يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

الأزمات الإنسانية.. سلاح «بوكوحرام» الجديد للتمدد في غرب أفريقيا

الأحد 29/يوليه/2018 - 05:42 م
المرجع
محمد الدابولي
طباعة
تعاني مناطق التوتر في دول غرب أفريقيا من أزمات إنسانية متفاقمة ومتداخلة؛ الأمر الذي قد يفتح الباب من جديد لاستعادة تنظيم «بوكوحرام» توازنه من جديد، بعدما تعرض أخيرًا لهزات كبيرة، أبرزها الانقسام والانشقاق الذي تعرض له في 2016، فضلًا عن الضربات الأمنية والعسكرية التي يتعرض لها التنظيم الإرهابي منذ عام 2015، والتي حَدَّت بشكل كبير من قدراته على إنشاء امتداد لــ«داعش» في غرب أفريقيا.

وتعاني منطقة «حوض بحيرة تشاد» منذ عام 2009 من تصاعد وتيرة العمليات الإرهابية في شمال نيجيريا؛ نتيجة صعود تنظيم «بوكوحرام» بعد مقتل مؤسسها «محمد يوسف».

وفي مارس 2015 شهدت المنطقة تعاظم التهديدات الإرهابية، بعدما قامت «بوكوحرام» بمبايعة تنظيم «داعش» تحت مسمى ولاية غرب أفريقيا؛ ما استدعى تدخلًا إقليميًّا من دول غرب أفريقيا لمواجهة خطر «بوكوحرام».

وسبق إعلان «بوكوحرام» تبعيتها لتنظيم «داعش» قيامها بتوسيع نطاق عملياتها الجغرافية لتشمل دول غرب أفريقيا المطلة على «بحيرة تشاد»، بعدما كان نطاقها محصورًا في ولايات شمال نيجيريا المسلمة مثل «برنو»، ففي يناير 2015 شن التنظيم هجمات دموية في شمال الكاميرون، فضلًا عن اختطاف العشرات، وفي فبراير من العام ذاته هاجم مسلحو الحركة قرية «دابوا» التشادية مخلفين 18 قتيلًا على الأقل.

وفي خضم صعود «بوكوحرام» الدموي وجهود دول غرب أفريقيا في مواجهة التنظيم الإرهابي، عانى السكان المحليون في شمال نيجيريا وبحيرة تشاد، العديد من الأزمات الإنسانية، سواء كانت بسبب الهجمات الإرهابية للتنظيم، أو بسبب الإجراءات الأمنية المعقدة التي اتخذتها تلك الدول لمحاربة التنظيم.


.
الأزمات الإنسانية..
قيود اقتصادية وأزمات إنسانية
في تقرير نشره معهد الدراسات الأمنية INSTITUTE SECURITY STUDIES (ISS) في بريتوريا بجنوب أفريقيا أكد أن التهديدات الإرهابية المستمرة، دفعت كلًّا من نيجيريا وتشاد والنيجر والكاميرون لفرض العديد من القيود الأمنية والاقتصادية، في المناطق التي تشهد نشاطًا لتنظيم «بوكوحرام». 

ويشير (ISS) إلى أن الهدف الظاهر من تلك القيود، توفير الحماية للسكان المدنيين، إلا أنه في الحقيقة تؤثر تلك القيود بالسلب على المدنيين، خاصةً أنها متعلقة بسبل العيش والحياة اليومية، مثل حظر استخدام الدراجات النارية -التي تستخدم في نقل البضائع والأشخاص- نظرًا لاستعمالها من قبل التنظيم في عمليات الاغتيال. 

وفي محاولة تضييق الخناق على المصادر التمويلية لتنظيم «بوكوحرام»، لجأت دول غرب أفريقيا لحظر تجارة بعض السلع الحيوية التي تمثل القوت اليومي للسكان المدنيين، مثل تجارة الأسماك والفلفل، وهو الأمر الذي سبب خسائر فادحة في ظل عدم تعويضهم بالبدائل أو المعونات اللازمة لبقائهم على قيد الحياة.

كما لجأت تلك الدول لحظر زراعة المحاصيل الزراعية الطويلة نسبيًّا كالذرة، حتي لا يتم استخدامها من قبل المتطرفين في التخفي عن أعين القوى الأمنية والعسكرية، كما أدت سياسة الخناق الاقتصادي على الحركة إلى تنفيذ عدد من العمليات الإرهابية ضد سكان القرى؛ من أجل الحصول على المواد الغذائية، مثلما حدث في 26 يوليو الماضي حين هاجمت الحركة قرية جاكانا التي تقع بين مدينتي «مديجوري. عاصمة ولاية برنو» ومدينة «كانو» مخلفة 45 قرويًّا قتلى؛ وذلك من أجل الحصول على المواد الغذائية؛ إذ تزامن الهجوم مع موعد السوق الأسبوعي للقرية. 

وقد لا تؤتي فلسفة فرض القيود والاقتصادية التي تفرضها دول المنطقة أكلها؛ نظرًا لأنها تُسهم بشكل كبير في زيادة الأزمة الإنسانية التي يعاني منها المدنيون في تلك المنطقة، تاركةً تأثيرات سلبية على دورهم في مكافحة الإرهاب، فمن ناحية قد لا يتعاونون بالشكل الأمثل مع القوى الأمنية والعسكرية، ومن ناحية أخرى قد ينخرطون في صفوف «بوكوحرام» وهو ما تسعى إليه الآن.

لذا ينبغي على دول «حوض بحيرة تشاد» أن تغير من فلسفة الحصار الاقتصادي المفروضة على «بوكوحرام» وتلجأ لفرض قيود ذكية متوازنة؛ بحيث ينحصر تأثيرها على العناصر المتطرفة فقط، دون غيرها من السكان المدنيين، أو حتى إيجاد بدائل اقتصادية للسكان المحليين المتضررين من محاصرة «بوكوحرام» اقتصاديًّا. 

الأزمات الإنسانية..
تفاقم أزمة اللاجئين
تسارعت أزمة اللاجئين في غرب أفريقيا على خلفية الصراع الدائر بين «بوكوحرام»، ودول المنطقة إلى ارتفاع أعداد اللاجئين في نيجيريا إلى نحو 208 آلاف لاجئ نيجيري، فضلًا عن نزوح 2.3 مليون شخص في كل من نيجيريا وتشاد والنيجر والكاميرون، منهم 1.7 مليون نازح في نيجيريا وحدها، و545 ألف نازح داخل بقية الدول، وذلك وفقًا لإحصائيات «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» «UNHCR».

إضافةً إلى معاناة اللجوء والنزوح، أكدت المفوضية أن هناك 17 مليون شخص في حوض بحيرة تشاد يعانون الجوع وسوء التغذية، فنحو 7.2 مليون شخص منهم يعانون نقصًا حادًّا في الأمن الغذائي، فيما يحتاج 10 ملايين شخص إلى مساعدات إنسانية عاجلة. 

ومن ثم تستغل الجماعات الإرهابية أزمات اللاجئين في إيجاد حواضن شعبية لها؛ لما توافره مخيمات اللاجئين من مناخ سيكولوجي واجتماعي صالح لتمدد الجماعات المتطرفة والإرهابية؛ ما دفع العديد من الدول إلى طرد اللاجئين منها مثل الكاميرون.

ولذا تحاول دول مثل الكاميرون التخلص من مخيمات اللاجئين النيجيريين بها والبالغ عددهم 87600 لاجئ، ففي أغسطس 2015 قامت الكاميرون بطرد 3 آلاف نيجيري وذلك بعد الهجمات الدموية التي تعرضت لها في ذات العام، وتكرر الأمر مرة أخرى في فبراير 2018 حينما رحلت «ياوندي» 385 مهاجرًا؛ وذلك لتخوف السلطات الكاميرونية من استغلال التنظيم لمخيمات اللاجئين في شمال البلاد؛ من أجل شن هجماته الإرهابية في الأراضي الكاميرونية.

الأزمات الإنسانية..
انقسام بوكوحرام 
في مارس 2015 بايعت بوكوحرام تنظيم «داعش»، إلا أنه سرعان ما شهد عام 2016 ردة على تلك المبايعة نتيجة خلافات تكتيكية في العمليات بين قادة التنظيم، أسفر عن انقسام، وعزل «أبوبكر شيكاو» من زعامة الجماعة، وعين «أبومصعب البرناوي» قائدًا لها، إلا أن «شيكاو» نجح في تأسيس جماعة إرهابية أخرى في المنطقة تحمل الاسم القديم لتنظيم بوكوحرام «جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد».

ويعود الخلاف التكتيكي بين جناحي «بوكوحرام» للخلاف حول مسألة الإسراف في قتل المدنيين المسلمين، فــــ«شيكاو» ينظر للمدنيين المسلمين على أنهم أعداء محتملين ينبغي القضاء عليهم، في حين يرى «البرناوي» ضرورة تركيز الهجمات على القوى الأمنية والعسكرية، وتقليل الضربات الموجهة للعناصر المدنية المسلمة، فـ«البرنانوي» ينظر إليهم كداعمين محتملين في ظل الأزمات الانسانية التي يعانون منها؛ بسبب القيود الاقتصادية التي فرضتها دول المنطقة؛ لذا يرفض سلسلة الهجمات العقابية التي يقوم بها جناح شيكاو ضدهم.

فيما أكد معهد الدراسات الأمية بجنوب أفريقيا وجود حالة استحسان من المدنيين في «حوض بحيرة تشاد» تجاه الجناح الذي يتزعمه «البرناوي»، وأنه يسعى إلى استغلال هذا الاستحسان في جذب المزيد من العناصر؛ لمواجهة قوى الأمن والجيش؛ لذا يمكن الاعتقاد بأن تكتيكات البرناوي قد تسمح للتنظيم بالبقاء فترة أطول، موجدًا بذلك حاضنةً شعبيةً له في تلك المنطقة التي ضربتها الأزمات الإنسانية والاقتصادية.

وأخيرًا.. ينبغي الإشارة إلى أن التكتيكات التي تقوم بها دول المنطقة غير فاعلة بشكل جزئي في مواجهة تنظيم «بوكوحرام»؛ حيث عملت تلك التكتيكات إلى إضعاف التنظيم دونما القضاء عليه، وهو ما يتضح في الإجراءات الأخيرة التي اتخذها الجيش النيجيري؛ حيث تمت إقالة قائد العمليات المكلف بمواجهة «بوكوحرام» «لافيا دولي» وتعيين «الميجور ديكو»، الذي يعد رابع قائد نيجيري يتولى مهمة القضاء على «بوكوحرام» خلال عام تقريبًا، وتأتي التغييرات على خلفية حادث قرية «جاكانا» الإرهابي
"