يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

احتجاجات «البازار» تُسطِّر نهاية النظام الإيراني

الثلاثاء 26/يونيو/2018 - 07:42 م
المرجع
محمد الدابولي
طباعة
تُعدُّ الظروف الاقتصادية أحد المحركات الرئيسية للأحداث السياسية، فالدول تبني سياساتها واستراتيجياتها بناءً على حاجتها وأهدافها الاقتصادية، فقديمًا دفعت حاجة الدول الأوروبية الرأسمالية للمواد الخام والأسواق لتصريف منتجاتها إلى احتلال معظم دول العالم الثالث في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

إضافة إلى الحاجة الاقتصادية للمواد الخام وترويج البضائع، يُعدُّ تردي الأوضاع الاقتصادية محركًا رئيسيًّا للأزمات السياسية الداخلية والاضطرابات المزمنة التي يعانيها كثير من الدول، فتقريبًا كل الثورات التي شهدها العالم منذ الثورة الفرنسية 1789 وحتى اليوم، كانت الدوافع الاقتصادية هي المحرك الأهم لها، فالأنظمة السياسية الفاسدة دائمًا تعمل على إفقار شعوبها عبر العديد من العوامل، أبرزها توفير الحماية السياسية للفساد، وضمان عدم ملاحقة المفسدين قانونيًّا؛ نظرًا لكونهم سدنة النظام السياسي وحراسه، وأيضًا الدخول في مقامرات سياسية باهظة الكلفة الاقتصادية، مثل التدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار من أجل فرض هيمنة سياسية أو خلافه.

«الخميني» واستغلال أزمات الشاه الاقتصادية
في إيران مثلًا تعد الأزمات الاقتصادية هي المحرك الأول للاحتجاجات، فمن المعلوم أن تدهور الأوضاع الاقتصادية في عهد الشاه كان الدافع الرئيسي للاحتجاجات التي انطلقت عام 1978، والتي انتهت بالثورة على النظام وخلعه في فبراير 1979.

وعلي الرغم من أن الثورة الإيرانية 1979 كان دافعها اقتصاديًّا بحتًا متمثلًا في انتشار الفقر والتفاوت الطبقي الرهيب الذي عانى منه المجتمع الإيراني في عهد الشاه، فإن القوى الراديكالية نجحت في السيطرة على الثورة، وصبغها بالصبغة الإسلامية، مستفيدة من النظام الاقتصادي للمرجعيات الدينية المتمثل في جمع التبرعات والزكاوات والخُمس، وهو ما وفر موردًا ماليًّا ضخمًا للمرجعيات الدينية، جعلها تتمكن من بسط سيطرتها على النظام السياسي وتمرير «نظام الولي الفقيه».

ونجح «روح الله الخميني» وبقية المرجعيات الدينية المشاركة في الثورة الإيرانية بذكاء شديد في استغلال الأزمة الاقتصادية التي مرت بها البلاد في نهاية عهد الشاه في تهييج المشاعر السياسية للفقراء والمهمشين ودفعهم للثورة على النظام وخلع الشاه.

كما ظهرت المرجعيات في دور الحريص والمدافع عن المصالح الاقتصادية للشعب، بل الأدهى من ذلك، حرصت السينما الإيرانية في مرحلة ما بعد الثورة على إبراز الرشادة الاقتصادية لنظام الولي الفقيه، فمثلًا فيلم «خادم الإمام الخميني» أبرز ما يُسمى رشادة «الخميني» الاقتصادية في إنفاق أموال الزكاوات والخُمس، فالفيلم عالج رؤية الخميني في إنفاق أموال الخمس والتبرعات، وأظهر نظام الشاه في دور المتغيب عن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يعانيها المجتمع الإيراني، خاصة في المناطق المهمشة.

«الملالي» يفشل اقتصاديًّا
مثلما فشل الشاه اقتصاديًّا، فشل نظام الملالي أيضًا اقتصاديًّا، إلا أن أسباب فشل النظام أصبحت أكثر تعقيدًا من ذي قبل، فبالإضافة إلى عوامل الفساد والتهميش الطبقي والعرقي، استحدث نظام الملالي عاملًا آخر للفشل الاقتصادي، متمثلًا في الكلفة الاقتصادية للتدخلات الخارجية، فتدخلات النظام الإيرانية في شؤون الدول العربية باتت تُمثل عبئًا اقتصاديًّا شديدًا لا يستطيع المواطن الإيراني تحمله، وهو ما دفع المواطنين إلى رفع شعارات حاليًّا يطالبون فيها بوقف التدخلات في سوريا وتخصيص الموارد الاقتصادية للإنفاق على مصالح الشعب الإيراني فقط.

احتجاجات متواصلة
ومنذ الثورة الإيرانية لم تنقطع الاحتجاجات المناوئة لنظام الولي الفقيه مثل احتجاجات عام 1989، بسبب عزل «آية الله حسين علي منتظري» من منصب نائب المرشد، كما تكررت الاحتجاجات عام 1999، بسبب السياسات المحافظة وإغلاق الصحف الإصلاحية، وفي ديسمبر 2009 اندلعت الاحتجاجات عقب نتائج الانتخابات الرئاسية وفوز المحافظ «أحمدي نجاد» برئاسة البلاد في انتخابات شابها التزوير والفساد، وفي ديسمبر 2017 تجددت الاحتجاجات مرة أخرى، نتيجة عوامل اقتصادية، وفرض مزيد من الضرائب، وفي يونيو الحالي تجددت الاحتجاجات مرة أخرى بسبب انخفاض التومان الإيراني أمام الدولار الأمريكي، وهو ما يُمثل عبئًا على طبقة التجار الإيرانيين.

ولعل ما يميز الاحتجاجات الأخيرة بروز أهمية البُعد الاقتصادي بها، فمثلًا احتجاجات 1989 و1999، 2009، توارى فيها البعد الاقتصادي خلف أبعاد سياسية مثل عزل «منتظري»، وإغلاق بعض الصحف وتزوير الانتخابات، أما الاحتجاجات التي اندلعت نهاية 2017 وتجددت في منتصف 2018 فيتصدرها البُعد الاقتصادي بامتياز.

الجواد الرابح
البُعد الاقتصادي في الاحتجاجات السياسية بمثابة الجواد الرابح، عكس بقية الأبعاد، كالحريات العامة والفساد السياسي، فالثورات الكبرى لم تندلع إلا لأسباب اقتصادية كالثورة الفرنسية 1789 والبلشفية 1917 والإيرانية 1979، فالأزمات الاقتصادية كفيلة بحشد أكبر عدد من المعارضين والساخطين على النظام السياسي، فمثلًا في إيران نجد أن الاحتجاجات (لأسباب غير اقتصادية) كانت تتكرر كل عشرة أعوام تقريبًا 1989، 1999، 2009، لكن عندما أصبح البُعد الاقتصادي هو المحرك للاحتجاجات أصبحت في حالة شبه استمرارية مرشحة للتصعيد. 

لذا يمكن التنبؤ بأن نهاية النظام الإيراني باتت قريبة، فلأول مرة في التاريخ الإيراني بعد الثورة باتت الاحتجاجات شبه متواصلة وتكتسب مواقع وفئات جديدة؛ خاصة بعد انضمام فئة التجار (البازار) إلى الاحتجاجات، ما يُشير إلى أن الاحتجاجات في سبيلها إلى التصعيد المستمر، وأنه لا رجعة في تحجيم نظام الولي الفقيه أو إنهائه تمامًا. 

انقلاب البازار
تُعلي الثقافة السياسية الإيرانية من أهمية الدور السياسي الذي يُمثله مجتمع البازار في طهران، ويقصد بمجتمع البازار طائفة رجال الأعمال والتجار المتحكمين في الاقتصاد الإيراني وعلى تعامل مباشر مع المواطنين.

ويُشير الباحث الأحوازي «يوسف عزيزي» في دراسته «البازار والنظام الإيراني.. جدلية الاقتصاد والسياسة » المنشورة في «المعهد الدولي للدراسات الإيرانية» إلى أن مجتمع البازار يُعدُّ محركًا مهمًّا في السياسة الإيرانية منذ عهد «الدولة القاجارية»، فالبازار كان مسؤولًا عن ثورة التبغ 1891، والثورة الدستورية 1906، وغيرها من الاحتجاجات التي كان أهمها الثورة الإيرانية 1979؛ حيث تحالف وقتها البازار مع المرجعيات الدينية من أجل إسقاط الشاه.

ويُشير «عزيزي» إلى أن العلاقة بين البازار والولي الفقيه بعد الثورة أخذت أشكالًا متعددة، ففي البداية نجح النظام في استيعاب العديد من قيادات البازار وتعيينهم في مناصب سياسية مهمة، كوزراء ورؤساء للصحف المهمة كـ«حسين مهديان» تاجر الحديد الذي أصبح رئيسًا لصحيفة «كيهان».

لم تدم طويلًا العلاقات الدافئة، بين البازار والولي الفقيه؛ حيث أخذت منحنى الفتور شيئًا فشيئًا، انتهاءً إلى المواجهة وتسيير الاحتجاجات، فبداية الفتور -كما وضح «عزيزي» في دراسته- كانت في عهد الرئيس الإيراني الأسبق «هاشمي رافسنجاني»، حينما وسع الدور الاقتصادي للدولة بإنشاء المولات التجارية، ما أثار استياء مجتمع البازار؛ حيث يُعدُّ ذلك منافسة من الحكومة لمجتمع البازار، إلا أن التوجهات الإصلاحية لرفسنجاني حالت دون تصعيد الأزمة؛ حيث ما لبث أن تحالف البازار مع المتشددين في التصدي لسياسات رافسنجاني حتى نجحوا في سجن المسؤول عن سياسات «رافسنجاني» الاقتصادية ورئيس بلدية طهران «غلام حسين كرباسجي» (1989 – 1998 )، فالبازار لا يقبل بأي منافس في ساحاتهم التقليدية.

سياسات «رافسنجاني» لم تتوقف في تفكيك مجتمع البازار وإضعافه، إضافة إلى أن محاولة توسيع الدور الاقتصادي للدولة فتح الباب أمام «الحرس الثوري» في أن يكون له أذرع اقتصادية، ويرى «عزيزي» أن الحرس الثوري الإيراني لم ينجح فقط في مزاحمة البازار في الميدان الاقتصادي، بل أيضًا نجح في إزاحته من المشهد السياسي، وهو ما تسبب في حالة من الغضب والحنق لدى البازار، ما دفعهم إلى تصدر المظاهرات والاحتجاجات الحالية في إيران.

وتُشير التجارب التاريخية الإيرانية إلى أن احتجاجات البازار في طهران في كثير من الأوقات يحالفها النجاح؛ نظرًا لما تمثله من قوى وتأثير اجتماعي قوى. 

عزلة «قم»
نظام الولي الفقيه في إيران كان قائمًا على مثلث أضلاعه الثلاثة «الملالي في قم، البازار في طهران، الحرس الثوري»، إلا أن فك الارتباط بين البازار والملالي والحرس الثوري قد يُسهم في تحقيق عزلة سياسية كبيرة للنظام الإيراني في الداخل الإيراني، فالبازار تاريخيًّا ما كانوا يلعبون دور الوسيط بين النظام السياسي والمجتمع الإيراني، لكن بعد الخلافات الأخيرة وصعود الدور الاقتصادي للحرس الثوري أدى إلى سخط البازار على النظام الإيراني، ودفعه إلى شن الاحتجاجات المتواصلة منذ شهر ديسمبر 2017، وتجددت مرة أخرى في أبريل 2018، وهو ما يؤكد أن مجتمع البازار في طريقه نحو الثورة على سياسات الولي الفقيه وتقزيم الأداة الاقتصادية للحرس الثوري الإيراني. 

وأخيرًا.. فالأيام القادمة حبلى بالمزيد من التطورات حول مستقبل النظام الإيراني، فهو في حالة تخبط شديدة، خاصة بعد إلغاء الاتفاق النووي من قبل الولايات المتحدة، وغموض مستقبل منصب المرشد الأعلى للثورة الإيرانية، إثر تردي صحة المرشد الحالي «علي خامئني»، وتورط الحرس الثوري في العديد من الصراعات في سوريا والعراق واليمن.
"