يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

استهداف «داعش» لإيران.. انقلاب على «الملالي» أم توظيف للأحداث؟

الخميس 25/أكتوبر/2018 - 01:27 م
المرجع
مسلم هنيدي
طباعة

ألقت تداعيات الهجوم المسلح الذي استهدف يوم السبت 22 سبتمبر 2018 عرضًا عسكريًّا في مدينة «الأحواز»، عاصمة محافظة «خوزستان» غرب إيران، وأوقع نحو 29 قتيلًا، وأكثر من 50 جريحًا،ً بظلالها على المشهد الإيراني والشرق الأوسط برمته؛ حيث حمل الحادث الذي تبنته جهات مناهضة للنظام في الداخل والخارج رسائل واضحة لطهران، مفادها أنها لم تعد خارج دائرة الاستهداف كما مضى، بل ربما حان وقت سداد فاتورة تشابكها في ملفات المنطقة والسلوك الإقليمي الذي انتهجته لسنوات، وشكّل خطرًا على جيرانها باستمرار(1).


ورغم ردود الفعل السريعة التي أبداها المسؤولون الإيرانيون بعد وقوع الحادث، فقد جاء انخراط تنظيم «داعش» في الجدل الذي ثار عقب تنفيذ الهجوم حول هوية الجهة المنفذة، على نحو ما جاء في الفيديو الذي نشرته وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، وأعلن فيه مسؤوليته عن تنفيذ الحادث؛ ليزيد المشهد غموضًا والتباسًا، فقد أعاد إعلان التنظيم مسؤوليته في تنفيذ الهجوم إلى صدارة المشهد الأمني في الشرق الأوسط، ضرورة البحث عن مدى طبيعة وحجم العلاقة بين النظام الإيراني والتنظيمات الإرهابية في المنطقة، وفي مقدمتها الكشف عن طبيعة العلاقة الخاصة بين الاستخبارات الإيرانية وتنظيم «داعش» بصورة مباشرة، وما مدى التغير الذي ربما حدث في العلاقة بين الجانبين على خلفية هذا الهجوم(2).


ومن ثم، تسعى هذه الدراسة في ضوء هذا الهجوم، لإعادة البحث في حقيقة وطبيعة العلاقة بين إيران وتنظيم «داعش»، وذلك بالتركيز على دور الاستخبارات الإيرانية في تأسيس ودعم التنظيم منذ بداياته في العراق؛ كأداة مكنتها من تحقيق أهدافها في السيطرة على البلاد، كما ستشرح مدى التوافق في الرؤية والأهداف الفكرية والوظيفية للتنظيم الأم مع المرجعية الإيرانية فى طهران. 


لتختم بوضع رؤية استشرافية لمستقبل العلاقة بين الجانبين في ضوء تراجع التنظيم وانحساره مؤخرًا في سوريا والعراق، ومدى إمكانية إعادة هيكلته من قِبل طهران؛ لتحقق به أهدافًا أخرى في المرحلة المقبلة، ولكن من منطلقات تمكنه من التحور والاستمرار، وذلك في إطار عدد من التكتيكات والسيناريوهات.

استهداف «داعش» لإيران..

1ـ حجم وأهداف الدور الإيراني في  تأسيس ودعم التنظيم

في ظلِّ تصارع الدول والقوى الدولية والإقليمية منذ عقود على الهيمنة السياسية والدينية والاقتصادية على المنطقة، وتشاركها في عدد من الحروب بالوكالة في جميع أرجائها وجولاتها؛ شكَّلَ تفشي الإرهاب وصناعة واستفحال تنظيم «داعش»، إحدى دوائر هذا الصراع المتجدد بين تلك الأطراف على مدار الفترات الماضية، والتي تأتي في سياق جولات التنافس والتشابك الاستخباراتي لكل الأجهزة المعلوماتية التي لها مصالح وترتيبات في المنطقة، وفي مقدمتها أجهزة المخابرات الغربية والإقليمية.


ولفهم حدود وطبيعة العلاقة بين تنظيم «داعش»، وتلك الأجهزة، وفي مقدمتها علاقته بالاستخبارات الإيرانية، علينا أن نقر في البداية بأن صناعة هذا التنظيم شكلت أعقد حلقات التشابك والاختراق المتبادل والتوظيف المضاد بين مختلف تلك الأجهزة، كيف لا وقد وُلد التنظيم في أجواء ملغمة تلت سقوط الرئيس «صدام حسين» في العراق في أعقاب الغزو الأمريكي للبلاد، والذى تشكلت في سياقه فرصة بعث وتأسيس التنظيم على يد عناصر سابقة من المخابرات العراقية السُنّية؛ بهدف مهاجمة المحتل الأمريكي للأراضي العراقية آنذاك.


ثم ما لبث أن تطور واقع وحجم وأهداف التنظيم وكثرة خلاياه، والتي نسخت أهداف تأسيس «أبومصعب الزرقاوى» لتنظيمه الوليد، لتطلق وتدشن أجهزة الاستخبارات الأمريكية والغربية والإيرانية وغيرها كتائبها المختلفة في التفكير والغاية والهدف داخل التنظيم، ولكن تحت مسمى واحد، هو تنظيم «داعش»، أو ما أطلق عليه حينها «الدولة الإسلامية في الشام والعراق»، والتى يطول شرح دهاليز تأسيسها، وكيف وظفت من قِبل كل الأطراف؛ لتحقيق غايات وأهداف محددة ومختلفة، ولكن تحت مسمى وقيادة واحدة، فإلى جانب إجماع تلك الأطراف غير المعلن على توظيف التنظيم؛ لهدم المنطقة وإضعافها وتشويه صورة الإسلام السُنّي بما يُعد هدفًا مشتركًا لأغلب تلك القوى، كان لكل طرف غاياته وأهدافه وتكتيكاته الأخرى(3).


وحيث يحتل المشروع الإيراني وعلاقة النظام في طهران بالتنظيمات الإرهابية الأخرى التابعة له في المنطقة، ومنها العلاقة مع «داعش» صدارة القضايا والإشكاليات الشائكة؛ لفهم ما يدور ويحدث من تطورات متعاقبة، وهي العلاقة التي تسببت بدرجة كبيرة في زعزعة وإعادة هيكلة المشهد الشرق أوسطي على مدار السنوات الماضية بصورة واضحة، فرغم عدائية تنظيم «داعش» المعلنة لتل أبيب وطهران وكل القوى الغربية والأنظمة العربية، واستهدافه دولًا عدة في المنطقة، كما استهدف دولًا أخرى أوروبية، فإنه لم يستهدف المصالح الإيرانية حتى الآن بصورة حقيقية وجدية، وذلك باستثناء تبني التنظيم هجوم «الأحواز» الأخير، ومن قبل استهدافه ضريح «الخميني»، والمبنى الإداري التابع للبرلمان الإيراني في طهران في 7 يونيو 2017(4).


وهو ما يُشير إلى وجود روابط وأهداف مشتركة بين التنظيم وإيران بصورة ممكنة؛ حيث لم يمنع الاختلاف الطائفي بين تنظيمي «القاعدة» و«داعش» من جهة، وإيران من جهة أخرى من وجود روابط مشتركة بين الطرفين أثبتها الواقع فيما مضى.


 فإلى جانب العلاقة التاريخية بين زعيم تنظيم «القاعدة» «أسامة بن لادن» وطهران، والتي بدأت في حقبة التسعينيات إبان وجود قياديي «القاعدة» في السودان، نظرًا لتوطد علاقة الإيرانيين بالنظام السوداني في حينه(5)، تأتي علاقة تنظيم «داعش» بالأجهزة الإيرانية في هذا السياق مقبولة وممكنة؛ حيث استهدفت طهران من اختراق ودعم وإنشاء خلايا وزرع قادة تابعة لها داخل التنظيم، دعم نموه وحركته واستهدافه للمصالح الغربية في الداخل العراقي والعربي والغربي.


 كما استهدفت من ذلك وجود ذريعة تمكنها من دعم شيعة العراق عسكريًّا وسياسيًّا؛ لوقف هذا التوحش السُنّى باسم «داعش» في العراق وغيرها، فصنعت التنظيم إذًا، أو هكذا دعمت سياساته وتحركاته ليفتك بالشيعة ظاهريًّا في كل مكان، حتى تجد لنفسها مبررًا يُمكنّها من التدخل بكل السبل لحماية حلفائها وأتباع مذهبها في مناطق المواجهة، كما استفادت من ذلك في تشويه وتأجيج الطائفية بين السُنّة والشيعة في العراق، والذي ربما كان هدفًا مشتركًا، بغير ترتيب أو اتفاق، لكل القوى الرافضة لوضعية الإسلام السُني في العراق والمنطقة والعالم.


فقد استفاد الغرب من صناعة «داعش»، ووظفت أجهزة استخباراته التنظيم؛ لتشويه صورة الإسلام السُني لدى شبابهم، فأوقفوا بذلك تمدد الإسلام السُني على أراضيهم، كما رحّلوا من خلال التنظيم كل العناصر المتطرفة التي انضمت للإسلام في الغرب الى ساحة الجهاد المزعوم في سوريا والعراق، فتخلصوا من وجودها على أراضيهم ودولهم.


وهكذا فعلت طهران؛ فوظفت التنظيم لتشويه حقيقة الإسلام السُنّي في العالم والمنطقة، كما زرعت الفتنة بين أقطابه وحركاته في كل الدول العربية، ثم استطاعت من خلال تبنيها لدعاوى الدفاع عن المستضعفين في العراق وفي غيره من تقديم الدعم العسكري والتدخل المباشر لعناصر الحرس الثوري في العراق وسوريا، وكان من نتائج هذا التدخل تأسيس ودعم «الحشد الشعبي» و«عصائب أهل الحق» في العراق، وكذلك دعمها وتأسيسها لحزب الله في لبنان والبحرين وسوريا والحوثيين في اليمن وغيرها من الدول الأخرى، والتي باتت تُشكل ميليشيات وكتائب عسكرية شبه نظامية تحتكر امتلاك وممارسة العنف المسلح باسم الحرب على الإرهاب إلى جانب الدولة بشكل خطير، لكنه بات أمرًا واقعًا ومقبولًا(6).

استهداف «داعش» لإيران..

2ـ حدود التنسيق وسياقات الخلاف

تتأثر علاقة إيران كنظام ولاية فقيه شيعي متطرف بالتنظيمات المتطرفة، التي تدعي أنها سنية كتنظيمي «القاعدة» و«داعش»، وحتى علاقة طهران مع جماعة الإخوان المسلمين، بأيديولوجيا نظام «الخميني» التي تشربت من أفكار ومدرسة سيد قطب الإخوانية؛ حيث أخذت تنظيمات شيعية موالية لطهران مثل حزب الله في لبنان وبقية الميليشيات في العراق وسوريا وأفغانستان واليمن مفهوم الجهاد من هذه المدرسة، ولذا فهي علاقة أيديولوجية وتاريخية، فضلًا عن التقاء المصالح السياسية والتوظيف والتوظيف المضاد، ما يجعل العلاقة بين نظام طهران الشيعي والتنظيمات المتطرفة وفي مقدمتها تنظيم «داعش» علاقة دائمة وذات تشابكات(7).


ومن ثم قدمت طهران في هذا الإطار، على مدى السنوات الماضية دعمًا ماليًّا وماديًّا لعناصر تنظيمي «القاعدة» و«داعش» في العراق، في سياق تحقيق الجانبين من وراء ذلك لجملةٍ من الأهداف، كلًا فيما يخصه، فبينما استفادت طهران من ذلك الدعم في زعزعة استقرار العالم والمنطقة وقت أن كانت تحرص على مناكفة الولايات المتحدة الأمريكية بدعمها لتنظيم القاعدة ما قبل وبعد غزو العراق، ثم هاهي تواصل الاستفادة من دعم ومساندة تنظيم داعش في تحقيق ما تلا عرضه من أهداف، وكذلك قد استفادت قيادات وتنظيمات الإرهاب من هذا الدعم الإيراني هي الأخرى، رغم الاختلاف بينهم في بعض التوجهات والمعتقدات؛ حيث استفاد تنظيم القاعدة إبان فترة وجود أسامة بن لادن في طهران من الحصول على الدعم المالي والمادي والمعنوي واللوجستي والتدريب والإمداد بالسلاح، وكذا استفاد قادة وعناصر تنظيم داعش ذات الاستفادة ولكن بدرجات(8).


وكثيرةً هي اعترافات المتهمين الذين قُبض عليهم وينتمون لـ«داعش»، والتي كشفت عن حقيقة العلاقة والأهداف وتلك السياسات بين الجانبين، والتي أفادوا فيها بحضورهم العديد من الاجتماعات التنسيقية بين عناصر من «داعش» ومخابرات طهران في هذا السياق، بخلاف الأحكام القضائية التي أثبتت علاقة إيران بالجماعات المتطرفة في ذات الاتجاه.


 كما كشفت المزامنات العديدة بين هجمات التنظيم وهجمات الجيش السوري على تنظيمات الإرهاب الأخرى في سوريا شيئًا من حدود هذا التنسيق المشبوه، وكذلك انتهت المسافة التي قطعها التنظيم من حدود العراق وسوريا باتجاه الشرق، بعلامة استفهام تماثل الكيلومترات البسيطة التي كانت تفصله عن بغداد، عاصمة أمجاد خلافته الإسلامية المزعومة، والتي كان يحكمها «المالكي» عدو «داعش» المزعوم، ولكنه حليف إيران وقت أن كان في أضعف حالاته حينها.


 دليل آخر على علاقة «داعش» بإيران هو عثور الجيش الحر على بطاقات هوية من أجهزة الأمن السورية، وجوازات سفر عليها تأشيرات دخول إلى إيران، وبطاقات هاتف إيرانية لدى قادة التنظيم(9).


كما أكد رئيس عشائر جنوب العراق الشيخ «كاظم العنيزان» في مقطع فيديو متداول ضلوع إيران في كل مشكلات العراق الحالية، وقال «العنيزان» إن قصة حدثت لابن أخته كشفت الدور الذي ظلت تلعبه إيران في إطالة أمد الاقتتال في العراق، حيث كان يقاتل ابن أخته في جيش «المهدي» التابع لميليشيا «مقتدى الصدر»، وأصيب في أحد الاشتباكات، وأرسل إلى إيران لتلقي العلاج؛ ليتفاجأ ابن أخته خلال تحركه في أرجاء المستشفى بعد أن ضل طريقه إلى الطابق الذي كان فيه، ليجد نفسه في طابق آخر يعج بالمصابين من تنظيم «القاعدة» و«داعش» يعالجون داخل طهران(10).


ورغم ذلك، فقد دعمت إيران نظامي دمشق وبغداد ضد تنظيم داعش، وقدمت الدعم اللوجستي والتقني والمالي لسوريا، كما أرسلت بعض قواتها المقاتلة لسوريا والعراق، وشارك الحرس الثوري في تحرير مناطق واسعة من التنظيم فی العراق، كما كان له دور فی تنسيق العمليات العسكرية فی سوريا لاستعادة الكثير من المناطق التي سيطر عليها التنظيم هناك، وفي المقابل كثيرًا ما هدد تنظيم «داعش»  بتدمير رموز الشيعة في سوريا والعراق وإيران، ومقابل ذلك هددت إيران باتخاذ إجراءات عسكرية مباشرة ضد وجود التنظيم في كل مكان.


وقد لا يبدو هذا مستغربًا إزاء انخراط إيران في حرب اقليمية ضد «داعش»، فالاستخبارات الإيرانية التي وصفتها وزارة الدفاع الأميركية بأنها «من أكبر الأجهزة الاستخباراتية وأكثرها ديناميكية في الشرق الأوسط»، تكشف بتحركها هذا مدى التوافق في الرؤية والأهداف الوظيفية للتنظيم الأم مع المرجعية الايرانية، ولكنها تؤكد في ذات السياق مدى قدرة الاستخبارات الإيرانية على توظيف التنظيم في تحقيق مختلف الأهداف(11).

استهداف «داعش» لإيران..

3ـ الهجوم على الداخل الإيراني توظيف أم استهداف؟

ما جاء في فيديو هجوم «الأحواز» الذي بثه التنظيم على لسان المهاجمين حين تكلموا عن نقل أهدافهم وجهادهم وعملياتهم القادمة داخل الأراضي الإيرانية، بل وتوعدهم للحرس الثوري الإيراني بالانتقام والمواجهة في المرات المقبلة، ربما يُعدُّ انقلابًا في استراتيجية التنظيم القائمة على تحييد المصالح والأراضي الإيرانية عن دائرة الاستهداف والمواجهة التي سادت خلال السنوات الماضية، اللهم إلا إذا جاء هذا الهجوم في سياق رد الفعل الفردي لبعض خلايا التنظيم على ترتيبات وتحركات مفروضة عليها من القادة التابعين لطهران داخل التنظيم في مناطق الاقتتال، ومن ثمَّ يكون منطقيًّا قبول وتفسير رد الفعل الإيراني على الهجومين اللذين تعرض لهما من عناصر التنظيم، حيث توجه بالضربات العسكرية للثأر خارج الجغرافيا الإيرانية، وتحديدًا في مناطق وجود خلايا وعناصر التنظيم في منطقة «البوكمال» السوري، والتي قد تكون مقبولة في سياق الهجوم والهجوم المضاد كنوع من تصفية الحسابات(12).


وكذلك يمكن فهم الهجوم في سياق مدى التعارض بين مواقف بعض مكونات التنظيم في سوريا والعراق، وفي غيرها في مواقفها من استمرار تبعية تنظيمهم المطلقة للاستخبارات الإيرانية في كل الملفات، والتي ربما كان من نتائجها خروج بعض الكتائب أو القيادات داخل التنظيم عن استمرار تبعيتها المطلقة لتوجهات طهران، فلجأت في هذا السياق للتعبير عن رفضها أو انتقامها من هذا الاحتكار أو الإقصاء، إلى تدبير أو تنفيذ عمليات ضد المصالح الإيرانية في سوريا أو في العراق بشكل منفرد، ودون التنسيق مع القيادات داخل التنظيم، أو حتى ذهاب بعضها بعيدًا بتدبير هجمات في الداخل الإيراني، كتلك التي حدثت في «الأحواز» مؤخراً، كنوع من رد الفعل الفردي الناقم على أي تسوية لنقاط خلاف قد تكون شائكة بين الأطراف داخل التنظيم، أو بين بعض خلايا التنظيم وأطراف الدعم والتعاون في طهران.


احتمال آخر يظل قائمًا، وهو الإقدام على تنفيذ تلك الهجمات على يد عناصر من التنظيم أو تبنيه لها في سياق الاختراق والاستهداف المضاد والمدبر من قبل خلايا وعناصر التنظيم التابعة لأجهزة الاستخبارات الأخرى التي هي على خلاف أو خلافات مع إيران، كتلك الخلايا التي تتبع جهاز الموساد الإسرائيلي أو أجهزة الاستخبارات الغربية أو غيرها، ومن يثم يمكن تبرير الهجوم على الداخل الإيراني وقبوله في سياق تدبيره من قِبَل عناصر تعمل لصالح تل أبيب أو واشنطن في التنظيم، كخطوة تأتي في إطار المزيد من زعزعة الاستقرار الإيراني داخليًّا تزامنًا مع إحكام إدارة الرئيس الأمريكي «ترامب» تطبيقها لسياسة العقوبات لعزل طهران بكل إصرار(13).  

استهداف «داعش» لإيران..

4 ـ سيناريو التفاعل بين الطرفين في المستقبل المنظور

في 21 نوفمبر 2017، وجّه قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني «قاسم سليماني»، رسالة إلى المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران علي خامنئي، يعلمه فيها بـاجتثاث «داعش» بعد السيطرة على مدينة «البوكمال» السورية، كما أعلن الرئيس الإيراني «حسن روحاني» في كلمة نقلها التلفزيون الرسمي على الهواء مباشرة في اليوم نفسه نهاية التنظيم.


أما رئيس مجلس الشورى في إيران علي لاريجاني، فكثيرًا ما شدد على شطب التنظيم من العراق وسوريا، فيما أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية في 22 نوفمبر 2017 بيانًا حول ما وصفته بـانتهاء دولة «داعش المزعومة والإرهابية»، ‏مشيرةً إلى أن فصلًا جديدًا من فصول التحولات قد بدأ في منطقة غرب آسيا بعد تعاون قوى المقاومة مع دول المنطقة في محاربة الإرهاب والتطرف والجرائم ضد الإنسانية(14).


في سياق ما تلا عرضه، يمكن استشراف مستقبل العلاقة بين الجانين في ضوء تراجع التنظيم وانحساره مؤخرًا في سوريا والعراق، ومدى إمكانية إعادة هيكلته من قبل طهران لتحقيق أهداف أخرى في المرحلة القادمة، ولكن من منطلقات تمكنه من التحور والاستمرار، وذلك في إطار عدد من الترتيبات والسيناريوهات، حيث تعيد إيران لملمة شتات تنظيم «داعش» وجيوبه في سوريا والعراق لإعادة تأهيل وبناء وبعث تنظيم «القاعدة» من جديد ليُشبه في ثقافته «فيلق القدس» و«حزب الله» باستخدام علاقاتها الاستراتيجية والتاريخية بقادة التنظيم، ويأتي هذا التطور المحتمل استمرارًا لاستغلال التنظيمات الإرهابية لتوسيع نفوذ نظام ولاية الفقيه في المنطقة.


وفي ذات السياق، كشف نائب الأمين العام لحزب الحرية الكردستاني المعارض لإيران، وقائد جناحه العسكري، حسين يزدان بنا، عن قيام إيران بسحب قادة ومسلّحين في تنظيم داعش من الموصل شمالي العراق، وسوريا، إلى داخل الأراضي الإيرانية، لإعادة تنظيمهم تحت اسم جديد، حيث ستوظف طهران هؤلاء المسلّحين بعد تهيئتهم لمهاجمة قوات البيشمركة (قوات الأمن الكردية) في حدود محافظتي السليمانية وكركوك شمال العراق، وذلك تحت رعاية وزارة الاستخبارات والأمن الوطني الإيرانية، وفيلق القدس التابع للحرس الثوري تنفيذ لك المهام(15).


وحيث يظل هذا الاحتمال قائمًا وله وجاهته الميدانية على أرض الواقع في سياق عدد من التحركات والترتيبات، ستظل العلاقة التشابكية بين مكونات التنظيم وخلاياه مع طهران ومع بقية أجهزة الاستخبارات العالمية المختلفة محل بحث واستكشاف في قادم الأيام، والتي ربما يقدم التنظيم في سياقها مشاهد أخرى مغايرة وفقًا لترتيبات المرحلة المقبلة، كتلك التي أقدم عليها، حينما ينقلب التنظيم على صانعيه وينتقم منهم داخل حدود تلك البلاد، أو أن يتوارى عن المشهد صخب وضجيج وبشاعة هذا التنظيم، وتعود عناصره المختلفة إلى بلادها فتمارس عنفًا جديدًا داخل تلك المجتمعات، أو ترسل إلى جبهات أخرى جديدة في سياق ما يلوح في الأفق من تطورات وترتيبات، فتقدم فصلًا جديدًا من الخراب والتدمير باسم الإسلام البريء من كل هذه التهم والانتهاكات، كما ستتكشف يومًا تلو الآخر في المستقبل المنظور حقيقة هذا الكيان العجيب، الذي اقترف من الجرائم ضد الإنسانية ما لم ترتكبه عصابات عصور أوروبا الوسطى، حينما كانت تُبيد وتئد الجميع باسم الدين والصليب.

§         المصادر والمراجع:

(1) إيران تعلن تفاصيل جديدة بشأن "هجوم الأحواز"، cnn عربى، 2 أكتوبر 2018.

https://arabic.cnn.com/middle-east/article/2018/10/02/iran-ahwaz-attack-trial

(2) بالفيديو.. داعش يبث تسجيلا يدعي أنه لمنفذي هجوم الأحواز، العربية.نت، 23 سبتمبر 2018.

https://www.alarabiya.net/ar/iran/2018/09/23/%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-%D9%8A%D8%A8%D8%AB-

(3)، علاقة ايران بتنظيم داعش أعمق مما يُعتقد، إيلاف، 21 ديسمبر 2015.

 https://elaph.com/Web/News/2015/12/1062978.html

 (4) 16 قتيلاً بهجومي البرلمان الإيراني وضريح الخميني.. و"داعش" يتبنى، الخليج أونلاين، 7 يونيو 2017.

http://alkhaleejonline.net/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/16-%D9%82%D8%AA%D9%8A%D9%84%D8%A7%D9%8B

(5) علاقة ايران بتنظيم داعش أعمق مما يعتقد، مرجع سبق ذكره.

(6) الحشد الشعبي... خلفيات التشكيل، الدور والمستقبل، مركز الفكر الاستراتيجى للدراسات، 12 ديسمبر 2016.

 http://fikercenter.com/political-analysis/popular-mobilization-forces

(7) كتاب أيرلندي يفضح توأمة فكر «الإخوان» ونظام «الملالي»، المرجع، 28 يوليه2018.

 http://www.almarjie-paris.com/2843

(8) سر التحالف الاستراتيجي بين ايران والقاعدة و داعش ومن على شاكلتهم، مركز الروابط للبحوث والدراسات، 16 مايو 2017.

http://rawabetcenter.com/archives/46552

 (9) بالتفاصيل...اعترافات أسرى "داعش" في العراق "تعري" إيران وتكشف عن وجهها الحقيقي، سكاى برس، 9 أغسطس 2016.

http://www.skypressiq.net/2016/08/09/%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B5%D9%8A%D9%84

(10) إيران وإسرائيل تكشفان زيف داعش، الوطن أون لاين، 11 فبراير 2016.

http://www.alwatan.com.sa/Dialogue/News_Detail.aspx?ArticleID=252438&CategoryID=4

(11) المرجع يحاور طه الياسين: إيران حاولت نقل «القاعدة» و«داعش» إلى مصر، المرجع، 28 يونيو 2018.

 http://www.almarjie-paris.com/1834

(12) إيران تقصف البوكمال في سوريا "رداً" على هجوم الأهواز، بى بى سى، 1 اكتوبر 2018.

  http://www.bbc.com/arabic/middleeast-45702761

(13) كيف ولماذا خلقت أمريكا تنظيم "داعش"، هسبريس، 15 أكتوبر 2014.

https://www.hespress.com/writers/243563.html

(14) إيران تعلن النصر على "داعش" في العراق وسوريا، روسيا اليوم، 21 نوفمبر 2017.

https://arabic.rt.com/middle_east/911123-8%A7%D8%B3%D9%84%D9%86%D8%A7-

(15) قيادي كردي يكشف عن وجود دعم إيراني لـ«داعش» بالمسلحين والسلاح، الشرق الأوسط، 30 يونيو 2016.

https://aawsat.com/home/article/678451/%D9%82%D9%8A%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D9%83%D8%B1%D8%AF%D9%8A-%D9%8A%D9%83%D

للمزيد: «السيسا».. سلاح مواجهة التهديدات الإرهابية بالقارة الأفريقية


الكلمات المفتاحية

"