يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

حصاد ما بعد المونديال.. كيف اشتبكت السياسة بالرياضة في روسيا 2018؟!

الإثنين 16/يوليه/2018 - 10:18 م
المرجع
محمود جمال عبد العال
طباعة
زخر مونديال روسيا 2018، بالعديد من الأزمات السياسية والدبلوماسية التي تفاقمت تطوراتها مع انطلاق البطولة، وبدأت هذه الحالة المثيرة مبكرًا عندما ثار جدل خلال العامين الماضيين حول نزاهة وشفافية عملية التصويت للملفين الروسي لاستضافة نسخة 2018، والقطري لاستضافة نسخة 2022؛ حيث ظهرت العديد من ملفات الفساد لرئيس مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) «جوزيف بلاتر»، وأعضاء مجلسه، وهو ما أرغم الجميع على ترك منصبهم إثر ظهور قضايا فساد مالي وإداري.


حصاد ما بعد المونديال..
وكما بدأت حالة الصراع مبكرًا حول مونديال روسيا 2018، لم تنته، بل توسعت وتمددت آفاقها؛ حيث انعكست بيئة المجتمع الدولي وصراعاتها الإقليمية والعالمية على أجواء مونديال روسيا 2018 بدءًا من أزمات الشرق الأوسط كالأزمة الخليجية وحقوق البث التي تحتكرها قنوات «بي إن سبورتس» القطرية (Be In Sports)، والموقف من منتخب إيران الذي يواجه عقوبات دولية بسبب برنامج طهران النووي، إضافة إلى حملات مقاطعة الكيان الصهيوني التي ترتب عليها إلغاء منتخب الأرجنتين مباراته الودية مع إسرائيل في إطار المباريات الودية للاستعداد لكأس العالم.

ولم تقتصر الصراعات على إقليم الشرق الأوسط وحده بل تمددت للسياسة العالمية خاصة الدولة المضيفة للمونديال (روسيا) التي خاضت أزمات سياسية طويلة بدءًا من تدخلاتها في سوريا وأوكرانيا، مرورًا بأزمتها الدبلوماسية الكبيرة مع المملكة المتحدة على ضوء محاولات تسميم الجاسوس الروسي «سيرجي سكريبال».

في السياق ذاته، لم تنحصر حالة الصراع في مونديال روسيا 2018 على الصراع بل امتد لبروز أدوات القوة الناعمة التي تركت أثرًا كبيرًا في صحف ومجلات الرأي العام العالمي، ومنها ما هو إيجابي مثل ما ظهرت عليه رئيسة كرواتيا مع جمهور ومنتخب بلادها، وما هو سلبي مثل محاولات الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» توظيف صورته مع نجم المنتخب الألماني ذو الأصول التركية «مسعود أوزيل» في الانتخابات التشريعية والرئاسية التي شهدتها البلاد خلال الأيام السابقة، وهو ما لاقى استهجانا كبيرا من الألمان على اللاعب، إضافة إلى محاولة رئيس الشيشان رمضان قاديروف (الذي تتهمه منظمات حقوقية بانتهاك حقوق الإنسان)، تحسين صورته أمام الرأي العام العالمي بالظهور مع النجم المصري العالمي محمد صلاح.

سنحاول في هذا التقرير الخوض في تفاصيل ما وراء الساحة المستديرة بغرض تسليط الضوء على مسارات هذه القضايا ومآلاتها.


حصاد ما بعد المونديال..
النزاهة والشفافية وأزمة التصويت على مونديالي روسيا وقطر

شهد الاتحاد الدولي في منتصف العام 2015، فضائح فساد أسفرت عن استقالة رئيس الاتحاد «بلاتر»، وقامت السلطات السويسرية بتوقيف عدد من أعضاء الاتحاد بتهم فساد تتعلق باستضافة بعض الدول لبطولة كأس العالم، وكذلك تمرير صفقات تتعلق بالتسويق وحقوق البث التلفزيوني للمباريات. وشكل الاتحاد لجنة للتحقيق وتقصي الحقائق في ملابسات منح حق تنظيم مونديالي 2018، و2022 لروسيا وقطر على الترتيب(1).

أبرزت نتائج التحقيق إدانة لإنجلترا التي نافست روسيا لاستضافة مونديال 2018، واتهم التقرير إنجلترا بمحاولة شراء ذمة أعضاء الاتحاد، كما اتهم التقرير أيضًا الدوحة بالتلاعب في عملية التصويت للحصول على حق تنظيم مونديال 2022 من خلال ما عرضته لجنة التحقيق من تضخم في حسابات لأعضاء من كونجرس الفيفا الموكل له عملية التصويت. ورغم لقاء رئيس الوزراء الروسي آنذاك «فلاديمير بوتين» بنصف أعضاء الاتحاد الدولي قبيل عملية التصويت على ملف استضافة روسيا لمونديال 2018، فإن التحقيقات لم تتوصل إلى أدلة ملموسة على وجود أي انتهاكات من قبل روسيا للتأثير على عملية التصويت(2).


حصاد ما بعد المونديال..
أزمات الشرق الأوسط وانعكاساتها على مونديال روسيا 2018

طغت أزمات الشرق الأوسط على مونديال روسيا 2018، فبرزت الأزمة الخليجية الأخيرة في حالة الصراع حول حقوق بث المباريات التي تحتكرها الدوحة في منطقة الشرق الأوسط. وامتنعت المملكة العربية السعودية عن شراء حقوق البث من المالك القطري، وحرمته من تسويقها كذلك في المملكة، فيما حاولت مصر الحصول على حقوق البث على التلفزيون الأرضي لكنها فشلت في تحقيق ذلك. نتج عن هذه الحالة المرتبكة ظهور مجموعة قنوات «بي أوت كيو» التي اتهمها الاتحاد الدولي في بيانٍ له بسرقة حقوق بث مباريات كأس العالم نافيًا أن تكون هذه القنوات حصلت على أي حقوق للبث من قِبل الاتحاد الدولي (فيفا)، ودعا الدول بالمساعدة في مكافحة أنشطة القرصنة التي تتبناها القناة.

على صعيدٍ آخر، ألغت الأرجنتين مباراتها الودية مع الكيان الصهيوني في إطار المباريات الودية التي سبقت خوض نهائيات مونديال روسيا 2018. جاءت هذه الخطوة بعد التوصية التي قدمها وزير الخارجية الأرجنتيني للاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم بعدم إقامة المباراة نظرًا للظروف السياسية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بعد قرار الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب»، بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل(3).

وفيما يتصل بالعقوبات الدولية على طهران بسبب برنامجها النووي، فشل الاتحاد الإيراني لكرة القدم في إقامة مباريات ودية للمنتخب؛ حيث اعتذرت اليونان وكوسوفو عن لعب مباريات مع المنتخب الإيراني. على صعيدٍ آخر، أعلنت شركة «نايك» أنها لن تزود لاعبي المنتخب الإيراني بالأحذية الرياضية خلال مباريات كأس العالم في روسيا، وذلك استجابة للعقوبات الأمريكية التي فرضتها واشنطن على طهران خاصة بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي الإيراني.

وقالت «نايك» في بيان رسمي لها: «العقوبات الأمريكية على إيران تفرض علينا كشركة أمريكية ألا نزود لاعبي المنتخب الوطني الإيراني بالأحذية في هذا الوقت»(4).


حصاد ما بعد المونديال..
طموحات روسيا ونفوذها السياسي وتأثيره على أجواء المونديال

تعرض مونديال موسكو لانتقادات كبيرة وصلت حد مطالبة بعض الدول الأوربية بمقاطعته، وذلك على خلفية المشاكل والأزمات السياسية مع روسيا. وحاول الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» العمل على الاستفادة من أجواء المونديال لتحسين صورته عالميًا خاصة في ظل تقارير المنظمات الحقوقية حول ملفات الحقوق المدنية والسياسية، وتدخلاته في الأزمة الأوكرانية والسورية، يُضاف إلى ذلك الأزمة الدبلوماسية الكبيرة التي نشبت بين المملكة المتحدة وروسيا على خلفية اتهام بريطانيا للمخابرات الروسية بمحاولة تسميم الجاسوس الروسي «سكريبال».

جدير بالذكر الإشارة إلى قرار الحكومة البريطانية بعدم ذهاب أيٍ من أعضاء العائلة الملكية إلى روسيا لتشجيع المنتخب الإنجليزي وذلك على خلفية أزمة «سكريبال». وردًا على تقارير الصحف البريطانية التي أوعزت إلى دعوة الحكومة الروسية لنظيرتها البريطانية لحضور مباريات المنتخب الإنجليزي، فيما أعلنت السفارة الروسية في لندن إلى أن الحكومة الروسية لم تقدم أي دعوات للساسة البريطانيين لحضور مباريات كأس العالم، لافتة الانتباه إلى قرار الحكومة البريطانية بعدم حضور المشجعين البريطانيين إلى موسكو(5).

وشهد خروج روسيا من دور الثمانية أمام المنتخب الكرواتي فرحة جماهيرية على المستويين الأوكراني والعربي نظرًا للانخراط الروسي في الأزمة السورية والأوكرانية. وعبًّر لاعب منتخب كرواتيا «دوماجوي فيدا» (الذي لعب سابقًا في الدوري الأوكراني) عن فرحته بعد التأهل على حساب المنتخب الروسي صارخًا: «المجد لأوكرانيا». ووجه الاتحاد الدولي لكرة القدم إنذارًا للاعب الذي نفى أن يكون تصريحه له علاقة بالواقع السياسي بين موسكو وكييف، واعتبر أنه امتنان لأصدقائه في الدوري الأوكراني(6).


حصاد ما بعد المونديال..
محاولات تسييس اللاعبين: «أردوغان» و«قاديروف» أمثلة

حاول الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وحزبه الترويج السياسي لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة، وخاصة من خلال الصورة التي التقطها «أردوغان» مع نجم المنتخب الألماني ذو الأصول التركية «أوزيل» أثناء زيارة الأول إلى لندن. ورغم ارتباط هذا السلوك بقناعات الشخص الفردية، فإنه أثار تساؤلات تتعلق بملف الاندماج في ألمانيا خاصة في ظل تدهور العلاقات الألمانية التركية؛ حيث استغل القوميون الألمان الأداء السيئ الذي ظهر عليه منتخب ألمانيا للهجوم على «أوزيل».

وفي السياق ذاته، حاول الرئيس الشيشاني «رمضان قاديروف»، الذي يواجه اتهامات تتعلق بسجله السيئ في حقوق الإنسان استخدام الرياضة كأداة تفاعل سياسية، وهو ما برز في تصدير صورته مع اللاعب المصري العالمي محمد صلاح؛ حيث قام بزيارة المعسكر المصري والتقاط الصور مع «صلاح»، ودعا كذلك المنتخب وأعضاء البعثة المصرية على مائدة غذاء، وما لفت الانتباه كسره للقواعد الدبلوماسية بالإصرار على الجلوس بجوار «صلاح» بدلًا من رئيس البعثة، وهو ما أثار حفيظة الصحف الإنجليزية خاصة أن اللاعب المصري يلعب بين صفوف فريق «ليفربول» الإنجليزي.


حصاد ما بعد المونديال..
نموذج تصدير الصورة.. السياسة والرياضة والقوة الناعمة الكرواتية

بينما حاول «أردوغان» و«قاديروف»، توظيف الرياضة سلبيًا لتحسين صورتهما أما الرأي العام المحلي والعالمي، برزت الرئيسة الكرواتية «كوليندا جرابار كيتاروفيتش» لتقدم نموذجًا إيجابيًا في تعاطي الساسة مع الرياضة؛ حيث ظهرت مع المشجعين الكروات في المدرجات، وبين اللاعبين في غرف الملابس لدعم منتخب بلادها مما أكسب المنتخب الكرواتي تعاطفًا عالميًا تقديرًا للتجربة التي قدمتها كرواتيا سواء على مستوى رئيسة الدولة التي أصرت على السفر مع جماهير بلادها والجلوس معهم في المدرجات ورفض منصات كبار الزوار، أو حتى على مستوى الرياضة؛ حيث قدم اللاعبون الكروات أداءً أبهر عشاق كرة القدم على مستوى العالم، وهو ما تكلل بتأهلهم لنهائي مونديال روسيا 2018 وخسارتهم أمام فرنسا بعد أداء مشرف.

وختامًا؛ لا زالت كرة القدم بما تتمتع به من شعبية كبيرة أرضًا خصبة للترويج والدعاية السياسية، وهو ما برز في نشاط العديد من ملفات التنافس والصراع السياسي التي أشرنا لها في هذا التقرير. وفي السياق نفسه، أصرَّ كثير من قادة العالم لالتقاط صور توديع منتخباتهم قبل الذهاب إلى روسيا لكسب الدعم السياسي.


حصاد ما بعد المونديال..
الهوامش

1- اعتقال مسؤولين في الفيفا بقضايا فساد (2752015)، سكاي نيوز
2- تقرير "غارسيا"...فضيحة قطرية وبراءة روسية (2862017)، سبوتنيك عربي
3- تسييس المونديال: كيف ارتبطت قضايا الإقليم بنهائيات كأس العالم في روسيا؟ (1362018)، مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة
4- "نايكي" لن تزود منتخب إيران بالأحذية في كأس العالم امتثالًا لعقوبات ترامب (1162018)، Euro News
5- موسكو: لم نوجه دعوة لساسة بريطانيين لحضور المونديال (472018)، روسيا اليوم
6- "الفيفا" ينذر لاعب منتخب كرواتيا بسبب أوكرانيا (872018)، روسيا اليوم
"