يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«السيسا».. سلاح مواجهة التهديدات الإرهابية بالقارة الأفريقية

الثلاثاء 23/أكتوبر/2018 - 08:09 م
المرجع
حامد المسلمي
طباعة

تلعب أجهزة الاستخبارات دورًا مهمًا وأساسيًا في حماية الدول من التهديدات المحتملة التي يمكن أن تواجهها، كما يتعاظم دورها في حالة اندلاع أي صراع بين الدولة وأخرى أو تنظيم إرهابي، وتؤثر التقارير المقدمة من أجهزة الاستخبارات في قرارات وسياسات صُناع القرار في الدولة بشكل عام سواء لتلافي تهديد محتمل أو لإدارة صراع أو للتعامل مع تهديد قائم بالفعل.


ومع تعاظم التهديدات التي تواجهها الدول، والتي تهدد السلم والأمن الدوليين مثل الجريمة المنظمة والعابرة للحدود وتهريب المخدرات والهجرة غير الشرعية والهجمات الإرهابية، تحتم على الدول التعاون في المجالات الأمنية والاستخبارات وتبادل المعلومات للقضاء على مثل هذه التهديدات التي تواجه العالم، والتي لن تستطيع دولة بمفردها مواجهتها مهما كانت إمكانياتها وذلك لعالمية الظاهرة وتشابك فاعليها وانتشار عناصرهم في أكثر من دولة.


ويُعد تحالف «العيون الخمس Five Eyes » أقدم تحالف سري بين أجهزة الاستخبارات ويضم (وكالة الأمن القومي الأمريكية، ومؤسسة أمن الاتصالات الحكومية البريطانية، وجهاز الاستخبارات الكندية، ومكتب أمن الاتصالات الحكومية في نيوزيلندا، ومديرية الإشارات الأسترالية)، وقد بدأ هذه التحالف بين بريطانيا وأمريكا خلال الحرب العالمية الثانية كجزء من تعاون البلدين لتبادل المعلومات واعتراض اتصالات الراديو للحكم النازي في ألمانيا آنذاك، واستمر التعاون بعد الحرب مما أدى لإبرام اتفاقية UKUSA في مارس 1946، ثم انضمت لها كندا عام 1948، ثم انضمت كل من استراليا ونيوزيلندا 1956، ولم يعلن عن هذا التحالف ونشر نص الاتفاقية إلا في عام 2010، ثم اتسع هذا التحالف ليشمل (الدنمارك، فرنسا، النرويج، هولندا، بلجيكا، ألمانيا، إيطاليا، أسبانيا، والسويد) ليصبح الأربع عشرة عينا Fourteen Eyes.[1]


ومع مطلع نهاية القرن العشرين ومطلع الألفية الجديدة بدأت ظاهرة الإرهاب في الانتشار لتقضي على دول ونظم، مثل الصومال وأفغانستان، بينما خاضت دول أخرى مثل الجزائر ومصر حروبًا ممتدة ضد الإرهاب في محاولة لمحاصرة الظاهرة والقضاء على التهديدات التي تواجه المدنيين والعسكريين على السواء، ومع أحداث 2011 التي أطلق عليها «ثورات الربيع العربي»، تعاظم دور الحركات والتنظيمات الإرهابية التي حاولت إسقاط الأنظمة السياسية وإقامة «دولة الخلافة» المزعومة.

 

وينتشر الإرهاب في غالبية أقاليم القارة، من موزمبيق جنوبًا إلى مصر وليبيا شمالًا، ومن الصومال شرقًا مرورًا بغالبية دول الساحل والصحراء وصولَا إلى نيجيريا غربًا، لذا تسعى الدول الأفريقية لمواجهة هذه التهديدات الإرهابية للشعوب والحكومات بكل السبل، وأهم هذه الترتيبات والسياسات ما تضطلع به أجهزة الاستخبارات وتبادل المعلومات للحيلولة دون وقوع الهجمات الإرهابية واتخاذ القرارات الصحيحة لمواجهة هذا الخطر الداهم.


وفي هذا السياق تسعى هذه الدراسة لاستعراض الجهود الأفريقية المبذولة في مجال الاستخبارات والسياسات الأمنية لمواجهة خطر الإرهاب الذي يضرب العديد من دول القارة، وما التحديات والمعوقات التي تحد من التعاون الاستخباراتي الأفريقي.

«السيسا».. سلاح مواجهة

أولًا- خلفية عن تشابك الإرهاب في أفريقيا

إن العائق الأكبر الذي يواجهه المجتمع الدولي بشكل عام في مواجهة الظاهرة الإرهابية، والذي يحتم على جميع الدول والفاعلين الدوليين التعاون في محاربة الإرهاب، هو عالمية الظاهرة الإرهابية وخاصة المبنية على مفاهيم إسلامية خاطئة، بداية من البُعد الأيديولوجي حول مفهوم وجوب إقامة الخلافة أو الأمة الإسلامية الواحدة والولاء والبراء ودار السلم ودار الحرب، مما دفع تنظيم داعش لأن ينشر خريطة لدولة الخلافة التي يطمح في إقامتها والتي تشمل ما يقرب من نصف الكرة الأرضية، بداية من وسط آسيا وشمال مرورًا بآسيا الصغرى، وصولًا إلى نيجيريا في الغرب الأفريقي وتشمل شبه جزيرة آيبريا (البرتغال وأسبانيا) وأجزاء من أوروبا الشرقية، أي كل الأراضي التي خضعت يومًا ما إلى حكومة (إسلامية)[2].


كما أن عالمية الظاهرة الإرهابية لها أبعاد أخرى تكتيكية وسياسية واستراتيجية من جانب التنظيمات الإرهابية، فهي من جهة تريد أن تؤكد قدرتها على الانتشار، بالإضافة إلى توسيع نطاق النفوذ[3].


مع بداية التسعينيات وخروج السوفييت، وعودة المتطرفين إلى بلدانهم ليكونوا خلايا متطرفة، سرعان ما تحولت إلى تنظيمات إرهابية وبايعت تنظيم القاعدة[4]، ومع ثورات الربيع العربي، وسقوط بعض الأنظمة العربية وضعف البعض الآخر، استطاع تنظيم داعش أن يعلن عن تكوين دولته الإرهابية في العراق وسوريا[5].


على سبيل المثال ينتشر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي في الشمال الأفريقي منذ عام 2006، وينشط التنظيم في شمال أفريقيا ودول الساحل الجنوبية ويرتبط بالحركات والتنظيمات الموجودة في مالي، مثل جماعة «المرابطون» وغيرها[6].


وفي الشرق الأفريقي تتمركز ما يُعرف بحركة الشباب المجاهدين الصومالية والتي أعلنت عن مبايعتها لتنظيم القاعدة في 2010، وفي 2015 انشق جناح من «الشباب المجاهدين» وأعلن مبايعته لتنظيم داعش، وتنشط في الشرق الأفريقي ونفذت جرائم إرهابية في أوغندا وإثيوبيا وكينيا وامتد نشاطها إلى أفريقيا الوسطى، وتشير بعض التقارير إلى علاقاتها بحركة سيليكا المنتشرة في أفريقيا الوسطى[7]. بينما في الجنوب الشرقي أعلن تنظيم داعش عن إنشاء أحدث خلاياه في شمال دولة موزمبيق والتي نُسب إليها عدد من العمليات الإرهابية هناك[8].


أما في الغرب الأفريقي توجد ما يسمى بجماعة بوكو حرام والتي تأسست في عام 2002 كحركة دينية إقليمية تهدف إلى تطبيق الشريعة في نيجيريا، وفي 2015 أعلنت الحركة مبايعتها لتنظيم داعش الإرهابي، وتنشط هذه الحركة في دول غرب أفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء وصولًا إلى بحيرة تشاد في وسط أفريقيا، ونفذت العديد من العمليات الإرهابية في دول عديدة[9].


بالإضافة إلى عدد من التنظيمات المحلية التي تسعى إلى إسقاط النظم المحلية وهي تتفق مع نفس الخلفية للتنظيمات الإرهابية مثل حركة سيليكا في أفريقيا الوسطى، والطوارق في مالي والتي يمكن أن تتحول في أي وقت إلى داعم قوي للتنظيمات الإرهابية العالمية مثل داعش والقاعدة.

«السيسا».. سلاح مواجهة

ثانيًا- الجهود الاستخباراتية الأفريقية لمواجهة الظاهرة الإرهابية.

شعرت الدول الأفريقية مبكرًا بضرورة إنشاء منظمة أفريقية جامعة تتضافر فيها الجهود الأمنية وتتعاون فيها أجهزة الاستخبارات لمواجهة التحديات القائمة والتهديدات المحتملة للجرائم العابرة للحدود مثل الإرهاب، وفي 26 أغسطس عام 2004 أُنشئت «11 لجنة أجهزة المخابرات والأمن الأفريقية- السيسا Committee of Intelligence and Security Service of Africa- CISSA » والتابعة للاتحاد الأفريقي، ومقرها في أبوجا بنيجيريا[10].

Ø     مهام السيسا

وتضطلع اللجنة بعدد من المهام في المجالات الآتية[11]؛

التحليل الاستخباري والاستراتيجي حول مهددات السلم والأمن في القارة.

الحصول على المعلومات ومعالجتها وتحليلها وإرسالها للأعضاء من خلال الأمانة.

تسهيل بناء القدرات ومواءمة أساليب التعامل مع التهديدات الأمنية المشتركة.

تنسيق الاستراتيجيات لتوفير النصح حول مسار العمل المناسب حول القضايا في نطاق تفويضها.

تطوير عقيدة أمن أفريقي ذاتية لوضع أسس مشتركة لدراسة وتحليل الظواهر والعوامل التي تضر باستقرار الأعضاء.

أي مهمة أخرى توكل إليها من قبل رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي أو الممثل المعين حسب الأصول.

Ø     أهداف السيسا

-  تسهيل التعاون والتواصل بين أجهزة المخابرات وتبادل المعلومات وتنسيق الاستراتيجيات حول كل التهديدات الأمنية المشتركة.

-  تطوير وتعزيز تدابير بناء الثقة بين أجهزة المخابرات والأمن.

-  تزويد الاتحاد الأفريقي بالبيانات والمعلومات اللازمة.

-  العمل كقاعدة للتعاون مع المنظمات الشبيهة بـ «السيسا» خارج أفريقيا.

-  العمل كقناة دعم للتواصل بين الأعضاء خلال الأزمات والظروف الأخرى التي قد تظهر[12].

Ø     الهيكل التنظيمي للسيسا

تتشكل اللجنة من أربعة مستويات، وهي كاللآتي[13]؛

-       المؤتمر: وهو الهيئة التنفيذية العليا للسيسا

ويتكون المؤتمر من رؤساء أجهزة مخابرات وأمن الدول الأعضاء أو ممثليهم من قبل دولهم، ويجتمع المؤتمر مرة واحدة سنويًا في دورة عادية قبل انعقاد قمة الجمعية العامة لرؤساء دول وحكومات الاتحاد الأفريقي، ويدرس حالة السلم والأمن ويقرر في مثل هذه القضايا، ويضطلع المؤتمر بصلاحيات محددة كوضع السياسات العامة للسيسا، وتلقي التكليفات ورفع التوصيات للأمانة العامة للاتحاد الأفريقي، بجانب اعتماد الميزانية، وتعيين موظفي الأمانة استنادًا لمبادئ الاتحاد الأفريقي الخاصة بالتمثيل الإقليمي العادل.


-   المكتب: ويتكون مكتب مؤتمر السيسا من رؤساء السيسا (الحالي، والسابق، والقادم) بالإضافة إلى رؤساء أقاليم السيسا الخمسة ونوابهم (الشمال، والشرق، والغرب، والوسط، والجنوب) ويتولي المهام والواجبات التي يكلفه بها المؤتمر، والعمل نيابة عن المؤتمر فيما بين الدورات، والإشراف على تنفيذ قرارات المؤتمر.


الترويكا: وتتكون من رؤساء السيسا (الرئيس الحالي، والرئيس السابق، والرئيس القادم) ويرأسها الرئيس الحالي للسيسا وتقوم بالتدخل والتوسط في حالة النزاعات، وتقدم تقرير عن حالة الأمن والسلم في القارة إلى مجلس السلم والأمن الأفريقي، كما تعمل على إنجاز المهام التي يكلفها بها المكتب.


-   السكرتارية: ومقرها في أديس أبابا لتسهيل التواصل والتنسيق مع رئيس مكتب الاتحاد الأفريقي ومجلس السلم والأمن، وتضطلع بالأمور الإدارية، بالإضافة إلى تنسيق أنشطة السيسا في المناطق المختلفة وإقامة ورش العمل والتدريبات للموظفين من خلال جامعة المخابرات والأمن والمحافظة على الاتصال الأمني، وإرسال التقارير ذات الصلة لرئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، وإرسال تقارير نصف سنوية للأعضاء عن وضع السلم والأمن في أفريقيا، وتحديث قاعدة بيانات أمنية بشكل دوري للدول الأعضاء عن وضع السلم والأمن في القارة، وأي تهديدات محتملة فيها.

Ø     مؤتمرات السيسا

انعقد إلى الآن أربعة عشر مؤتمرًا بشكل منتظم، أخرها وأهمها مؤتمر الخرطوم الذي اتعقد في السودان، ومن المنتظر أن يُعقد الاجتماع القادم في أبوجا عاصمة نيجيريا، أما المؤتمر السادس عشر 2019 سيُعقد في ويندهوك عاصمة ناميبيا[14].


عُقد المؤتمر تحت شعار «نحو استراتيجية شاملة تجاه مكافحة الإرهاب وتحقيق الاستقرار السياسي في أفريقيا» وجاء فيه التأكيد على التهديدات والمخاطر التي تتعرض لها قارة أفريقيا من جراء الإرهاب والجرائم المرتبطة به مثل: التهريب والمخدرات وغسيل الأموال، ودعا إلى الحاجة الملحة لصياغة استراتيجية أفريقية شاملة لمكافحة الإرهاب تتعاون فيها الدول الأفريقية كافة لمواجهة التهديدات والمخاطر التي تكاد تعصف بدول كاملة[15].


وخرج المؤتمر بعدد من التوصيات منها؛

-  التأكيد على ضرورة المواجهة الفكرية للإرهاب عبر المنتديات الفكرية، مثل المنتدي الذي عُقد في السودان 27 سبتمبر، وأكد الرئيس عمر البشير بأنه سيُعقد سنويًا.

-   العمل الحثيث لتنفيذ الاستراتيجية الأفريقية 2020 والمتعلقة باسكات صوت البنادق في أفريقيا.

-  كشف سلسلة الدعم المتعلقة بانتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة غير المشروعة، ودور هذه الأسلحة في تهديد السلم والأمن في أفريقيا.

-   والكشف عن آليات تمويل الإرهابيين غير المشروعة.

-  ضرورة التعامل مع إساءة استخدام الفضاء الألكتروني (الإرهاب السيبراني) في أغراض الإرهاب ونشر الأفكار المتطرفة.

-   التعامل مع الإرهاب والجرائم المرتبطة به، من الجرائم المنظمة والعابرة للحدود، والاتجار في البشر، والمخدرات، والهجرة غير الشرعية، والسطو المسلح، والاختطاف من أجل الفدية.

-  ودعا السفير حميد أوبلوييرو مساعد الأمين العام للشؤون الاقتصادية بمنظمة التعاون الإسلامي- الذي شارك في المؤتمر- إلى ضرورة التعاون الاستخباراتي المشترك في تبادل المعلومات والخبرات، والاشتراك في العمليات الموحدة متعددة الجنسيات، ومواءمة التشريعات، وتبادل الخبرات القانونية، وأكد ضرورة تسليم المجرمين، وتعزيز أجهزة الأمن الوطنية، وأشار إلى ضرورة التعاون بين السيسا ومنظمة التعاون الإسلامي والتي تضم 23 دولة عضو من أعضاء السيسا.

-  ودعا السفير إسماعيل شرقي مفوض السلم والأمن بالاتحاد الأفريقي إلى ضرورة تعاون مركز بحوث ودراسات الإرهاب، ونظام الإنذار القاري المبكر، وآلية الاتحاد الأفريقي للتعاون الشرطي، إلى إقامة شراكة قوية وتنسيق الجهود والأنشطة فيما بينهم[16].

«السيسا».. سلاح مواجهة

Ø     الاجتماع الافتتاحي للترويكا ورؤساء الأقاليم

كما شهد العام الماضي الاجتماع الأول الذي ضم الترويكا ورؤساء الأقاليم، وانعقد الاجتماع في مقر الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا (عاصمة إثيوبيا) في 27 نوفمبر 2017، وترأس هذا الاجتماع الفريق أول أمن مهندس/ محمد عطا المولى عباس المدير العام لجهاز الأمن والمخابرات الوطني السوداني ورئيس لجنة أجهزة المخابرات والأمن الأفريقية (السيسا) الحالي، كما شارك في الاجتماع أعضاء مديري أجهزة الأمن والمخابرات من الدول التالية (ناميبيا، رواندا، جمهورية الكونغو الديمقراطية، أوغندا، جنوب أفريقيا، السنغال، بالإضافة إلى السودان) ممثلين للترويكا والأقاليم الأفريقية الخمسة[17].


بدأ المؤتمر بالإعلان عن التضامن مع حكومتي مصر والصومال وإدانة الهجمات الإرهابية التي تمت في مسجد الروضة بسيناء، وتفجيرات العاصمة مقديشيو، والتي أودت بحياة المئات من الضحايا، وتكاتف الجميع مع مصر والصومال في حربهما على الإرهاب.


ونسق الاجتماع لعدد من ورش العمل والتدريبات لتنفيذ برنامج العمل من نوفمبر 2017 إلى يونيو 2018، والمضي قدمًا في الاستراتيجية الأفريقية لإسكات البنادق في 2020.


ثالثًا- المعوقات والتحديات التي تواجه التعاون الاستخباراتي في أفريقيا

تواجه أجهزة الاستخبارات عددًا من المعوقات الداخلية، بالإضافة إلى معوقات التعاون الاستخباراتي بين الدول المختلفة، ومنها؛

Ø     معوقات فاعلية أجهزة الاستخبارات في الداخل

بجانب المعوقات الفنية مثل: قوة الجهاز ومدى فاعليته ومستوى تدريبه وتأهيله، يواجه عددًا من المعوقات الأخرى، أهمها:

-   عدم الاتفاق على مفهوم دقيق للإرهاب تتبناه الدول جميعًا، فبعض الدول تنظر إلى التنظيم بأنه حركة سياسية، ودول أخرى تراه حركة انفصالية، بينما تصنفه دول ثالثة بأنه تنظيم إرهابي.

-   قناعات صانع القرار، وخاصة رؤساء الدول والحكومات والذي يصل إلى منصبه ولديه بعض القناعات فيما يخص السياسة الخارجية مع الدول، مما يجعله لا يقتنع كثيرًا بالتقارير والتحليلات الاستخباراتية والتي كانت تستوجب اتخاذ حزمة من الإجراءات والتدابير لمواجهة المخاطر. وأحيانًا يتعلق الأمر بتفضيلات البيروقراطية، والتي تعمل على تعطيل بعض التقارير عن وصولها لصانع القرار لأنه مخالف لقناعاتها. كذلك تسييس أجهزة الاستخبارات وذلك عبر رفض تقرير معين لصالح وجهة نظر معينة لدى صانع القرار[18].

-  والاعتماد على مصادر أخرى للمعلومات، وأيضًا غياب الفهم الدقيق لدور جهاز الاستخبارات بالإضافة إلى عدم تبني سياسات لمواجهة التهديدات المحتملة التي تواجه الدولة[19].

Ø     معوقات التعاون الاستخباراتي بين الدول الأفريقية

هناك عدد من الإشكاليات العامة والتي تخص الدول بشكل عام، وهناك إشكاليات ومعوقات تخص الدول الأفريقية.

-    من الإشكاليات العامة المطروحة التي تعيق التعاون الاستخباراتي، مشكلة أمن المعلومات الاستخباراتية، أي أن الدولة التي تملك المعلومة وتتبادل هذه المعلومة تظل ملكًا لها، وغير مسموح للدولة الأخرى مشاركة هذه المعلومة دون الرجوع لمصدر المعلومة الأصلي. ومصدر هذه الإشكالية هو غياب الثقة وعدم إدراك المصلحة المشتركة بين المجتمع الدولي بشكل عام في مواجهة المخاطر الإرهابية التي تهدد السلم والأمن الدوليين. بالإضافة إلى التجسس على الحلفاء كونه إحدى الإشكاليات المطروحة، وهو ما يعمق الشعور بفقدان الثقة[20].

-   الجدل حول حقوق الإنسان والتدبير والإجراءات الوقائية الأمنية، أحد معوقات عمل أجهزة الاستخبارات بشكل عام، وأحد معوقات التعاون[21].

-   أما فيما يتعلق بمعوقات التعاون الاستخباراتي بين الدول الأفريقية، فإنه ناجم من المشكلات التي تعاني منها غالبية الدول الأفريقية بشكل عام، فكون أغلب الدول الأفريقية حديثة الاستقلال، وبعضها لديه أجهزة غير مؤهلة ومدربة بالشكل الكافي، فإنها أيضًا تتمترس حول السيادة الوطنية، وترفض التدخل في شؤون الدول الأخرى، كما تتعامل بحساسية مع التحذيرات الأفريقية.

-  اختراق بعض أجهزة الاستخبارات الغربية والشرق أوسطية للقارة الأفريقية، والعمل على تأجيج الخلافات الأفريقية الأفريقية، والتي تؤدي إلى مزيد من فقدان الثقة بين الأفارقة، وذلك لضمان تبعية الدول الأفريقية الأمنية والاقتصادية لهم.

«السيسا».. سلاح مواجهة

وختامًا- ينبغي على الدول الأفريقية العمل على بناء الثقة بين الأجهزة الاستخباراتية والأمنية، وتعزيز التعاون بين الأفارقة، وتضطلع السيسا بالدور الأكبر في هذا الشأن كونها الجهاز المؤسسي الأفريقي الجامع لكل الدول الأفريقية.


بالإضافة إلى تفعيل القوات الأفريقية الجاهزة المنتشرة في الأقاليم الخمس تحت قيادة وزراء الدفاع، وتطوير الاستراتيجيات الأمنية لمواجهة الجريمة المنظمة العابرة للحدود والإرهاب، وما يرتبط بها من جرائم وتهديدات، ويمكن في هذا الشأن الإشادة بمجموعة الدول الخمس G5 والتي تضم كلًا من: موريتانيا وبوركينا فاسو وتشاد والنيجر ومالي التي كونت قوة مشتركة لمواجهة التحديات الأمنية والجماعات الجهادية التكفيرية والإرهابية التي تنتشر في المنطقة فيما عرف باسم «التحالف من أجل الساحل» وذلك بالشراكة مع فرنسا، كما أعلنت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة توفير دعم مالي قُدر بـ 130 مليون دولار للقوة الأفريقية في إطار جهود الدولتين لمكافحة الإرهاب[22].


ويجدر بنا الإشارة إلى الجهود المصرية في مكافحة الإرهاب، سواء بدعوة الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك في 28 يناير 1986 لإقامة مؤتمر دولي لمكافحة الإرهاب وتحديد مفهوم دقيق للإرهاب، مؤكدأ أن الإرهاب سيطال الجميع، وذلك قبيل الانتشار الكبير للحركات الإرهابية بنحو ربع قرن، كما أكد مبارك ضرورة تعاون المجتمع الدولي عبر تبادل المعلومات الاستخباراتية لمواجهة الإرهاب، بالإضافة إلى جهود الرئيس عبدالفتاح السيسي في مكافحة الإرهاب، والتأكيد على التعاون الجماعي عبر تشكيل قوات عربية للدفاع المشترك ومواجهة المخاطر الإرهابية والجريمة المنظمة العابرة للحدود، والتعاون مع الدول الأفريقية في هذا الشأن، وأخرها إعلان القوات المسلحة الانتهاء من إنشاء أول مركز إقليمي لمكافحة الإرهاب لدول الساحل والصحراء في أفريقيا, وذلك في بيان للمتحدث العسكري في 22 يونيو 2018[23].

للمزيد: المخابرات السورية ودلالات اختراقها تنظيمات الإرهاب

للمزيد«الاستخبارات العراقية» .. ميلاد مبتور وتحديات راهنة



[1]- د. رضوى عمار، «العلاقات الاستخباراتية الدولية بين منظوري الواقعية والليبرالية»، مجلة السياسة الدولية (القاهرة: مؤسسة الأهرام، ملحق اتجاهات نظرية، العدد 214، المجلد 53، أكتوبر 2018) ص 13.

[2]حامد المسلمي، «عالمية الإرهاب وعولمة مواجهته»، مجلة المرجع (باريس: مركز دراسات الشرق الأوسط، العدد الأول، مايو 2018) ص ص 68-72.

[3]- المرجع السابق.

[4]رسمية محمد، ظاهرة الأفغان العرب، الحوار المتمدن (العدد 3362، 11 مايو 2011) انظر

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=258619

[5]- خير ذيابات، «التوجهات الإستراتيجية لتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية: دراسة مقارنة» في مجلة المنارة للبحوث والدراسات (الرباط: مركز المنارة للدراسات والأبحاث، المجلد 22، العدد 3-أ، 2016) ص ص 337-339.

[6]علي أحمد جاد بدر، تأثير تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي على العلاقات العربية الأفريقية، في د. إبراهيم أحمد نصرالدين (محررًا)، الإرهاب وتأثيره على العلاقات العربية الأفريقية (بغداد: المركز العراقي- الأفريقي للدراسات الإستراتيجية، ط1، 2016) ص ص 295-297.

[7]نرمين توفيق، «حركة الشباب المجاهدين بالصومال: النشأة والأفكار والسيناريوهات المستقبلية»، في د. إبراهيم أحمد نصر الدين (محررًا)، الإرهاب وتأثيره على العلاقات العربية الأفريقية، ص ص 70-75.

[8]- نهلة عبدالمنعم، موزمبيق.. الثروة الأفريقية الفاتنة لـ«داعش»، موقع مجلة المرجع (باريس: مركز دراسات الشرق الأوسط، 2 يونيو 2018).

[9]- د. أيمن شبانه، جماعة بوكوحرام في نيجيريا بين الفكر والحركة، في د. إبراهيم أحمد نصر الدين (محررًا)، الإرهاب وتأثيره على العلاقات العربية الأفريقية، ص ص 18- 25.

[10]السوسنة، «تعرف على منظمة أجهزة الأمن والمخابرات الأفريقية- السيسا»، السودان، 24 سبتمبر 2017.

https://www.assawsana.com/portal/pages.php?newsid=325442

[11]Committee of Inteligence and Security Services of Africa- CISSA.

https://cissaau.org/ar/home-2/

[12]Idem.

[13]- Idem.

[14]- لجنة أجهزة المخابرات والأمن الأفريقية- السيسا، البيان الختامي، الخرطوم، الدورة العادية الرابعة عشرة، 24-30 سبتمبر 2017، ص 7.

[15]المرجع السابق، ص 2.

[16]المرجع السابق،  ص ص 3-7.

[17]لجنة أجهزة المخابرات والأمن الأفريقية- السيسا، بيان صحفي حول الاجتماع الافتتاحي الأول لترويكا السيسا ورؤساء الأقاليم، أديس أبابا، 27 نوفمبر 2017، ص 2.

[18]- د. شادي عبدالوهاب، «المقاربات المفسرة لدور الاستخبارات في السياسة الخارجية»، مجلة السياسة الدولية (ملحق اتجاهات نظرية، العدد 214، أكتوبر 2018) ص ص 8-9.

[19]المرجع السابق.

[20]- د. رضوى عمار، مرجع سبق ذكره، ص 14.

[21]المرجع السابق.

[22]- حامد المسلمي، مرجع سبق ذكره، ص 79.

[23]- حامد المسلمي، «نيابة عن العالم.. مصر تُحارب التطرف وتُنشئ مركزًا إقليميًّا لمكافحة الإرهاب»، موقع المرجع (باريس: مركز دراسات الشرق الأوسط، 26 يونيو 20118)

http://www.almarjie-paris.com/2042

"