يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

سورينام.. طريق «داعش» و«حزب الله» إلى أمريكا اللاتينية

الثلاثاء 18/سبتمبر/2018 - 12:53 م
المرجع
نهلة عبدالمنعم
طباعة

على الأطراف الشمالية لقارة أمريكا اللاتينية، توجد دولة صغيرة المساحة والسكان تسمى سورينام، وهي أصغر الدول جغرافيًا في القارة، وتتقاسم الحدود مع دولة البرازيل، اكتشفها الأسبان في نهاية القرن الخامس عشر، وتوالت عليها حقب الاستعمار ولكن هولندا كانت الأكثر تأثيرًا، ويبلغ عدد سكانها حاليًا 500 ألف نسمة ينتمي 20% منهم إلى الإسلام وعاصمتها الحالية هي باراماريبو.


رئيس سورينام وابنه
رئيس سورينام وابنه

ورغم أن «سورينام» تعد من الدول المغمورة على الخريطة، لكن  تنظيم داعش الإرهابي وجد فيها ما يُغري مطامعه ويدفعه ليمد ذراعه الخبيثة إلى عمقها، فالدولة التي يُشكل المسلمون 20% من تعدادها السكاني كشفت في يوليو عام 2017 عن مخطط داعشي يستهدف أراضيها.


وقد شهد الأسبوع الماضي محاكمة شقيقين بتهمة التخطيط لقتل السفير الأمريكي في البلاد والانتماء لتنظيم داعش الإرهابي.


وكانت معلومات مخابراتية أكدت وجود خلية داعشية بالبلاد يتزعمها شقيقان من هولندا قد عادا ليعيشا في أرض آبائهما، وهما راؤول البالغ من العمر 35 عامًا، وناصر البالغ 31 عامًا، كما أنهما خططا لاغتيال السفير الأمريكي بالبلاد، إدوين نولان والذي تولى مهام عمله في ديسمبر عام 2015.


علاوة على ذلك، أشارت المعلومات الأمنية إلى تورط راؤول وناصر في تجنيد بعض العناصر السورينامية وإرسالها لسوريا للالتحاق بتنظيم داعش، كما أنهما على علاقة وثيقة بقيادات التنظيم وهو ما أظهرته الرسائل والمكاتبات بين الطرفين، بالإضافة إلى ذلك فإن الشقيقين كانا يريدان السفر لسوريا بعد اغتيال السفير.


سورينام.. طريق «داعش»

ولكن في 23 يوليو عام 2017 ألقي القبض عليهما، ومنذ ذلك الحين والتنظيم يهدد (الجمهورية المستقلة حديثًا) بتنفيذ عمليات إرهابية تستهدف عددًا من المعاهد التعليمية إذا لم يتم الإفراج عن عنصري الجماعة.


ونتيجة لتلك التهديدات قامت الأجهزة المعنية في سبتمبر عام 2018 بإغلاق مجموعة من المدارس إلى جانب نشر خبراء مفرقعات في بعض المعاهد التعليمية الأخرى التي عثر بداخلها على رسائل تهديد ووعيد لتنظيم داعش.


سورينام.. طريق «داعش»

تربة إرهابية

 يبدو السؤال منطقيًا حول ما يغري «داعش» في تلك البلاد النائية والبعيدة كل البعد عن الشرق الأوسط، ولكن بقراءة واقعية لتاريخ وجغرافية «سورينام»، تتضح ملامح الهوى المتطرف الذي يتجاذب البلاد.


·      التطرف العقائدي

سورينام دولة ذات حكم جمهوري، وتقع على ساحل المحيط الأطلسي، كانت مستعمرة هولندية منذ عام 1667 وذلك بعد مقايضة بين المملكة المتحدة وهولندا على تلك البقعة الأصغر من أمريكا الجنوبية.


وبعد سيطرة هولندا على مقاليد الحكم قامت بجلب عدد من العبيد والمستخدمين من أفريقيا والدول الآسيوية بالأخص من الهند وإندونيسيا، وكان من بينهم عدد لابأس به من المسلمين يبلغ تعدادهم حاليًا ما يزيد على 100 ألف شخص يمثلون الطائفة الإسلامية الأكبر في الدول اللاتينية.


وتتصف تلك الطائفة بالتشدد النوعي والعرقي فمعتنقو المذهب الحنفي لديهم مساجد خاصة بهم، وكذلك الشافعية بالإضافة إلى عدد من المذاهب الأخرى التي تُقسم عشرات المساجد بالبلد إلى بقع تشدد فكري.


علاوة على ذلك، فالأجناس المختلفة لمسلمي سورينام تسهم أيضًا في الانطوائية الدينية التي تتسم بها البلاد، فالهنود لديهم مساجدهم الخاصة التي تختلف عن مساجد مسلمي إندونيسيا، ولذوي الأصول الأفريقية مساجد تختلف عن تلك التي يصلي فيها الهنود والإندونيسيون، وهكذا.


سورينام.. طريق «داعش»

·      الفساد السياسي

تفاوضت «سورينام» كثيرًا حتى استطاعت أن تحصل على استقلالها كاملًا من هولندا، وكان ذلك في 25 نوفمبر عام 1975، إلا أنها لم تنعم طويلًا بالاستقرار السياسي.


فبعد خمسة أعوام من إعلانها دولة مستقلة ذات سيادة تنازع سياسيوها حول الحكم، فأطاح ديسي بوتيرسي «Desi Bouterse» الذي يعتلي حاليًا رئاسة سورينام، بالسلطة الحاكمة آنذاك، ليفرض بعدها الأحكام العرفية ويقمع الإعلام ويعدم معارضيه.


ونتيجة لذلك امتنعت هولندا وغيرها من الدول عن تقديم المساعدات الاقتصادية للبلاد، ما أسهم في هروب الاستثمار الأجنبي والضعف المالي للمجتمع.


ولا يتوقف الفساد السلطوي لبوتيرسي عند هذه النقطة، بل تقاضيه محكمة هولندية بتهمة القتل فيما عرف إعلاميًا بـ«أحداث قتل ديسمبر» وهي قضية تعود إلى عام 1982 عندما قام الرئيس الحالي بجمع معارضيه من السياسيين والإعلاميين لإعتقالهم في إحدى القلاع وهي قلعة «Fort Zelandia» ومن ثم إعدامهم بالرصاص، ولكن بوتيرسي لم يمثل بعد لعدالة المحكمة.


وبالطبع تناقش العديد من الدراسات السياسية علاقة التأثير والتأثر التي تجمع بين الفساد والصراعات السياسية وخلق بؤر الإرهاب، ومنها دراسة قدمها برنامج المساعدات الأمريكية «USAID» عن الفساد في «سورينام».


فذكرت الورقة البحثية أن «سورينام» أكثر عرضة للفساد من غيرها من الدول اللاتينية الأخرى، فالخصائص التي تتسم بها النظم المؤسسية توفر بيئة مواتية للفساد، إلى جانب إنعدام المساءلة والرقابة العامة، كما أشار البحث إلى خطورة ذلك الفساد على جلب التوترات والعنف للمنطقة؛ خاصة مع انتشار منظمات الجريمة والمخدرات.


سورينام.. طريق «داعش»

·      استغلال حزب الله

وكالعادة لن يترك حزب الله- الميليشيا العسكرية لإيران- المسرح السورينامي فارغًا دون دور يلعبه في ظل تلك الفوضى، خاصة مع البيئة المواتية للفساد، بالإضافة إلى الانتشار الواسع للحزب داخل أمريكا اللاتينية مستغلًا عصابات الجريمة المنظمة والاتجار بالمخدرات.


ولكن العلاقة بين حزب الله و«سورينام» مختلفة بعض الشيء، فالدول الأخرى تمارس التعاون مع التنظيم من خلال قنوات متعددة يعتريها الخفاء والخبث واللامسؤولية بينما في حالة «سورينام» فالتعاون تم على مستوى القيادة.


وهي التهمة التي اعتقل من أجلها «دينو» ابن الرئيس بوتيرسي أثناء زيارته الولايات المتحدة وخلال جلسات المحاكمة اعترف دينو بعلاقاته مع قيادات حزب الله اللبناني، كما أنه أسهم من خلال قيادته في الفترة من فبراير إلى أغسطس 2013 لوحدة مكافحة الإرهاب (السورينامية) في تكوين قاعدة لحزب الله في البلاد تكون منصتها بأمريكا الجنوبية.


علاوة على ذلك، قدمت التقارير الأمنية عددًا من الأدلة  تفيد تورط ابن الرئيس في تجارة المخدرات مع العصابات المكسيكية، إلى جانب لقاءاته المتكررة بعناصر حزب الله في اليونان التي تشهد انتشارًا إيرانيًّا مريبًا.


للمزيد: نقاط تكشف الأطماع الإيرانية باليونان

 ونتيجة لذلك حوكم دينو ديسي بوتيرسيي في مارس عام 2015 بالسجن لمدة 16 عامًا بتهمة التعاون مع حزب الله المصنف إرهابي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية.


اقرأ أيضًا: «أمريكا اللاتينية».. الملعب الخلفي لـ«إيران وحزب الله»

اقرأ أيضًا: المنظمات المسلحة تمهد الطريق للراديكالية بـ«كولومبيا»

"