسية.


اعتقل «باعشير» عام 2011، وخلال وجوده بمحبسه، في أغسطس 2014، بايع تنظيم «داعش»، مما أدي إلى حالة من الانشقاقات الداخلية في الجماعة الإسلامية، التي لها ارتباطات وثيقة مع «القاعدة»، وعلى أثر ذلك أسس المنشقون «جمعية أنصار الشريعة».


سادسًا: العمليات الإرهابية
ارتكبت «الجماعة الإسلامية» العديد من العمليات الإرهابية، ففي الفترة من 2000 إلى 2010، نفذت الجماعة نحو 11 عملية إرهابية، أبرزها تفجيرات «بالي» عامي 2002 و2005، وعملية فندق الماريوت بجاكرتا عام 2003، وتفجير السفارة الأسترالية 2004، وهجمات جاكرتا 2009.


وصنفت الجماعة كمنظمة إرهابية من قبل «أستراليا، كندا، بريطانيا، الولايات المتحدة الأمريكية، إندونيسيا، ماليزيا، الفلبين، سنغافورة، سلطنة بروناي، وتايلاند»، كما تعرض أنصارها للملاحقات القضائية والأمنية، ومن أبرزهم «عبد الله باعشير».


وحول تقييم تجربة التطرف والإرهاب في إندونيسيا تثار العديد من التساؤلات، فعادة ما كان يتم اتهام الفكر السلفي بتغذية الإرهاب في الدول الإسلامية، إلا أن التجربة الإندونيسية لها وضع خاص، فالفكر المتطرف متجذر في الحياة الدينية والسياسية الإندونيسية، فقد سبق التطرف الإندونيسي نظيره في الدول العربية والإسلامية.
"