يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

الجيش الوطني الليبي يحسم معركة «الهلال النفطي» لصالحه

الثلاثاء 03/يوليو/2018 - 09:30 م
الجيش الوطني الليبي
الجيش الوطني الليبي
نهال أحمد
طباعة
شهدت منطقة الهلال النفطي الممتدة بين مدينتي سرت وبنغازي تطورات مهمة على مدار الشهر الماضي (يونيو 2018)؛ فقد تمكنت قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء «خليفة حفتر» من حسم معركة «الهلال النفطي» لصالحه، بعد أن تجددت أحداثها في الرابع عشر من يونيو 2018، تزامنًا مع مواجهات دامية مع ميليشيا «إبراهيم الجضران» آمر قوات حرس المنشآت الليبية النفطية سابقًا، ومن ثم يضاف هذا المكسب الميداني إلى حصيلة مكاسب اللواء «حفتر» الأخيرة بعد نجاحه في تحرير مدينة درنة من الجماعات المسلحة الموالية لتنظيم «القاعدة».

والهلال النفطي منطقة تقع بين مدينتي سرت وبنغازي، وتبعد عن شرق العاصمة طرابلس بنحو 640 كيلومترًا، وهي منطقة صحراوية منبسطة ذات كثافة سكانية محدودة، ينحدر أغلب سكانها من قبيلتي «المغاربة» و«الزوي»، إضافة إلى قبائل «أولاد سليمان» في بلدة هراوة، وتحتوي المنطقة على نسبة 80% من إنتاج البلاد النفطي، إلى جانب مساهمتها بنسبة 60% من إجمالي الصادرات الخارجية النفطية الليبية؛ نظرًا لوجود أكبر الحقول النفطية الممثلة في «السرير» و«مسلة» و«النافورة»، كما تقع بها أكبر مصافي ومجمعات تكرير البترول، وموانئ تصديره للعالم (1).

تسلسل زمني لأهم المعارك وأطرافها
من يسيطر على منطقة الهلال النفطي- ذات الأهمية الاستراتيجية- يصير متحكمًا رئيسيًّا في أوراق الأزمة الليبية ككل، ومن هنا توالت السجالات ما بين الفصائل الليبية المتصارعة لبسط الهيمنة على الهلال.

إذ بدأ الصراع العسكري على تلك المنطقة منذ انطلاق الثورة الليبية، وبالأخص عقب الإطاحة بنظام العقيد «معمر القذافي» في 20 أكتوبر 2011، حينما تكالبت الميليشيات المسلحة المدعومة من الخارج للاستيلاء على المنابع النفطية، وكان أخطرها ميليشيا «إبراهيم الجضران»، التي أسست بنهاية عام 2011؛ حيث تمكنت حينذاك من السيطرة على أهم المنابع النفطية؛ ما أدى إلى خسائر فادحة في واردات القطاع النفطي الليبي، بل وأهلت الانتصارات الميدانية التي حققتها الميليشيا في جعل آمرها «إبراهيم الجضران» رقمًا مهمًّا في المعادلة الليبية، لاسيما بعد دعوته لتعميم الفيدرالية باسم إقليم برقة، وتأسيسه مجلسًا سياسيًّا للإقليم نهاية أكتوبر لعام 2012، الذي لم يحظ بأي تأييد إقليمي أو دولي.

منذ ذلك الحين ظلت ميليشيات «الجضران» متحكمةً في بيع النفط الليبي عبر طرق غير مشروعة؛ إلى أن تجرأت عام 2014، وبدأت بتوقيع عقود لبيع النفط بطرق رسمية عن طريق الموانئ النفطية؛ ما أدى لتحرك دولي من أجل سد الطرق كافة، التي من شأنها أن تُكسب الميليشيات أي شرعية، فتحركت البحرية الأمريكية لإحباط محاولة نقل شحنة نفط عبر البحر المتوسط تقدر بقيمة 20 مليون دولار، وبالفعل تم التمكن من احتجاز السفينة «مورنينج جلوري» بالقرب من السواحل القبرصية، وإجبارها على العودة لميناء طرابلس، وتسليم الحكومة الوطنية الليبية الشحنة (2).

التوافق بين حكومة «السراج» وميليشيات «الجضران»
تعددت محاولات الحكومة الليبية عام 2015 لوضع خطط؛ من أجل تحرير الموانئ النفطية، لكن باءت جميعها بالفشل؛ نظرًا لحدوث توافقات ما بين بعض القبائل شرق ليبيا والميليشيات هناك، وكانت «عملية الشروق» من أبرز التحركات التي قامت بها الحكومة الوطنية، لكنها لم تحقق أهدافها، وعقب التوقيع على اتفاق الصخيرات في ديسمبر 2015، وتشكيل حكومة وفاق وطني برئاسة «فايز السراج»، بدأت الحكومة الوطنية في التقارب مع ميليشيا «الجضران»، تزامنًا مع التقدم الذي أحرزته القوات التابعة للواء «حفتر» في بنغازي، وبالفعل توصلت الحكومة الليبية والميليشيا لاتفاق مشروط يقضي بتسليم الحقول النفطية للحكومة الوطنية؛ شريطة أن تكون الإدارة الفعلية المباشرة للميليشيا؛ ما منح «الجضران» إطارًا قانونيًّا ساعده في التمادي بممارسته، وإدراجه ضمن الأطراف الرئيسية في الصراع الليبي (3).

وقد دفعت تلك الصفقة الجيش الوطني الليبي بقيادة اللواء «خليفة حفتر» في 11 سبتمبر 2016 إلى شن عملية عسكرية تُعرف «بالبرق الخاطف»، تم خلالها السيطرة على موانئ (الزيتونية، والبريقة ورأس لانوف، والسدرة)، وطردت قوات «حرس المنشآت النفطية» الموالية لحكومة الوفاق الوطني الليبية، دون أدنى مواجهة تُذكر لهم، وذلك على خلفية التوافق الذي تم بين الجيش الوطني وشيوخ قبائل «المغاربة»؛ لحث أفراد حرس المنشآت على عدم مواجهة الجيش الوطني الليبي؛ نظرًا لتفاوت العتاد ما بين الجانبين (4)، حينها أعلنت القيادة العامة للجيش الليبي سيطرتها، حتى باغتها هجوم من قبل «قوات الدفاع عن سرايا بنغازي» التابعة «للقاعدة»؛ ليتمكنوا من السيطرة على ميناءي «السدرة» و«رأس لانوف»، لكن نجح الجيش الوطني الليبي في انتزاعهما من التنظيم، بعد مُضِيّ أسبوع من الهجوم.

«حفتر» وحسم معركة «الهلال النفطي»
وظلت الأوضاع هكذا إلى أن ظهر «الجضران» مرة أخرى في 14 يونيو 2018 على رأس قوة تتألف من قرابة 1000 من عناصره الإرهابية، إلى جانب بعض الأفراد من قوات ما يُسمى «سرايا الدفاع عن بنغازي»؛ ليتمكن خلال فترة قصيرة من انتزاع ميناءي «السدرة» و«رأس لانوف» من الجيش الليبي بقيادة «حفتر»، معلنًا في بيانٍ له أنه وقّع اتفاقًا مع شيوخ قبائل «المغاربة» و«التبو»؛ بزعم الدفاع عن المنطقة، و«رفع الظلم عن أهلها، والقضاء على وجود «حفتر» بها، على حدِّ زعم البيان.

اتفاق نَفَتْهُ قبائل «التبو»، وبعض القبائل الأخرى التي ورد ذكرها في بيان «الجضران»، وبالفعل استمرت سيطرة الميليشيات على المنطقة أسبوعًا فقط، حينها بدأ «الجيش الوطني الليبي» إعادة تنظيم صفوفه؛ ليتمكن من القيام بهجوم مضاد في عملية عسكرية، سُميت «بالاجتياح المقدس»، نجح خلالها في استعادة المناطق التي فقدها على مدار أسبوع، وتطويق عناصر الميليشيا، وبسط سيطرته على منطقة الهلال النفطي (5).

الخسائر الاقتصادية
أسفرت المعارك المتوالية بمنطقة الهلال النفطي عن خسائر اقتصادية فادحة؛ فقد انخفضت السعة التخزينية لخزانات النفط من 950 ألف برميل إلى 550 ألف برميل، صاحبه انخفاض حاد في الإنتاج اليومي النفطي لنحو 450 ألف برميل؛ بحيث يُنتج ميناء «السدرة» نحو 300 ألف برميل، بينما ميناء «لانوف» نحو 150 ألف برميل، فيما أفادت وكالة «رويترز» نقلًا عن مصادر محلية عن انهيار أحد خزاني النفط الرئيسيين بميناء «رأس لانوف»، بعد إضرام النيران بهما، خلال الاشتباكات التي نشبت على مدار تلك الفترة، كما أكد مسؤولون ليبيون تعرض نحو نصف صهاريج التخزين في «رأس لانوف» و«السدرة» لأضرار بالغة، على خلفية المواجهات العسكرية بين الفصائل المتنازعة، ومن ثم يصبح القطاع النفطي هو أكثر القطاعات الليبية المتضررة من تطورات الأوضاع (6).

موقف حكومة «السراج»
يعكس موقف حكومة الوفاق الوطني الليبية مدى الضعف الذي ينخر أوصالها، فالحكومة تكتفي بالشجب والإدانة، دون التحرك ميدانيًّا لوقف الفصائل غير الرسمية في الهيمنة على مقدرات ومؤسسات الدولة؛ حيث عقد المجلس الرئاسي الليبي يوم 26 يونيو 2018 اجتماعًا طارئًا؛ لبحث تطورات الوضع بمنطقة الهلال النفطي، مؤكدًا في البيان الصادر عنه، أن «ما أعلنته الجهات المتقاتلة بشأن تسليم الموانئ النفطية للجيش الوطني الليبي، أمر غير مقبول، ويعتبر بمثابة وعد من لا يملك لمن لا يستحق؛ ما ينذر بتهديد خطير لمسارات التوافق ومخالفة واضحة للقرارات الأممية والدولية» (7)، بينما حثَّ عضو مجلس الدولة الليبي «عبدالقادر الحويلي» الحكومة الليبية على التحرك بالمنطقة الشرقية وإثبات وجودها، مشددًا على أن القوات الدولية تتصارع فوق أراضٍ ليبيةٍ وتدمرها بأموال أيضًا ليبية.
 
ما بعد معركة «الهلال النفطي»
يبدو أن الصراع على الموارد النفطية الليبية أعقد من أن يتم استشراف رؤية مستقبلية مؤكدة بشأنه، لكن الأكيد أن حسمه يعتمد بالأساس على ورقة القبائل الليبية، وفي رأيي فإن السيناريوهات الأقرب للحدوث يمثلها السيناريو الأول؛ ويعتمد على استمرار الدعم الخارجي دوليًّا وإقليميًّا للجيش الليبي؛ بحيث تتحقق ديمومة سيطرة «الجيش الوطني الليبي» على منطقة الهلال النفطي بالاعتماد على دعم القبائل الشرقية الفاعلة لقواته، بينما السيناريو الآخر يتمثل في قبول المجتمع الدولي كافة لدور «حفتر»، ومن ثم صوغ مبادرات يتم خلالها بلورة مستقبله السياسي في ليبيا بحيث تلقى قبولًا منه في ظلِّ نجاحاته الأخيرة.

وختامًا؛ فإن تطورات الأوضاع الأخيرة التي شهدتها منطقة الهلال النفطي تعكس إصرار «الجيش الوطني الليبي» بقيادة اللواء «خليفة حفتر» في الحصول على أكبر قدر من المكاسب الميدانية، والاستحقاقات التفاوضية، لاسيما بعد إحكام قواته سيطرتها على الهلال النفطي، وتمكنه من فرض نفسه رقمًا رئيسيًّا في المعادلة الليبية، ورغم ذلك فإن مسار الأزمة الليبية ككل مازال يشوبه التعقيد والجمود، ويبقى القطاع النفطي هو الأكثر تأثرًا بالتطورات الليبية الأخيرة.

المصادر:
(1) ما أهمية الهلال النفطي في ليبيا، سكاي نيوز، متاح على الرابط: 
(2) US navy Seals take over oil tanker seized by Libyan rebels, the guardian,available at: https://www.theguardian.com/world/2014/mar/17/navy-seals-oil-tanker-morning-glory-libyan-rebels
(3) إبراهيم الجضران.. من هو؟ وما دوره في مسألة النفط الليبي؟ تقرير على قناة ليبيا، متاح على الرابط
(4) الجيش الليبي يستعيد موانئ نفطية استراتيجية، سكاي نيوز، متاح على الرابط:
(5) المسماري: المنشآت النفطية ستصبح تحت إدارة الحكومة الموازية، إيلاف، متاح على الرابط:
(6) خسائر فادحة جراء الأحداث حول الهلال النفطي الليبي، روسيا اليوم، متاح على الرابط:
(7) المجلس الرئاسي الليبي يعقد اجتماعا طارئًا، سبوتنك عربي، متاح على الرابط:
"