يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

القاعدة وأمريكا.. من نجح في توظيف الآخر؟

الثلاثاء 18/سبتمبر/2018 - 06:18 م
القاعدة
القاعدة
أحمد الشوربجي
طباعة

جدل بين الباحثين والراصدين لحركة سير الجماعات الإرهابية، حول فكرة استخدام وتوظيف الدول بصفة عامة، والكبرى منها بصفة خاصة لهذه التنظيمات، فألاعيب السياسة الكثيرة، ودروبها الملتوية، تجعل الحق باطلًا، والصواب خطأ، ومسار الحقيقة يحتاج لجهد كبير للوصول إليه.


وفي شهر الذكرى السابعة عشرة لأحداث 11 سبتمبر، ومن خلال أدبيات وأطروحات التنظيمات الأصولية التي خرجت للعلن، وفي القلب منها تنظيم «القاعدة»، إضافة لسير الأحداث ما زال الجدل مستمرًا حول من استخدم مَنْ في هذه الحالة؟ هل الأمريكان وظفوا القاعدة واستخدموها، أم العكس؟



أيمن الظواهري
أيمن الظواهري

بداية ظهور الأصوليين


توظيف الجماعات الأصوليَّة واستخدامها له تاريخٌ طويلٌ، وكما كانت بداية زعيم تنظيم القاعدة الحالي «أيمن الظواهري» وجماعة «الجهاد» المكون الرئيسي في التنظيم ذاته من مصر، كانت أيضًا بداية الاستخدام والتوظيف أيضًا من مصر، بداية من ظهور جماعة الإخوان عام 1928، وحتى ثورة يوليو عام 1952، التي استخدم فيها ضباط التنظيم الأحرار «جمال عبدالناصر ورفاقه» جماعة الإخوان كظهير شعبى لهم، حسبما ذكرت العديد من المصادر، لينتهى هذا التحالف بالتخطيط لاغتيال «عبدالناصر» ومجلس قيادة الثورة؛ بهدف الانقلاب على نظام الحكم عام 1965، حسبما أفاد القيادى الإخوانى «علي عشماوي» في مذكراته.


شهدت أيضًا حقبة سبعينيات القرن الماضي في مصر تصاعد وتنامي التيار اليساري بأطيافه كافة؛ والذي استطاع أن يشكل ضغطًا وجبهة قوية ضد النظام المصري، هنا قرر محمد أنور السادات، الرئيس المصري آنذاك، توظيف الجماعات الأصوليَّة المتشددة لضرب اليسار المصري المعارض، والتخلص منه، حسبما أفاد اللواء «حسن أبو باشا» في مذكراته، التي لم ينفرد فيها بهذا الرأي، بل أكد ما أجمع عليه كل من كان قريبًا من دوائر صنع القرار في ذلك الوقت.


يقول اللواء «أبو باشا»: كانت الخطوة الأولى التي اتخذها الرئيس السادات تحت تأثير «وهم» لعبة التوازنات السياسية، هي إخراج بقايا جماعة الإخوان من السجون بعدما كادت أن تنتهى تمامًا، مطلقًا لها حرية الحركة والدعوة لمبادئها في الشارع المصري، كما ساهم في إنشاء وتشجيع وانشطار جماعات وتنظيمات أخرى.


نجح التيار الأصولي في مهمته، فسَحْقِ اليساريين وهزم مبادئِهم في الشارع المصري، بدايةً من الجامعات والمدارس، انتهاءً بالمدن والقرى، لكنه تحول لجسد عملاق ضخم يصعب السيطرة عليه، ولم يكن في مخيلة «السادات» عندما فتح الباب على مصراعيه لذلك التيار، أن يتصاعد بتشكيلاته وحركته ابتداء، وأنه كان يعطيه السلاح الذي اغتاله به بعد ذلك بتسع سنوات، حسبما ذكر «أبو باشا».


أمريكا وتوظيف الأصوليين


عام 1979 لعبت الولايات المتحدة الأمريكية الدور ذاته «توظيف واستخدام الأصوليين»؛ لتحقيق مآربها بضرب توسع الاتحاد السوفييتى آنذاك، ومحاولة إيقاف نفوذه بعدما دخلت القوات السوفييتية إلى أفغانستان، الأمر الذي يمكن موسكو من الوصول إلى «المياه الدافئة» في بحر العرب، عبر الأراضي الباكستانية، وما يمكن أن يشكله هذا الوصول من تهديد لمنابع النفط في دول الخليج، حسبما ذكر «كميل الطويل» في كتابه «القاعدة وأخواتها».


وأضاف «كميل»: أعلن الإسلاميون في أفغانستان الجهاد ضد الغزو الروسي لبلادهم، وكانت البداية بطيئة لكنها سرعان ما انطلقت بصورة أكبر بعدما التقت مصالح «المجاهدون الأفغان» الرامية لتحرير بلادهم، مع مصلحة الولايات المتحدة الأمريكية، التي تدخلت بقوة ودعمتهم بالمال والسلاح عن طريق جهاز الاستخبارات الباكستانية، إضافة لتشجيع وحض العديد من الدول العربية على تمويل الأفغان وإرسال متطوعين للمشاركة في الجهاد الأفغاني.         


ظهور «القاعدة»


ظهر مؤسس تنظيم القاعدة «أسامة بن لادن»، حسبما أفاد «كميل الطويل» في أفغانستان عام 1984، حينما أسس مع «عبدالله عزام» -فلسطيني الجنسية وأحد أعضاء جماعة الإخوان- ما يسمى بـ«مكتب خدمات المجاهدين»، الذي كان مهمته الإشراف على عملية إلحاق العرب الراغبين فى الانضمام لكتائب الجهاد الأفغانية.


كانت السلطات المصرية ترى ساحة الجهاد الأفغانية وسيلةً للتخلص من شغب أفراد هذا التيار المزعج، وتفريغًا لطاقة جسده الضخم، وسيرًا في ركاب السياسة الأمريكية، فشجعت وسهلت السفر لأفغانستان، حسبما أفاد الباحث المتخصص في شؤون الحركات الإرهابية «سامح عيد».


بعد انتهاء الحرب الأفغانية وخروج الروس عام 1989، التف قادة تنظيم الجهاد المصري آنذاك، وعلى رأسهم (أبوالفضل) «سيد إمام»، و«أيمن الظواهري» و(أبوحفص المصري) «محمد عاطف»، و(أبوعبيدة البنشيري) «علي أمين عاطف»، و(أبوالفرج اليمني) «محمد شرف»، مع «أبومصعب السوري» وآخرين، حول «أسامة بن لادن»؛ لتكوين «قاعدة الجهاد».

القاعدة
القاعدة

خطة «القاعدة» التي لم تكتمل


بدأت عمليات القاعدة ضد أمريكا مبكرًا، ففي عام 1990، قُتل الحاخام «مائير كاهانا» على يد أحد أفراد تنظيم القاعدة، ثم توالت الأحداث بتفجيرات «عدن» عام 1992، ثم ضُرِبَ مركز التجارة العالمي في نيويورك عام 1993.


استطاع الباحث «فؤاد حسين»، في وقت مبكر، أن يحصل على خطة تنظيم القاعدة لـ«20 عامًا»، بدأت منذ عام 2000 التي ضمنها في كتابه «الزرقاوي؛ الجيل الثاني للقاعدة» والذي صدر عام 2005، وهي خطة تُعد كاشفة لما نحن بصدده، وهي مكونة من 7 مراحل، حسبما أفاد الباحث في كتابه.


المرحلة الأولى.. «مرحلة الإفاقة» (من 2000 إلى 2003)

وتهدف إلى «إعادة الأمة لليقظة» من خلال استدراج أمريكا لحرب بعيدة عن أراضيها من خلال «تسديد ضربة قوية لرأس الأفعى- حسب زعمهم - في نيويورك، كي تفقد صوابها، وتقوم بردات فعل تتوج القاعدة قائدًا للأمة».


حدثت بالفعل هذه الضربة في الحادي عشر من سبتمبر، وهي العملية التي تبنتها القاعدة، التي ما زال الكثيرون يتساءلون عن كيفية تنفيذ التنظيم هذه العملية، ويشككون بمنتهى الوضوح في إمكانية قيامه بها، حتى إن مجموعة من الأكاديميين والباحثين الأمريكيين، بلغ عددهم 11 باحثًا شاركوا في كتاب بعنوان «الحادي عشر من سبتمبر والإمبراطورية الأمريكية» يضع الكثير من علامات الاستفهام حول إمكانية تنفيذ التنظيم هذه العملية.


يقول «ديفيد راي جريفين» و«بيتر ديل سكوت»، محررا الكتاب: إن الباحثين توصلوا إلى أدلة تفند الرواية الرسمية بشأن المسؤول النهائي عن تلك الهجمات، التي أصبحت بمثابة الأساس المنطقي وراء ما يقال إنها حرب عالمية على الإرهاب استهدفت حتى الآن كلا من أفغانستان والعراق.


وفي الكتاب نفسه يقول «مورغان رينولدز»، الأستاذ بجامعة تكساس، العضو السابق بإدارة الرئيس الأمريكي «جورج بوش»: إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت عملية زائفة وأكذوبة كبيرة لها علاقة بمشروع الحكومة الأمريكية للهيمنة على العالم.



لكن الحقيقة أن العالم كله رأى «بن لادن»، ومن بعده قادة التنظيم يتفاخرون بهذه العملية، ويحتفلون بذكراها كل عام، وهنا يقول القانوني «ريتشارد فولك» رئيس مؤسسة «سلام العصر النووي» في الكتاب نفسه: إن إدارة «بوش» يحتمل أن تكون إما سمحت بحدوث هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وإما تآمرت لتنفيذها لتسهيل ذلك المشروع.  


                                                   

المرحلة الثانية.. «مرحلة فتح العيون» (من 2003 إلى 2006)

وهي المرحلة التي يستهدف التنظيم فيها أن يتحول من منظمة إلى حركة أكثر تأثيرًا من خلال انتشار أفرع متعددة للتنظيم في البلدان الإسلامية كافة، على أن تكون العراق هي مركز الإعداد والتدريب على الجهاد وإخراج الكوادر الميدانية المستقبلية.



المرحلة الثالثة.. «النهوض والوقوف على القدمين» (من 2007 إلى 2010)

وهي المرحلة التي ستحدث فيها نقلة نوعية مهمة من خلال عملية التغيير في بعض المناطق المحيطة بالعراق، وتحديدًا بلاد الشام، إذ تشير الخطط التي تهدف لإعادة تشكيل المنطقة إلى أنه ستجرى عملية تقسيم لكل من «سوريا ولبنان والأردن» إلى دويلات على أساس طائفي، ومن ثم تكون هذه فرصة للوجود القوى، كما أن هناك نبوءات تشير لحصار الشام بعد العراق.


المرحلة الرابعة.. «استعادة العافية وامتلاك القوة القادرة على التغيير» (من 2010 إلى 2013)

وهي المرحلة التي توقع التنظيم فيها سقوط بعض الأنظمة العربية، ومن ثم يستعد للمرحلة الأهم، وهي مرحلة قيام دولته.


يقول الباحث المتخصص فى الحركات الأصولية المتطرفة «طارق أبوالسعد»، عن هذه المرحلة التي أُعلنت في وقت مبكر، إن حقيقتها ستكون واضحة حينما نضعها في سياق واحد مع الوثيقة السرية التي أعلن عنها «دوجلاس فايث» مساعد وزير الدفاع السابق ضمن كتابه «الحرب والقرار»، وهي عبارة عن مذكرة مرسلة من وزير الدفاع «دونالد رامسفيلد» إلى الرئيس «جورج بوش»، يدعو فيها الرئيس لعدم التركيز بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر على التخلص من تنظيم القاعدة، وإنما على إسقاط بعض الأنظمة القائمة في المنطقة، وتغييرها بأنظمة أخرى جديدة.


وأضاف «أبوالسعد» أن الوثيقة أكدت للرئيس «بوش» أن المؤسسة العسكرية الأمريكية ليست مهمتها الأولى محاربة الإرهاب، وإنما تدمير القدرات العسكرية لبعض الدول وإضعافها، فهنا «القاعدة»، تعلن في هذه المرحلة أنها مرحلة سقوط بعض الأنظمة، والوثيقة أيضًا تتبنى ذات الهدف وتنص عليه صراحة؛ ليكون طرح السؤال مَنْ يستخدم مَنْ؟ ومَنْ يوظف مَنْ طرحًا منطقيًّا؟ ونستطيع على الأقل أن نقرر أن الإدارة الأمريكية توظف خطط هذه التيارات الأصولية لتحقيق أغراضها.


المرحلة الخامسة.. «إعلان الدولة» من (2013 إلى 2016)

وهي المرحلة التى ستشهد قيام دولة الخلافة، وهنا يطرح الباحث المتخصص في شؤون الجماعات الأصولية «سامح عيد»، ما معنى أن تعلن هذه الاستراتيجية للتنظيم عام 2005، على مرأى ومسمع من العالم كله، ثم تتحقق بالفعل والجميع يشهد على تتابع خطواتها واحدة بعد الأخرى، ففي عام 2003 ظهر التنظيم لأول مرة في العراق تحت اسم «التوحيد والجهاد»، بقيادة أبي مصعب الزرقاوي.


وتابع «عيد»، ثم في عام  2004 بايع «الزرقاوي» «بن لادن»، وغير اسم التنظيم إلى «قاعدة الجهاد ببلاد الرافدين»، ثم بعد الاندماج مع عدة تنظيمات محلية تحول الاسم إلى «مجلس شورى المجاهدين» عام 2006، بقيادة أبي مصعب السوري، الذي قُتل في العام ذاته، وتولى «أبوعمر البغدادي».


ثم تغير الاسم مرة أخرى لـ«دولة العراق الإسلامية»، بعد عدة اندماجات أخرى، ثم «الدولة الإسلامية بالعراق والشام» المعروفة اختصارًا بـ«داعش»، وتولى «أبوبكر البغدادي قيادة التنظيم، ليعلن دولة الخلافة عام 2014، تحت سمع وبصر القوات الأمريكية، التي كانت موجودة وترى تقدم التنظيم فى معاركه، فأين كانت الأقمار الصناعية حين انتقال الأرتال العسكرية الداعشية وعبورها للحدود السورية وتحركها داخل الأراضي العراقية؟


وفي ذات الصدد، طرحت بعض التقارير الصحفية ذات الاستشكال، خاصة بعدما كشف عدد من وسائل الإعلام الأمريكية، عن اجتماع سري جرى بين السيناتور الأمريكي «جون ماكين» و«أبوبكر البغدادي»، إضافة إلى عدد من قيادات «داعش» في يونيو 2013 في سوريا، وزيارته لمدينة بنغازي الليبية، واجتماعه مع قيادات تنظيم «أنصار الشريعة»، الذين أعلنوا بعد ذلك انضمامهم لـ«داعش».


المرحلة السادسة.. «المواجهة الشاملة» (من 2016 إلى 2020)
وهي المرحلة التي ستكون فيها المواجهة بين فسطاطي «الإيمان والكفر» بعد إعلان قيام ما يسمى بـ«الخلافة الإسلاميَّة»، لتأتي المرحلة السابعة والأخيرة، وهي مرحلة الانتصار النهائي، تلك هي الخطة التي ظهرت مبكرًا، وتحققت منها أجزاء كثيرة؛ لتترك سؤالًا ما زال حائرًا خاصة بين «القاعدة» والدول الكبرى، من يستخدم ويوظف الآخر؟
"