يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«داعش» يوظف «القرآن» لتحريم كرة القدم

الإثنين 21/مايو/2018 - 12:10 ص
المرجع
مصطفى حمزة
طباعة
الدواعش يجعلون من رؤوس اللاعبين كرة تلعب بها عناصر التنظيم

لعبة كرة القدم هي الأكثر شعبية في كل أرجاء الدنيا، ورغم عدم وجود أي نص ديني في الأديان السماوية الثلاث يُحرم ممارسة تلك اللعبة، فإن تنظيم «داعش» يُحرم ممارستها ويكفر لاعبيها، بحجة أنهم يتحاكمون إلى قوانين «كفرية»، يكفر من يحتكم إليها؛ لوقوعه في ناقض التحاكم لغير حكم الله تعالى -على حدِّ زعمه- مؤكدًا أن اليهود و«أمة الصليب» (إشارة إلى المسيحيين) سحروا شباب الإسلام «بالمستديرة»؛ لإلهائهم عن مهامهم الخطيرة.

وأصدر ما يُسمى بـ«مكتب البحوث والدراسات» التابع للتنظيم، كتابًا يعبر عن عقيدة التنظيم تجاه لعبة كرة القدم ولاعبيها، بعنوان «مداد القلم بحكم لاعبي كرة القدم»، إذ طالب بالهجوم عليهم هجمة رجل واحد، حتى لا يتسلل أحدهم إلى صفوف الشباب، وأن يجعل الدواعش من رؤوس اللاعبين كرة، يلعب بها عناصر التنظيم وذئابه المنفردة.

وبالتزامن مع ترقب دول العالم لانطلاق مباريات كأس العالم 2018 في روسيا، أعاد التنظيم نشر هذا الكتاب عبر منتدياته والغرف التابعة له بتطبيق «تليجرام»، بعد وضعه عددًا من لاعبي كرة القدم، على قوائم الاغتيال في أكتوبر 2017، على رأسهم النجم الأرجنتيني «ليونيل ميسي»، وقائد منتخب البرتغال «كريستيانو رونالدو»، والمهاجم البرازيلي «نيمار دا سيلفا»، متوعدًا بقطع رؤوسهم.

وتضمنت مقدمة الكتاب عددًا من المزاعم، بمفاسد كرة القدم شرعيًّا، بداية من اعتبارها إحدى وسائل إلهاء الشعوب، مرورًا باقتران اللعبة غالبًا، بمجموعة من المنكرات الظاهرة، كالتبرج والغناء، والاختلاط، وكشف العورات، والسب والشتم والقذف، وزرع العداوة والبغضاء بين الناس، وصولًا إلى إثارة النزعات العصبية بينهم على أمور ما أنزل الله بها من سلطان، وغير ذلك مما تيقن وجوده مقترنًا بتلك اللعبة -على حدِّ قولهم في الكتاب المذكور.

الخروج من الإسلام
يعتبر تنظيم «داعش»، من أول التنظيمات التي ربطت تلك اللعبة بمسألة الحكم بغير ما أنزل الله؛ بحجة أن لها قوانين وأحكامًا خاصة بها، ويلزم «الحكم» المنصب بين الفريقين المتنافسين جميع اللاعبين بتلك القوانين، وهي عبارة عن مجموعة من الأحكام التي وضعها من وصفهم الكتاب بـ«الكفار»، وعقدوا لها الاجتماعات، وأسَّسوا من أجلها المنظمات والاتحادات.

واعتبر الكتاب العمل بقانون الكرة كفرًا مخرجًا من ملة الإسلام، قائلًا إن القانون استبدل أحكام القصاص والديات والعفو في الشريعة، بالكارت الأصفر للإنذار، والأحمر للطردِ من الملعب، دون وقوع الحكم الشرعي، الذي هو القصاص أو الدية أو العفو.

ولفت إلى أن ركل الخصم أو محاولة ركله، أو عرقلته، أو القفز عليه، أو ضربه، يكون جزاؤه في قانون الكرة، احتساب ضربة جزاء للفريق الآخر، في حين أن الشريعة تأمر بالقصاص، بحيث من ضَرَبَ يُضرب، وهو ما اعتبره التنظيم، صورةً من صور الحكم بغير ما أنزل الله، والتحاكم إلى شريعة الطاغوت المناقضة لشرع الله، الذي فرض التحاكم إليه فيما يحدث بين الناس في كل كبيرة وصغيرة.

توظيف القرآن للتكفير
وظف التنظيم نصوص القرآن الكريم، بما يتلاءم مع تكفيره للاعبي الكرة، الذين يتحاكمون إلى قانونها داخل الملعب، ومن جملة الآيات القرآنية التي استخدمها، قوله تعالى في سورة الشورى الآية رقم 10: (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)، وقوله تعالى في سورة النساء الآية رقم 59: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا).

وقول الله تعالى في سورة المائدة الآية رقم 45: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).

وقسَّمَ الكتاب لاعبي الكرة إلى قسمين؛ الأول: اللاعبون المحترفون في المنتخبات والأندية التابعة رسميًّا للاتحاد الدولي لكرة القدم، المعروف باسم «فيفا» (الهيئة المنظمة للعبة كرة القدم في العالم)، أو لغيره من الاتحادات، فهؤلاء ارتكبوا كفرًا مُخرِجًا من الملة، حسب اعتقاد الدواعش، لافتًا إلى أن هؤلاء اللاعبين يرتكبون عددًا من المخالفات الأخرى، مثل وقوفهم لتحية العلم، والنشيد الوطني، وتعظيم من وصفوهم بـ«الطواغيت».

أما القسم الثاني: فهم لاعبو كرة القدم الهواة الذين لم ينضموا أو يتحاكموا إلى تلك المنظومة، فهؤلاء ليسوا كفارًا عند التنظيم؛ لأنهم لم يرتكبوا مكفرًا من المكفرات.

ولم يقتصر التكفير عند «داعش» على اللاعبين فقط، وإنما امتد ليشمل الحُكَّام أيضًا، باعتبارهم يطبقون الأحكام المخالفة لشريعة الله، مع كون أحكامهم مطلقة ونهائية، لا يجوز الطعن عليها أو الرجوع فيها مهما كان، وفق قانون كرة القدم، ولكن الكتاب عاد ليُقسم أيضًا الحكام إلى قسمين مثلما فعل مع اللاعبين؛ الأول هم الحكام الرسميون التابعون للأندية والاتحادات الرياضية، وهؤلاء يكفرهم التنظيم، بينما القسم الثاني الذي يضم الحكام في الأحياء الشعبية الذين يتصدرون للتحكيم دون التقيد بأحكام الـ«فيفا»، فهؤلاء ليسوا كفارًا؛ لأن ما يفعلونه أمر مباح يشبه من يحكم بين الزوجين.

كما أباح الكتاب لعب كرة القدم في المباريات التي يعقدها الشباب فيما بينهم في الساحات والشوارع، شريطة أن تكون خالية من كل مكفر أو مفسق، مع التزام الجميع بالأخلاق العامة، وبقاء روح الإخوة بين المتنافسين، كما أباح قواعد وشروط اللعبة التي يتعارف عليها اللاعبون فيما بينهم، بشرط خلوها من الرهان أو العوض، وأن يفصل في النزاع بينهم من هو متأهل ليحكم بينهم بكتاب الله، فإن لم يجدوا ذهبوا إلى جهة مخوّلة بالحكم كالقضاء والحسبة.
"