يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

استرداد «الخلافة الأندلسية» حلم يراود التنظيمات الإسلاموية الراديكالية

السبت 14/يوليه/2018 - 06:51 م
المرجع
نهلة عبد المنعم
طباعة
لاتزال «الخلافة الأندلسية» بجغرافيتها المهمة، تُراود أحلام تيارات الإسلام الحركي التي تهوى استغلال المواقف لمصلحتها، فهي تستخدم الدلالة التاريخية للأندلس في نفوس المسلمين لتحريض عناصرها على الهجرة لبقعة مهمة من أرض الخلافة القديمة.
استرداد «الخلافة
وترجع بداية تأسيس الأندلس إلى «استغاثة» مختلف عليها بين الإسلاميين الذين يُحملونها بشرعية الفتح، والغربيين الذين يرجعونها إلى أقصى معاني الغزو والاحتلال، وهي النداء الذي أطلقه «الكونت يوليان» المضطهد من ملك القوط آنذاك «رودريك» إلى موسى بن نصير «والي شمال أفريقيا» يدعوه إلى فتح الأندلس.

وبعد حصول «بن نصير» على موافقة الخليفة الأموي في دمشق «الوليد بن عبدالملك»، تم إرسال القائد العسكري طارق بن زياد، في عام 711 ميلاديًّا على رأس جيش قوامه حوالي 7 آلاف جندي، سلك طريقه من طنجة المغربية عابرًا للمضيق الذي لايزال يحمل اسم «مضيق جبل طارق»، وصولًا إلى شبه الجزيرة الأيبيرية، والتي تشمل حاليًّا إسبانيا والبرتغال، وذلك لقتال جيش القوط، في المعركة التي أطلق عليها اسم «وادي برياط» والتي انتهت بهزيمة القوط وقتل ملكهم رودريك.

وخلال ثمانية قرون -عمر الخلافة التي امتدت من عام 711 إلى 1492- شهدت الدولة إثراءً ثقافيًّا ولغويًّا، فغالبًا ما توصف الفترة الإسلامية في إسبانيا بأنها «العصر الذهبي» للتعليم؛ حيث تم إنشاء المكتبات والكليات، وازدهر الأدب والشعر والهندسة المعمارية. 

ويعد التناغم العرقي والديني من أبرز ملامح هذا العصر، فتمتع غير المسلمين بكامل حريتهم لممارسة شعائرهم الدينية، إلا أن بعض المؤرخين الأوروبيين يعتبرونها حرية منقوصة وفقًا لقيم الغرب الآن، ولكن بالنسبة لعصرها فهي مقبولة، فلم يجبروا على اعتناق الإسلام أو العمل كعبيد، ولكن تخللت الخلافة بعض الفترات التي شهدت تشددًا وتضييقًا. 
استرداد «الخلافة
كيف سقطت؟
مرَّ الحكم الأندلسي لشبه جزيرة إيبيريا بعدة مراحل، بدأت من تبعيتها للدولة الأموية خلال الفترة ما بين (711 : 756)، والتي أطلق عليها خلافة قرطبة، وشهدت عنفوان الازدهار، ثم الاستقلال عنها بعد سقوطها وتكوين خلافة مستقلة، ومن هنا يؤرخ العلماء «بداية النهاية».

فمنذ استقلال الخلافة، كوَّن كل أمير من أمراء الأندلس مملكته الخاصة، وهي المرحلة التي سُميت بـ«ملوك الطوائف»، فبدأت تتشرذم الولاية إلى إمارات صغيرة يقع بجانبها إحدى الإمارات المسيحية في أستورياس بشمال إيبيريا التي اقتنصها القائد «بيلاجيوس» بعد معركة «كوفادونجا» مع الجيش الأموي قبل سقوطه، لتُمثل نواةً لسقوط الأندلس ولاية تلو الأخرى، خاصة في حالة التقسيم والضعف.

وبالفعل شجع سقوط منطقة «أستورياس» على بداية رحلة حروب الاسترداد، خاصة في ظل تنازع أمراء الأندلس مع بعضهم البعض، واستعانتهم بالملوك الأسبان؛ ما أدى إلى سقوط «قشتالة وأيون والباسك وليون»، بينما شكل سقوط «طليطلة» (وتعرف حاليًّا بتوليدو، وتقع جنوب العاصمة مدريد)، ضربة قاصمة للخلافة.

حيث شكلت «طليطلة» عاصمة لمملكة «قشتالة» التي استطاع ملكها ألفونسو السادس، ضم ليون إليه لتقوية شوكة دولته أمام الخلافة الأندلسية التي أطلقت الاستغاثة لدولة «المرابطين» في المغرب، والتي تولت زمام إسبانيا الإسلامية بعد ضعف ملوك الطوائف، ولكنها هزمت في بلدها من «الموحدين»؛ ليصبحوا مسؤولين عن الأندلس، التي تمزقت من صراعات من حكموها بعد الأمويين.
 الملكة «إيزابيلا
الملكة «إيزابيلا الأولى
وبعد سنوات، تولت الملكة «إيزابيلا الأولى» حكم «قشتالة»؛ لتقود حروب الاسترداد لشبه الجزيرة الإيبيرية من الأندلسيين إلى الكاثوليك، كما أدى زواجها من ملك أراجون، «فرديناند» إلى توحد المملكتين والجهود العسكرية التي انتهت بسقوط غرناطة 1492؛ لتكون إيذانًا بسقوط الخلافة الأندلسية.

وجُسد مشهد السقوط على لوحة رسم عليها ملك غرناطة الأخير «أبوعبدالله محمد الثاني عشر» وهو يُسلم مفاتيح مملكته لـ«إيزابيلا وفرديناند» في مشهد استسلامي رفضه أهل المدينة آنذاك، رغم الحصار الذي تحدثت عنه بعض كتب التاريخ، وهو حصار بقيادة الزوجين على المملكة، أدى بشعبها إلى أكل القطط والكلاب.

استمالات أندلسية
يوظف الراديكاليون الأحداث التاريخية للأندلس، لاستمالة العناصر للثأر، خاصة سقوطها الذي شهد إسالة الدماء، إضافة إلى التضييق والتشديد على المسلمين الذي تمثل في «محاكم التفتيش» التي أسستها «إيزابيلا» لمراقبة الطقوس الدينية المخالفة للمسيحية؛ حيث سبق ونشر أحد الدواعش مقطع فيديو يُهدد فيه بالثأر للمسلمين الذين أرهقتهم تلك المحاكم.

ونظرًا لأهمية الدولة الإسبانية على الخريطة الجغرافية والسياسية للعالم، إضافة إلى حربها على الإرهاب، يزعم المتطرفون الرغبة في الإجهاز عليها لتحرير الأندلس، بينما الحقيقة هي تنفيذ أجندتهم الخاصة.
استرداد «الخلافة
حيث نشر «داعش» في أغسطس 2017، فيديو لأحد عناصره يتحدث بالإسبانية عن تحرير إسبانيا التي أطلق عليها «أرض أجداده»، مهددًا بالانتقام من سكانها لاستحواذهم على الأندلس القديمة.

كما سبق أن كتب أحد عناصر داعش على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، ويُدعى «أبو رودينا العصامي»: أن «يومًا ما سنشهد عودة الابن الضال إلى حضن أبيه»، في إشارة إلى الخلافة القديمة.

ولم ينسَ الدواعش البرتغال التي كانت شريكًا أصيلًا في الأرض الأندلسية؛ حيث هددها التنظيم هي الأخرى في أبريل 2016 بضمها إلى حضن الخلافة. 

أما تنظيم «القاعدة»، فيتخذ من اسمها عنوانًا لأحد مواقعه الإلكترونية الخاصة بمعاقل التنظيم في بلاد المغرب، والذي يُطلق عليه «شبكة الأندلس الإعلامية»، وإضافة إلى ذلك، فجماعة الإخوان (أسسها حسن البنّا في مصر عام 1928) أيضًا يتاجرون بالحلم الأندلسي؛ حيث قال أيمن خميس، عضو بالجماعة: «إن مكانة الأندلس عند المسلمين تُعادل مكانة فلسطين، وعلينا استردادها».
استرداد «الخلافة
انفصال إسباني
يبدو أن حلم «استرداد الخلافة» لا يُراود الأصوليين الشرقيين فقط، بل إنه يدغدغ مشاعر أصحاب الأرض أيضًا، ويظهر ذلك في «التجمع الوطني الأندلسي» الذي يرأسه الإسباني «بيدرو إغناسيو ألتاميرانو»، والذي يهدف للانفصال عن الدولة، واستعادة الأمجاد القديمة بتأسيس دولة الأندلس الحرة، التي تشمل جنوب إسبانيا ومدن الريف المغربي وأجزاء من جنوب البرتغال. 

كما يؤكد «بيدرو» أنه يسعى لجمع المسلمين؛ ليعيشوا معًا على أرضهم، وفي سبيل ذلك أعلن في يونيو 2017، عزمه إنشاء حزب سمَّاه «الحزب القومي الأندلسي»، معربًا عن أمله في أن يستطيع الحزب القتال من أجل أرضهم، وتكوين حكومة مستقلة تدير الأندلس الجديدة.

وتعي حكومات تلك الدول خطورة الوضع القائم؛ لذا نشهد تكثيف الجهود الأمنية والاستخباراتية في محيط حدودها، تحسبًا لأي نوستالجية محتملة.
"