يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

4 آليات لمكافحة الإرهاب في عصر المحدودية الاقتصادية

الخميس 30/أغسطس/2018 - 02:14 م
 الإرهاب
الإرهاب
محمود رشدي
طباعة
منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، كرست الولايات المتحدة مجهودًا عسكريًّا كبيرًا لمكافحة الإرهاب، ومنع تكرار هذه المأساة على أراضيها مرة أخرى، وقضى الجيش الأمريكي 17 عامًا في مطاردة الإرهابيين، وطوَّرَ الأجهزة الاستخباراتية والمعلوماتية من أجل تحسين آلية الضربات الاستباقية التي سنَّها «جورج بوش» الابن، الرئيس الأمريكي الأسبق، لضرب معاقل الإرهاب قبل وصوله للولايات المتحدة. 


4 آليات لمكافحة الإرهاب

وبلغ الإنفاق العسكري الأمريكي، فيما يُسمى بـ«الحرب على الإرهاب في أفغانستان»، في 2011، ما يقرب من 122 مليار دولار[1]. ومن ناحية أوروبا، فقد صرح يانس ستولتنبرغ، الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، بأنه من المتوقع أن ينفق الحلف 266 مليار دولار إضافية على ميزانية الدفاع تبدأ من الآن وحتى عام 2024.

 

ورغم كل تلك المجهودات العسكرية والمعلوماتية، فإن التنظيمات الإرهابية أصبحت أكثر مرونة وأكثر انتشارًا، وعلاوةً على ذلك، جاءت الأزمة العالمية لعام 2008 لتلزم الحكومات الغربية على ترشيد استهلاكها، واتباع إجراءات أكثر تقشفية. لذا بحثت الدول على سبل أخرى أقل تكلفة لتغطية احتياجاتها وتطلعاتها القومية، بجانب تحسين قدراتها الأمنية مع صمود الجماعات الإرهابية.

 

وفيما يلي، ترصد الدراسة، التي ينشرها «المرجع»، 4 استراتيجيات فعالة وأقل تكلفة، يمكن للدول أن تستفيد بها، في ظل الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالعالم أجمع، منها:

 

دعم منظمات المجتمع المدنى:

تقوم بعض منظمات المجتمع المدني بالكثير من النقاشات وورش العمل حول المواطنة والولاء المجتمعي، والتي يُمثل غالبية حاضريها قطاع الشباب، وهم نفس الفئة التي تحاول التنظيمات الإرهابية استقطابهم بشتى الطرق، إما عبر وسائل التواصل الاجتماعي -الواقع الافتراضي الأكثر ارتياحًا لغالبية الفئة الشبابية- وإما ملء الفراغ الذي تسببه سلبيات المجتمع الحالي من التهميش والإهمال والبطالة، وإما السياسات السلبية التي يتعرض لها المهاجرون، كلها أسباب ترتكز عليها أجندات التنظيمات الإرهابية لاستقطاب العناصر، وتهملها الحكومات خلال تجفيف منابع التطرف.

 

وعليه، فلابد أن توكل تلك المهمة لمنظمات المجتمع المدني لمواجهة العوامل المجتمعية التي تدفع الأفراد إلى التطرف، هذا بجانب المنح التي تقدمها هذه المنظمات للشباب، والتي تُمثل بيئة حاضنة قومية للشباب، وتشجعهم على البحث لإيجاد أدوار إيجابية للفرد داخل المجتمع الذي يعيش فيه، إضافة إلى ملء الفراغ الذي تستغله التنظيمات الإرهابية في استقطاب عناصرها.

 

وعلى سبيل المثال، نفذ مكتب المبادرات الانتقالية، التابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية[USAID) (2)، برنامجًا تجريبيًّا بين عامي 2007 إلى 2012، يهدف إلى مواجهة العوامل الدافعة للتطرف في كينيا، وقدم هذا البرنامج منحًا صغيرة لمنظمات المجتمع المدني للتدريب على المعيشة، والأحداث الثقافية، والمناقشات المجتمعية حول القضايا الحساسة.


 وعند تقييم تكلفة البرنامج في نهاية التجربة، وجدت أدلة تشير إلى أن البرنامج حقق تأثيرًا إيجابيًّا في إبعاد بعض الأفراد عن اتباع المسار المتطرف العنيف، على الرغم من أن المقيمين وجدوا مناطق لتحسين تنفيذ البرنامج.(3).

 

 داعش
داعش

  خلق بدائل للروايات الإرهابية:

من أكثر الآليات التي استخدمها تنظيم داعش لاستقطاب العناصر، هي الأداة الإعلامية التي سعى من خلالها لتوجيه رسائله للمؤيدين المحتملين والمتعاطفين. فكم من الحسابات التي أنشأها «داعش» على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى رأسها «تويتر»، والمجلات الدورية الشهرية، والأفكار الزائفة، التي امتلأت بها مواقع الانترنت، والتي ركزت معظمها على أدوار أكثر فعالية لقطاع الشباب والمرأة، بجانب روايات المظلومية التي يتعرض لها المسلمين سواء داخل الدول الأوروبية أو حتى في بلدانهم الأصلية[4].

 

وقد تكرست المجهودات الأمنية في إزالة مثل تلك الحسابات والروايات الإرهابية، مع أنها لاقت استحسانًا عند الكثير من الأفراد حول العالم، ولم تفكر الدول في إيجاد قنوات أخرى للرد على تلك الروايات، لذا أدت مقاومتها السلبية- إزالة المحتوى الإرهابي فقط- إلى الفشل في منع استقطاب «داعش» لعدد كبير من الأفراد حول العالم، وتجدر الإشارة هنا إلى أن التنظيم الإرهابي جند مواطنين من أكثر من 80 دولة [5].

 

وهذا ما تناوله قرار مجلس الأمن 2354 (2017)، الذي تم تبنيه بالإجماع، والذي نص على أن «العديد من الدول والخبراء في مجال مكافحة الإرهاب يركزون جل اهتمامهم على مواجهة الروايات الإرهابية بالحذف والإزالة، وتلك الوسيلة ليس من المرجح نجاحها، ولذا فلابد أن نعرض روايات بديلة أو إيجابية، خاصة عندما يسعى الإرهابيون إلى استغلال المظالم الحقيقية».

 

وعلى سبيل المثال، دعمت السفارة الأمريكية في أبوجا -عاصمة نيجيريا- جهود مؤسسة تسمى «Equal Access International» لإنشاء برنامجًا إذاعيًا لمواجهة أيديولوجية «بوكو حرام» ورواياتها المحلية، وأظهر الاستبيان، الذي أجرته الشركة، تأثير البرنامج على سلوكهم حول قضايا اللاعنف، وأشار إلى أن حوالي 90% من المشاركين شهدوا تغييرًا إيجابيًّا في سلوكهم. 


وتجدر الإشارة هنا إلى أن مثل هذا البرنامج قد وصل لحوالي 80% من سكان ولايات نيجيريا الشمالية -18 ولاية- التي تقوى بها جماعة بوكو حرام، ولم يتكلف وصوله لكل فرد دولارًا واحدًا[6].


 القرصنة
القرصنة

تطوير آليات مكافحة القرصنة الإلكترونية:

ونظرًا للثورة المعلوماتية على شبكات الإنترنت، وبروز تهديد ما يُسمى بـ«القرصنة الإلكترونية»، والتي باتت تهدد اقتصادات دول عظمى، وحسبما أشارت مجلة فورتشن ((Fortune، فإن حوالي 97% من الـ 500 شركة الأولى في الولايات المتحدة الأمريكية تعرضت لاختراقات إلكترونية[7]، ولأنه عالم افتراضي يصعب التتبع الأمنى عليه، ولا يحتاج لمزيد من مصادر التمويل الضخمة، خاصة بعدما خسرت التنظيمات الإرهابية حروبها على أرض الواقع ضد الضربات العسكرية للقوات الدولية، لجأ الإرهابيون للواقع الافتراضي ليثبت لمؤيديه أنه على قيد الحياة وفي طور الإحياء والبعث من جديد، بجانب البحث عن أهداف أخرى ملائمة لبيئة العمل الجديدة، لذا يعمل الإرهابيون على استخدام برامج مشفرة للتحايل على جمع المعلومات الاستخبارية وتعطيل القطاع الخاص.

 

ومن ناحية أخرى، لم تطور الحكومة الدولية استراتيجيات واضحة وموحدة لمكافحة الإرهاب منذ إنشاء أول استراتيجية لمجابهة القرصنة الإلكترونية عام 2007[8]، وعلى الرغم من وجود شراكات -ما بين القطاعين العام والخاص- في الدول الغربية لإيجاد سبل إلكترونية أكثر حماية لمواقعها الإلكترونية وقاعدة البيانات الخاصة بها، إلا أن الحكومات تحتاج لوضع استراتيجية موحدة لمواجهة القرصنة الإلكترونية، بدلًا من التصرف الفردي لكل وكالة أو مؤسسة على حدة.

 

وعلى سبيل المثال، شاركت منظمة «Tech Against Terror» أكثر من 150 شركة، وأطلقت منصة لتبادل المعرفة وشبكة لعلوم البيانات لتطوير ومشاركة الأدوات لمساعدة منصات التكنولوجيا الصغيرة على حماية نفسها من الاستغلال الإرهابي [9.]

 

الحوكمة الاجتماعية:

تعني الحوكمة وجود نظم تحكم العلاقات بين الأطراف الأساسية في مؤسسة ما أو دولة ما بهدف تحقيق الشفافية والعدالة ومكافحة الفساد ومنح حق المساءلة للسلطات المعنية (السلطة التشريعية) لحماية الأفراد، والتأكيد على تحقق الأهداف والاستراتيجيات المبتغاة، التي تستهدف حماية حقوق الإنسان ورعاية الحكم الرشيد[10].

 

لذا ينبغي مراعاة حقوق الإنسان ودعم سياسات الحكم الرشيد، فمن أكبر الأخطاء التي تقع بها الحكومات الشمولية أو غير الديمقراطية، استخدام ورقة الإرهاب لقمع المعارضة. وفي دراسة إمبريقية (المذهب التجريبي)، والتي خلصت إلى أن هناك تسعة أنواع من القمع في المجتمعات المحلية، وعلى رأسها قمع المعارضة، تزيد من حجم الإرهاب الداخلي [11].

 

وقد أفادت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بأن تدابير القمع ضد الإرهاب قد استُخدمت لتقييد أصوات المدافعين عن حقوق الإنسان من الأقليات وجماعات السكان الأصليين والمجتمع المدني. فعلى سبيل المثال أدت تدابير القمع في الصين ضد مسلمي الإيجور، بإقليم شينجيانغ، إلى بروز طائفة من الإرهابيين التي اتخذت طريق العنف والعمل المسلح ضد باقي السكان والحكومة المركزية في بكين، بالإضافة إلى وجود مقاتلي الإيجور داخل الحرب الأهلية السورية، والتي ساعدت في اكسابهم الخبرات القتالية والتهديد بالعودة إلى بلادهم لتثبيت أركان الخلافة المزعومة بالإقليم نفسه.

 

وفي الوقت ذاته، من المهم للحكومات المحلية ذات المصداقية أن تمسح المناطق التي عانت إرهابًا من الأفكار المتطرفة والتنظيمات العنيفة، وأن تعيد الخدمات المحلية الأساسية، والتي يتم استغلالها من قبل الجماعات المتطرفة في كسب تأييد المجتمع المحلي، ومنها ما يحدث في سوريا في الفترة الراهنة، إذ يعمد حزب الله ومعه تنظيم داعش على توفير الخدمات الأساسية للمواطنين.

 

ووفقًا لما جاء في مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز، قال آدم ميتشل، القائم بأعمال مساعد وزير الدفاع لشؤون العمليات الخاصة الأمريكية: «لتحقيق نتائج دائمة، يجب أن نضمن أن نجاحاتنا في ساحة المعركة تكمل من خلال جهود استقرار الموارد بعد الصراع، هذه الجهود، التي تقودها بشكل أساسي وزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، مهمة للغاية لتعزيز المكاسب العسكرية ومنع المنظمات الإرهابية من إعادة تأسيس نفسها»[12].


4 آليات لمكافحة الإرهاب

خاتمة:

إن التركيز على تفعيل أنشطة المجتمع المدني ودوره، والحكم الرشيد، وكفالة حقوق الإنسان، وتوفير السلع الأساسية للمواطنين، يُمكن أن يوفر وسائل قليلة التكلفة وفعالة لخفض التهديد الإرهابي، ما يقلل من الحاجة إلى خيارات حركية أكثر تكلفة، إضافة لتطوير آليات المكافحة الإلكترونية، التي ترتكز عليها التنظيمات الإرهابية فى وقت انحدارها، وهو ما تمثله المرحلة الحالية من تنظيم داعش.

 

___________________________________________________________

 

[1] Todd Harrison et al.، “Estimating the Cost of Operations Against ISIL،” Center for Strategic and Budgetary Assessments Briefs، September 29، 2014، https:csbaonline.orgresearchpublicationsestimating-the-cost-of-operations-against-isilpublication.

[2] هي وكالة تابعة لحكومة الولايات المتحدة الفيدرالية وهي مسؤولة في المقام الأول عن إدارة المساعدات الخارجية المقدمة للمدنيين.

[3] U.S. Agency for International Development (USAID)، “Kenya Transition Initiative،” https:www.land-links.orgprojectkenya-transition-initiative

[4] وليد عبد الرحمن، «الإسلاموفوبيا».. جائزة المتطرفين الكبرى في حربهم الآثمة، جريدة الشرق الأوسط، متوفر على الرابط التالي https:aawsat.comhomearticle624566%C2%AB%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85

[5] داعش» يضم مقاتلين من 81 جنسية حول العالم، جريدة الشرق الاوسط، متوفر علي الرابط التالي https:aawsat.comhomearticle172201

[6] Kyle Dietrich، The Way Forward: Assessing the Impact of the “White Dove” CVE Radio Project in Northern Nigeria، Research and Evaluation Report for Radio Project associated to Equal access international foundation، available on http:www.equalaccess.orgwp-contentuploadsEAI-NG-White-Dove-Endline-Assessment-FINAL.pdf

[7] بيتر وارن، الأمن الإلكتروني والحرب الإلكترونية، كلية الدراسات العليا، جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير في الترجمة، متوفر على الرابط التالي http:repository.sustech.edubitstreamhandle12345678914861%D8%AA%D8%B1%D8%AC%D9%85%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%81%D8%AD%D8%A7%D8%AA%20%281-66.pdf?sequence=1&isAllowed=y

[8] Sarah Bast، Counterterrorism in an Era of More Limited Resources، Center for strategies and international studies، available on https:www.csis.organalysiscounterterrorism-era-more-limited-resources

[9] Tech Against Terrorism، Global Internet Forum to Counter Terrorism، Agust 2018، available on https:www.techagainstterrorism.orgeventtech-against-terrorism-gifct-middle-east-launch

[10] أساسيات الحكومة: مصطلحات ومفاهيم، مركز أبو ظبي للحوكمة، متوفر على الرابط التالي http:www.adccg.aePublicationsDoc-30-7-2013-12729.pdf

[11] Human Rights، Terrorism and Counter-terrorism، Office of the UN High Commissioners for Human Rights، available on https:www.ohchr.orgDocumentsPublicationsFactsheet32EN.pdf

[12] Ranji Alaaldin، “How Iran Used the Hezbollah Model to Dominate Iraq and Syria،” New York Times، March 30، 2018، https:www.nytimes.com20180330opinioniran-hezbollah-iraq-syria.html.

"