يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

جدلية الصعود والهبوط: حزب الله في سوريا (2-3)

الثلاثاء 25/سبتمبر/2018 - 05:15 م
المرجع
أحمد سامي عبدالفتاح
طباعة

تناولنا في الجزء الأول من هذه الدراسة كيف أصبح حزب الله اللبناني طرفًا أصيلًا في النزاع السوري المُسلَّح منذ عام 2011، وأشرنا إلى اندماج الحزب في الحرب السورية، كان دافعه أسبابًا عقائديَّة حتمت عليه مناصرة النظام السوري، إضافة إلى أخرى عسكرية تتعلق بسعيه الحثيث للحفاظ على خطوط إمداده بالسلاح الإيراني الذي ينقل إليه عبر سوريا، ناهيك عن الامتيازات العسكرية التي يمنحها النظام السوري لحزب الله بتوفيره معسكرات تدريب حدودية يستغلها التنظيم في تطوير القدرات العسكريَّة لعناصره.

ونتناول في الجزء الثاني من الدراسة الانعكاسات والأضرار التي لقيها الحزب من خلال مشاركته في الحرب السورية؛ فتَدخُّل حزب الله في هذه الحرب جاء وفقًا لاعتبارات خاصة به، رغم إدراكه التام بأضرار ممارسته لنشاط عسكرىّ بدعاوى مذهبيَّة خارج منطقة نفوذه التقليديَّة في الجنوب اللبناني، كما أنه آثر خوض غمار المغامرة، رغم معرفته التامة بتأثير ذلك على تنامي السلفيَّة الجهاديَّة في لبنان كردّ فعل متوقع على خطابه الطائفي في سوريا.


وبالفعل، تحقق ما خشي منه الحزب؛ حيث تنامت المطالبات للسنة بالذهاب إلى سوريا، وقتال عناصر حزب الله عن طريق الانضمام إلى صفوف المعارضة السوريَّة المسلحة، وبسبب إدراك الحزب لسلبيات الحرب في سوريا على قوته العسكرية ونفوذه السياسي في لبنان (يخشى الحزب من عودة المقاتلين إلى لبنان مع إمكانية إنشائهم لميليشيات مسلحة بعد حصولهم على التدريب والخبرة العسكريَّة اللازمة لذلك في سوريا)، فقد فضل أن تكون المواجهة في سوريا بديلًا للداخل اللبناني، تجنبًا لحرب أهليَّة داخليَّة.


ويمكننا قياس تأثير الحرب السوريَّة على حزب الله، ومدى استنزاف الحزب من خلال عددٍِ من المؤشرات العسكريَّة، والبشريَّة، إضافة إلى أخرى تتعلق بقوة الحزب الناعمة وموارده الماليَّة.

جدلية الصعود والهبوط:

أولًا: العتاد العسكري

يقصد به قياس التغيير الذي طرأ على القدرات العسكرية والصاروخيَّة لحزب الله بعد تدخله العسكري في سوريا؛ فمن المعلوم أن أي معركة عسكريَّة تؤدي إلى خسائر في العتاد العسكري بالتوازي مع الخسائر البشريَّة، ما يعني نظريًّا أن اندماج حزب الله العسكري في سوريا قد أثر على قوته العسكرية بالسلب.


لكنّ الواقع العملي قد يكون مختلفًا إذا أدركنا أن حزب الله ميليشيا عسكرية تعتمد بشكل رئيسي على القدرات الصاروخيَّة، لتُشكل بها تهديدًا لخصومها العسكريين، ونقصد من ذلك أن خسائر الحزب فيما يتعلق بعتاده العسكريّ كان محدودًا للغاية، كونه لم يكن يمتلك أي دبابات، أو مدرعات أو ناقلات جند قبل اندماجه في الحرب السوريَّة (تتفاوت التقارير بشأن كيفية حصول حزب الله لاحقًا على هذه الأسلحة، فالبعض يُشير إلى أن مصدرها جيش النظام السوري، والبعض الآخر يُشير إلى أن مصدرها الجيش اللبناني)، ما يعني أن الحزب تمكن من تطويع الحرب السوريَّة لصالحه بإنشائه لوحدة المدرعات والدبابات.


وفي السياق نفسه، استغل حزب الله فوضى الحرب السوريَّة لتطوير ترسانته الصاروخيَّة التي تُشكل المرتكز الرئيسي لقوته العسكريَّة، بسبب مدى الصواريخ الذي يمتد لعشرات الكيلومترات، وهنا يجب أن نشير إلى أن حزب الله تعامل مع الحرب السوريَّة بصفتها حربًا مرحليَّة، سوف تستغرق مدى زمنيًّا معينًا وتنتهي، وفي هذا، سعى الحزب لامتلاك أسلحة ثقيلة لتمكنه من تحقيق نصر عسكريّ على المعارضة السوريَّة في بعض المدن، إضافة إلى كون الأسلحة الثقيلة ضرورية لإحكام الحصار العسكري على بعض المدن والبلدات مثل «القصير» و«الزبداني»، بل والحفاظ عليها لفترات زمنية طويلة.

 

ولا يمكننا أن نتجاهل دور الأسلحة الثقيلة في تعزيز قوة الحزب عسكريًّا في الجنوب اللبنانيّ ضد إسرائيل، في حالة محاولة الأخيرة تحقيق أي اقتحام بري، ورغم ذلك، تبقى هذه الدبابات محدودة الفاعلية في حالة عدم حصول الحزب على مضادات أرضيَّة لمنع الطيران الإسرائيلي من استهدافها، ويفسر ذلك تهريب حزب الله لأنظمة دفاع جوي تعرف باسم «SA 17»، وهي أنظمة صواريخ روسية، ذاتية الدفع، مضادة للطائرات.


كما تمكن حزب الله من الحصول على أنظمة الصواريخ الروسيَّة المعروفة باسم «بي 800»، أو «ياخنوت»، التي يصل مداها إلى 300 كيلومتر، وتتميز بقدرات تدميريَّة تمكنها من تمثيل تهديد للسفن الإسرائيليَّة في البحر المتوسط، علاوةً على تهديد تحليق مقاتلاتها الجويَّة فوق الضاحية الجنوبية التي يُسيطر عليها الحزب، ما يعني زيادة قدرة الحزب العسكريَّة على تحييد التهديدات التي يمكن أن تأتي إليه من البحر المتوسط، وفي سبيل تعزيز قدرته الصاروخية، عمل حزب الله على تهريب صواريخ بعيدة المدى تمكنه من تعميق تهديده لإسرائيل في أي حرب مقبلة.


وأشارت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكيَّة في تقرير لها، نقلًا عن مصادر استخباراتيَّة إسرائيليَّة، إلى أن حزب الله تمكن من تهريب عددٍ من صواريخ سكود طويلة المدى D وأخرى قصيرة المدى من طراز C، إضافة إلى صواريخ الفاتح الإيرانيَّة ذات المدى المتوسط، وصواريخ فجر المضادة للطائرات.

 

وسعيًا للحفاظ على قدرته في تطوير الصواريخ بعد انتهاء الحرب السوريَّة، فقد عمل حزب الله على إنشاء مصانع سلاح خاصة به (تحت الأرض) في لبنان بعد تهريب المواد الضرورية لذلك من سوريا، وقد نشرت صحيفة «الاستخبارات أونلاين» الفرنسية في تقرير لها في يوليو 2017، جاء فيه أن حزب الله قام ببناء مصنعين تحت الأرض لبناء الصواريخ، أحدهما في منطقة الهرمل، شمال غرب لبنان، لإنتاج صواريخ الفاتح 110 (بإمكانه أن يحمل نصف طن من المتفجرات أو الرؤوس الحربية) الذي يصل مداه إلى 190 ميلًا، في حين أن المصنع الثاني يوجد في جنوب لبنان، ويقوم بتصنيع الذخيرة.


وتشير بعض التقارير إلى أن حزب الله يمتلك أسلحة كيميائية منذ 2013؛ حيث هرّب النظام السوري بعضًا من أسلحته الكيميائية إلى مناطق تحت سيطرة الحزب في جنوب لبنان، تجنبًا للتفتيش الدولي أو الاستهداف، وقد كان ذلك في أعقاب الاتهامات الدوليَّة للنظام السوري باستخدام الأسلحة الكيميائية في غوطة دمشق الشرقيَّة، في أغسطس 2013، حتى إن صحت هذه التقارير، فإن هذا السلاح هو الوحيد الذي سيتعمد حزب الله إخفاءه بكل الوسائل، ولن يجرؤ على استخدامه تجنبًا للقصف الدوليّ، إلَّا في حالة تعرضه لهجوم كيميائي مباشر من أحد الأطراف.

جدلية الصعود والهبوط:

ثانيًا: البنيان البشري

لا توجد أرقام محددة بخصوص عدد مقاتلي حزب الله في سوريا، ولم يعلن الحزب عن أفراده الذين تحركوا من ثكناتهم العسكرية في جنوب لبنان إلى سوريا من أجل القتال إلى جوار النظام السوري، ولكن تُشير بعض التقديرات إلى أن مقاتلي الحزب المندمجين في القتال السوري يتراوح عددهم بين 6000 و8000 مقاتل، إضافة إلى فقدان الحزب قرابة 2000 من أفراده في سوريا نتيجة القتل، علاوةً على إصابة 5000 بجروح، من إجمالي عدد مقاتلي الحزب الكلي الذي يبلغ قرابة 25000 مقاتل، ما يعني أن الحرب في سوريا أدت إلى تحييد نسبة 28% من مقاتلي الحزب، نتيجة القتل والإصابة بالجروح.

 

ولكي يتغلب حزب الله على نقص المقاتلين لديه، فقد اضطر إلى التخلي عن «سياسة التجنيد المنغلقة» التي كان يتبناها لاعتماد المقاتلين المتطوعين في صفوفه قبل اندماجه في الحرب السوريَّة (وفيها كان يصب الحزب جُلَّ تركيزه على الجوانب العقائديَّة في استقطابه للأفراد، إضافة إلى عوامل أخرى تتعلق بالكفاءة والرغبة في التضحية من أجل أهداف الحزب) مقابل اعتماد سياسة «التجنيد من أجل سد العجز» التي هدفت بالأساس إلى زيادة استقطاب المقاتلين مقابل مبالغ ماليَّة، رغم ما يحتويه ذلك من أضرار سلبية على وحدة وتماسك البنيان التنظيمي للحزب.

 

ويكشف انتهاج سياسة «التجنيد من أجل سد العجز»، إدراك الحزب حجم الخسائر الكبيرة في صفوفه، علاوةً على فقدان دعاواه الخاصة بمواجهة «المؤامرة الصهيونية» في المنطقة قدرتها على استقطاب مقاتلين جدد، ما يعني تراجع قوته الناعمة، ومن ثم لجوئه إلى المال كآلية فاعلية في جذب المقاتلين، وقد تحقق ذلك مع مقاتلي المخيمات الفلسطينيَّة الذين يحصل كل منهم على مبلغ 500 دولار شهريًّا مقابل الانضمام إلى مقار الحزب الأمنية في جنوب لبنان، إضافة إلى 15000 دولار لعائلة كل فرد يقتل في سوريا.

 

وقد تعمد حزب الله اللجوء إلى مقاتلي المخيمات الفلسطينيَّة؛ نظرًا لخبرتهم في قتال الشوارع، والتي اكتسبوها من قتالهم كطرف فاعل في الحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت من عام 1975 إلى 1990، ويفسر لجوء حزب الله لتجنيد الأطفال في سوريا، لتعويض قتلاه، مدى التراجع الذي أصاب قوته الناعمة، والتي لم تعد قادرة على إقناع الأفراد بالانضمام دون تقديم مبالغ ماليَّة لعائلاتهم.


ومن الأهمية بمكان أن نشير هنا إلى أن حزب الله فَقَدَ العديد من قيادييه العسكريين البارزين، وأهمهم، سمير القنطار (قُتِل في أواخر 2015)، وحسن علي جفال قائد قوات النخبة بالحزب (قُتِل في سبتمبر 2015 بالزبداني)، ومصطفى بدر الدين قائد قوات الحزب في سوريا (قُتِل في مايو 2015)، ويعد فقدان القيادات دليلًا على شراسة المعارك التي اندمج فيها حزب الله ضد قوات المعارضة السوريَّة المسلحة.


مراجع
1-
أورينت نت، فضيحة جديدة: حزب الله يستخدم دبابات الجيش اللبناني في سوريا، http://orient-news.net/ar/news_show/126978/0/%D9%81%D8%B6%D9%8A%D8%AD%D8%A9-%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D8%AE%D8%AF%D9%85-%D8%AF%D8%A8%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7
2- L.Todd Wood, Hezollah acquires advance Russian air-defense system, The Washington Times, https://www.washingtontimes.com/news/2016/apr/8/l-todd-wood-hezbollah-acquires-advance-russian-air/
3-
العربية نت، حزب الله يحصل على أسلحة روسية لحماية طرطوس، https://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/2014/02/28/%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%8A%D8%AD%D8%B5%D9%84-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A3%D8%B3%D9%84%D8%AD%D8%A9-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%AD%D9%85%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%B7%D8%B1%D8%B7%D9%88%D8%B3-.html
4-  
العربية نت، نيويورك تايمز: حزب الله نقل صواريخ سكود من سوريا، https://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/syria/2014/01/03/%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%87-%D9%86%D9%82%D9%84-%D8%B5%D9%88%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE-%D8%B3%D9%83%D9%88%D8%AF-%D9%85%D9%86-%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A7-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%BA%D9%84%D8%A7%D9%8B-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%88%D8%B6%D9%89.html
5- The Tower, New Details emerge about Hezbollah’s Iran Built Weapons Factories in Lebanon, http://www.thetower.org/5187-new-details-emerge-about-hezbollahs-iran-built-weapons-factories-in-lebanon/
6- The Tower, Former Syrian General: Hezbollah has chemical weapons, http://www.thetower.org/6028-former-syrian-general-hezbollah-has-chemical-weapons/

"