يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

قراءة في قانون مكافحة الإرهاب الفرنسي

الإثنين 29/أكتوبر/2018 - 10:45 م
المرجع
محمد الدابولي
طباعة

بالأمس القريب نجحت السلطات الفرنسية في إفشال مخطط إرهابي تقوده إيران يستهدف تجمعات المعارضة الإيرانية في باريس، وبناء على هذه التهديدات الإرهابية اتخذت السلطات الفرنسية العديد من الخطوات والإجراءات القانونية لوقف أي أعمال مشابهة، مثل طرد دبلوماسي إيراني، وتوقيف شبكة إرهابية تابعة للحرس الثوري.



قراءة في قانون مكافحة

ومن المؤكد أن الحدث الأخير سيعيد الجدل لفرنسا حول مدى جدية ونجاعة التشريعات الفرنسية في مواجهة تهديدات الإرهاب، ففرنسا دون غيرها من الدول الأوروبية تعرضت لسيل من الهجمات الإرهابية في الفترة الأخيرة خاصة بعد صعود تنظيم «داعش» في عام 2014.



وتعد حادثتا «مسرح باتاكلان» في نوفمبر 2015، والدهس بـ«نيس» في 14 يوليو 2016 (الذي استهدف المحتفلين باليوم الوطني الفرنسي - يوم الباستيل)، من أبرز الحوادث الإرهابية التي هزت المجتمع الفرنسي.



وإزاء تصاعد الموجة الإرهابية في فرنسا، كان لزامًا على المشرع الفرنسي خلال الفترة الماضية سن المزيد من الإجراءات والقوانين التشريعية التي تمكن السلطات التنفيذية المعنية من مواجهة الإرهاب والحد من خطورته فضلًا عن إنهاء حالة الطوارئ غير المستساغة في الشارع الفرنسي.



قراءة في قانون مكافحة

للمزيد: قوانين وتشريعات أوروبية لمواجهة تمويل الإرهاب.. «فرنسا نموذجًا»


وبموجب التحديات السابقة أقرت الجمعية الوطنية الفرنسية في 18 من أكتوبر 2017، مشروع قانون جديد لمكافحة الإرهاب بأغلبية 415 صوتًا مقابل 127 وامتناع 19 آخرين، وتعكس الموافقة الكبيرة للجمعية الوطنية على مشروع القانون رغبة فرنسا في تدارك أزمة الإرهاب فيها ومعالجتها تمامًا، وقد حمل القانون العديد من الآثار المترتبة عليه وهي:


أولا: إنهاء حالة الطوارئ.

من أهم الآثار المترتبة على صدور قانون مكافحة الإرهاب في فرنسا إنهاء حالة الطوارئ التي فرضت في أعقاب هجمات مسرح الباتكلان في نوفمبر عام 2015، ومن المعروف أن القوى السياسية الفرنسية لم تكن مرحبة بشكل ما بحالة الطوارئ الفرنسية التي استمرت لمدة عامين لحين صدور القانون في أكتوبر 2017.


ومُددت حالة الطوارئ في فرنسا 6 مرات، ويدعي خبراء في الأمن والاستخبارات الفرنسية أن حالة الطوارئ نجحت في إحباط ما يربو على 30 عملية إرهابية في فرنسا، وعلى الرغم من ذلك لم تنجح هذه الحالة في منع وقوع حالات إرهابية جديدة بالشارع الفرنسي، حيث أكدت بعض المصادر الفرنسية سقوط نحو 250 ضحية خلال عامي الطوارئ.


كما أثبتت حالة الطوارئ قصورها الشديد في مواجهة منابع الإرهاب المتمثلة في خطاب الكراهية الذي يبثه عناصر موالون للتنظيمات المتطرفة، فضلا عن استخدام المساجد في فرنسا كمنصات وساحات للإرهابيين، لذا كان على الجمعية التشريعية الفرنسية إصدار تشريع جديد يسمح بمواجهة شاملة للإرهاب.


ثانيا: إجراءات حاسمة لمواجهة الإرهاب

حظي قانون مكافحة الإرهاب في فرنسا بتأييد حكومى وشعبي واسع؛ فالقانون تمت الموافقة عليه في الجمعية الوطنية بأغلبية 415 صوتًا في مقابل 127 صوتًا، كما دعم الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون، القانون ورفض دعوات البعض بعرضه على المجلس الدستوري لتحديد مدى دستوريته، كما أكد خلال خطاب سابق له أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في ستراسبروغ أن فرنسا تحارب الإرهاب في حدود القانون وبإشراف القضاة.


أما وزير الداخلية الفرنسي «جيرار كولومب»؛ فقد أكد أن القانون يعتبر أبلغ رد على التهديدات الإرهابية، وعلى المستوى الشعبي لم يلق القانون أية اعتراضات كبيرة فالعديد من دراسات استطلاع الرأي أكدت أن 57% من الفرنسيين مؤيدون للقانون.


وتضمن القانون العديد من الإجراءات الحاسمة لمواجهة الإرهاب والتنبؤ بالهجمات الإرهابية ومنها على سبيل المثال:

- إغلاق دور العبادة: يسمح القانون للمسؤولين المحليين بإغلاق أي من دور العبادة (مساجد - كنائس - معابد) إذا ثبت أن أحد الدعاة في تلك الدور يحرض على شن هجمات إرهابية أو يفتخر بالإرهاب ويدعو له، وسيكون أمامها 48 ساعة للطعن على القرار، وأن عدم الامتثال لقرار الإغلاق سيكلف القائمين على دور العبادة غرامة قدرها 45 ألف يورو والسجن لمدة ثلاث سنوات.


- إنشاء مناطق أمنية: يسمح القانون بانشاء المناطق الأمنية المغلقة، إذا وجد تهديد إرهابي يستهدف إحدى الحفلات أو الأماكن، ويكون للسلطات الأمنية أحقية إغلاق المناطق المحيطة وإخضاع الأشخاص الراغبين في دخول المنطقة لعملية تفتيش دقيقة من قبل قوى الأمن والشرطة.


- الاشتباه: منح القانون المزيد من الصلاحيات للشرطة في توقيف وتفتيش المارة في محطات القطارات والموانئ والمطارات في دائرة قطرها 20 كيلو مترًا، وكان في السابق طبقا لتشريعات الاتحاد الأوروبي كان يسمح للشرطة بالتفتيش والاشتباه في المناطق الحدودية ومحطات القطار، إلا أن القانون وسع دائرة التفتيش والاشتباه المكانية لتصبح 20 كيلو مترًا في محيط المطارات والموانئ، وطبقا لهذا البند من القانون ستقع معظم مناطق باريس في نطاق التوقيف والتفتيش.


- فرض الإقامة الجبرية: لوزير الداخلية الفرنسي الحق في إصدار قرارات بوضع المشتبه بهم رهن الإقامة الجبرية دون الحصول على موافقة مسبقة من القضاء الفرنسي.


- الحد من حرية الحركة: عبر إخضاع الأفراد للمراقبة الفردية ومن الممكن أن تستمر هذه الحالة لمدة عام على أن يظل الفرد المراقب في حدود مدينته وإذا أراد الذهاب أبعد من ذلك عليه ارتداء السوار الإلكتروني.


- تفتيش المنازل: أتاح القانون لمفوض الشرطة بأن يطلب من القاضي إذن تفتيش أحد المنازل ومن الممكن أن تلجأ الشرطة إلى التحفظ لمدة أربع ساعات على الشخص الذي يتم تفتيش منزله فضلا عن التحفظ على  المستندات والبيانات والأشياء المادية.


- نقل الموظفين: يسمح القانون بنقل الموظف المشتبه فيه والذي يعمل في إدارات خاصة بالأمن والدفاع.


- التنصت على المكالمات الهاتفية: يسمح لأجهزة المخابرات الفرنسية بالتنصت على الاتصالات الإلكترونية والبريد الإليكتروني.



قراءة في قانون مكافحة

ثالثا: تناغم القانون مع تشريعات مماثلة لمكافحة الإرهاب

يوجد اتجاه قوى داخل الدول الأوروبية عمومًا إلى تبني تشريعات وإجراءات أكثر شدة وحدة إزاء التهديدات الإرهابية، ويأتي القانون ضمن منظومة القوانين الفرنسية لمواجهة الإرهاب خاصة قانون مكافحة الجريمة المنظمة الصادر في يونيو 2016 الذي فرض قيودًا على عملية تمويل الإرهاب.


كما يتداخل قانون مكافحة الإرهاب مع قانون المخابرات الفرنسي الذي أدخلت عليه تعديلات في عام 2016 تسمح بتحقيق المراقبة الإليكترونية على الشخصيات المحيطة بالعناصر الإرهابية، ويتوافق القانون أيضًا مع نظيره الجنائي الذي سمح بتمديد الحجز الإداري على الأجانب الموجودين على الأراضي الفرنسية، وزيادة فترات احتجاز الأطفال فوق 16 سنة.


كما يتناغم القانون مع الموجة التشريعية الأوروبية الأخيرة في إصدار قوانين أكثر تشددًا في مواجهة الإرهاب فالعديد من الدول في شرق أوروبا كبلغاريا وبولندا والنمسا أصدرت قوانين وتعديلات دستورية وقانونية من أجل مواجهة الإرهاب.


رابعا: تخوفات حقوقية

على الرغم من الموافقة السياسية والشعبية الكبيرة التي حظي بها القانون فإنه وجهت له العديد من الانتقادات من قبل الشخصيات والمنظمات الحقوقية المتعددة، فالعديد من بنود القانون مثيرة للجدل، خاصة المادة الخاصة بإغلاق دور العبادة، حيث من الممكن إغلاقها بناء على بعض الأفكار والنظريات يراها بعض المسؤولين أنها تحض على العنف، دون أن تكون هناك معايير واضحة توضح مفردات خطاب العنف والكراهية.


كما تخشى المنظمات الحقوقية استغلال السلطات الكبيرة الممنوحة للشرطة في التوقيف والتفتيش في إحداث المضايقات للجماعات العرقية والمسلمين خاصة في المناطق المكتظة بالمهاجرين جنوب فرنسا، لذا ترى إحدى هذه المنظمات أن فرنسا تتجه بشكل تدريجي إلي إضعاف الرقابة القضائية علي جهود مكافحة الإرهاب وأن القانون الجديد يعد تطبيعًا لحالة الطوارئ.


إلا أن القانون في المقابل عالج عددًا من الإشكاليات الحقوقية منها السماح للشرطة بتفتيش المنازل بإذن مسبق من القضاء الفرنسي، عكس ما كان موجودًا في ظل حالة الطوارئ التي كانت تسمح لقوات الشرطة بالتفتيش دون إذن قضائي.


للمزيد: سياسات فرنسا الاستباقية لمكافحة الإرهاب.. ما بين الفعالية وإساءة الاستخدام


ومن المؤكد أن القانون سيمثل اختبارًا حقيقيًّا لمنظومة الحريات في المجتمع الفرنسي؛ لأنه يحتوى على المزيد من الصلاحيات الأمنية والتي إذا أسئ استغلالها ستكون ضربة لتلك المنظومة التي طالما تتغني بها فرنسا في المحافل الحقوقية.


خامسًا: هل يمنع القانون ارتكاب عمليات إرهابية أخرى؟

القانون وحده لن يجدي في منع أية عمليات إرهابية، إنما يجب أن يكون ضمن منظومة استراتيجية لمكافحة الإرهاب تشمل المواجهة القانونية والفكرية والاجتماعية لتجفيف المنابع، وقد نجحت باريس نوعًا ما خلال عام 2018 في تجنب المزيد من العمليات الإرهابية، فأخر العمليات التي أصابت فرنسا كانت عمليات محدودة في جنوب البلاد.


ولوحظ مؤخرًا أن السلطات الفرنسية بدأت في اتخاذ إجراءات استباقية (مستفيدة من الوضع القانوني الذي أقره قانون مكافحة الإرهاب) ضد المراكز والبؤر المحتمل أن تلعب دورًا في تجنيد الإرهابيين وبث خطابات الكراهية في المجتمع الفرنسي، ففي بداية أكتوبر 2018 داهمت السلطات الفرنسية «مركز الزهراء» شمالي البلاد، وهو مركز متخصص في بث الفكر الشيعي في فرنسا وتم اعتقال 11 من مسؤوليه.

"