يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

المهدي.. ينتظره السُّنَّة والشيعة وينكره الإخوان

الإثنين 25/يونيو/2018 - 10:23 ص
المرجع
محمد الدابولي
طباعة
من حين لآخر تُطالعنا أخبار حول قيام أحد الأشخاص بادعاء «المهدية - المهدوية»، أي أنه المهدي المنتظر، الذي سيُعيد الإسلام إلى سيرته الأولى، وينشر العدل في ربوع الأرض، وعلى الناس اتباعه ومبايعته، وغالبًا يتم التعامل مع هذا الموضوع بنوع من السخرية، ووسم مدعي المهدية بالجنون وقلة العقل والدين، وأشياء من هذا القبيل، وقد ينتهي الأمر إلى إجراء بعض المناظرات مع هذا المدعي حول أفكاره، يكون الهدف الرئيسي منها إبراز جهله، وإثبات ضحالة أفكاره، ورغبته في الشهرة والظهور الإعلامي.
نظام الملالي
نظام الملالي
فكرة «المهدوية» أو ادعاء المهدية من أكثر المفاهيم الدينية، التي تم التعامل معها بنوع من السطحية، وعدم معالجتها بالشكل المناسب؛ حيث إنها حقيقة تُمثل رافدًا فكريًّا قويًّا للجماعات والحركات الراديكالية، سواء في السُّنِّية أو الشيعية، فمثلًا نظام الولي الفقيه في إيران يقوم بالأساس على فلسفة تجهيز الأرض؛ لعودة الإمام الغائب «المهدي المنتظر»، كما أن تنظيم «داعش» استغل العديد من الرموز الدينية خلال إقامته لدولته المزعومة «الخلافة الإسلامية»، التي تُوحي أيضًا بأنه يمهد الأرض لظهور «المهدي المنتظر».

ويمكن القول بأن فكرة «المهدوية» هي الرافد الفكري المنسي للجماعات الراديكالية، فمعظم التحليلات التي عالجت فكر وأدبيات الجماعات الراديكالية كانت تُشير أكثر إلى مفاهيم مثل «الحاكمية» «الجهاد»، «الولاء والبراء» و«الخلافة الإسلامية» و«نصرة المستضعفين»، متناسية بذلك مفهوم «المهدوية».

وهنا يمكن التمييز بين «المهدوية السياسية» و«غير السياسية»، فالمهدوية السياسية هي الحركات والأفكار التي ظهرت من أجل إقامة دولة المهدي، مثل الدولة الفاطمية، ونظام الملالي في إيران، وحركة جهيمان العتيبي في السعودية، أما المهدوية غير السياسية فيمكن تلخيصها في ظاهرة مدعي المهدية؛ من أجل تحقيق الشهرة، والانتشار الإعلامي، ودائمًا تعبر عن حالة من الانهيار المجتمعي.
 الخليفة العباسي
الخليفة العباسي أبوجعفر المنصور
فلسفة المهدوية
فكرة «المهدوية» دائمًا باعثة للسعادة والفخر في نفوس من يؤمنون بها، فهي تُمثل من وجهة نظرهم الأمل الإلهي الذي سيأتي آخر الزمان؛ ليرفع الظلم ويقيم العدل في الأرض، ففكرة المهدي هي «يوتوبيا الدنيا» التي مثلتها قريحة الراديكاليين، كما لم تغب فكرة المهدية أو المخلص، عن أفكار الفلاسفة المعاصرين، فمثلًا الفيلسوف الألماني «فريدريك نيتشه» أوضح أن الغاية الإنسانية، هي الوصول إلى ما يُسمى «الإنسان المخلص»، أو «السوبرمان»، وتكون مهمته تحرير الإنسان من المعتقدات التي تكبله مثل هذه التوجهات السياسية والدينية.

ومثلما كانت فلسفة المهدوية، باعثة للسعادة والفخر في النفوس، كانت أيضًا باعثة لروح الثورة والتمرد في تلك النفوس، فالمهدي هو الثائر الديني الذي سيعمل على رفع الظلم والفساد، وإحلال العدل في ربوع الأرض.

دول مهدوية
جرى استغلال فلسفة المهدوية في التاريخ الإسلامي، لإقامة الدولة وانهيارها، فمثلًا استغل الخليفة العباسي «أبوجعفر المنصور» فلسفة المهدوية، ومكانتها الخاصة في نفوس المسلمين؛ من أجل التجهيز لابنه الملقب بـ«المهدي» لتولي الحكم من بعده.

وعلى الجانب الآخر من العالم الإسلامي وفي بلاد المغرب، ظهر شخص يُلقب بـ«عبدالله المهدي»، ادعى أنه من نسل فاطمة، وأنه المهدي المنتظر، ونجح في إقامة دولته في بلاد المغرب تحت مسمى الدولة العبيدية، أو الفاطمية، وبنى مدينة «المهدية» في تونس حاليًّا؛ لتكون عاصمة دولته، قبل أن تصبح القاهرة عاصمة للدولة الفاطمية.

ولم تكن الدولة العبيدية الفاطمية، هي الدولة المهدية الوحيدة في بلاد المغرب؛ إذ ظهرت أيضًا دولة أخرى، ادعى مؤسسها فكرة المهدية، وهي الدولة المعروفة باسم دولة الموحدين (1121 - 1269)؛ حيث ادعى «محمد بن عبدالله بن تومرت العلوي الحسني» أنه المهدي المنتظر في صفوف القبائل البربرية، ونجح في إقامة دولته «الموحدين» في المغرب الأقصى.

وفي العصر الحديث، ادعى السوداني «محمد أحمد بن عبدالله» (المهدي السوداني) المهدية، وإقامة دولته المهدية في السودان عام 1881، ومحاربة الحاكم المصري للسودان «رؤوف باشا»، وبالفعل نجح في إقصاء الحكم المصري من السودان، وإقامة دولته المهدوية التي استمرت قرابة عقدين من الزمان.
حادثة الحرم المكي
حادثة الحرم المكي
مفارقة 1979 
يُعدُّ 1979، عام المفارقة في الفكر المهدوي؛ حيث تصاعد بشكل غير مسبوق، ويمكن اعتباره «عام المهدوية»، ففي فبراير 1979 نجحت الثورة الإسلامية الإيرانية، التي مثلت انتصارًا لفلسفة «الخميني» المتمثلة في تهيئة الأرض؛ لعودة الإمام الغائب (المهدي).

وفي نوفمبر 1979، تعرض المسجد الحرام لعملية إرهابية، تحت زعم خروج المهدي المنتظر؛ حيث لعبت فكرة خروج «المهدي المنتظر» الإطار والمحرك الفكري للجماعة الإرهابية، التي احتلت المسجد الحرام، فـ«جهيمان العتيبي» أقنع «محمد بن عبدالله القحطاني» بأنه المهدي المنتظر وبايعه على ذلك، وأخذ له البيعة من أتباعه «الجماعة السلفية المحتسبة – الجهيمانية» وبناءً على هذه الفكرة (ظهور المهدي) نفذ أتباع جهيمان أكبر عملية إرهابية تجاه المسجد الحرام، تحت زعم نصرة «محمد بن عبدالله القحطاني» المهدي المنتظر.

وبدأت أحداث ما يُعرف بحادثة الحرم المكي فجر 20 نوفمبر 1979، حين استولى أكثر من 200 مسلح على الحرم، مدعين ظهور المهدي المنتظر، وذلك إبان عهد الملك خالد بن عبدالعزيز، وهزت تلك العملية العالم الإسلامي برمته، فقد تسببت بسفك الدماء في باحة الحرم المكي، وأودت بحياة بعض رجال الأمن والكثير من المسلحين المتحصنين داخل الحرم
المهدي.. ينتظره السُّنَّة
«داعش» والمهدية
لم تخلُ أدبيات تنظيم «داعش» من الإشارات الخاصة بظهور «المهدي»، وتمهيد الأرض؛ من أجل عودته، فمثلًا عمل على استغلال الأهمية المكانية والدينية لقرية «دابق»، ذات البُعد والدلالة الدينيين المتعلقين بإرهاصات ظهور المهدي المنتظر، فطبقًا للحديث النبوي الشريف «لا تقوم الساعة حتى تنزل الروم بالأعماق أو بـ(دابِقَ)»، رواه أبوهريرة، أخرجه مسلم، فالحديث يتكلم عن حرب كبرى بين المسلمين والروم في آخر الزمن يقودها «المهدي المنتظر».

ومن هنا حرصت أدبيات التنظيم الإرهابي على توظيف قرية «دابق» للتحقيق في تجنيد المزيد من المسلمين، فالتنظيم كان حريصًا على احتلال «دابق» والسيطرة عليها، لما تُمثله من رمزية مكانية في الميتافيزيقا الإسلامية، كما أن الذراع الإعلامية للتنظيم سُميت بـ«مجلة دابق» للتذكير بالملحمة الكبرى التي سيخوضها المسلمون تحت راية «المهدي» في آخر الزمان.


المهدي.. ينتظره السُّنَّة
مصر في الفكر المهدوي الشيعي
يقول المرجع الشيعي علي الكوراني: «مصر تحتل مكانة متميزة في الفلسفة المهدوية الشيعية، فهي دولة نائب الإمام ووزرائه النجباء، ومن المقرر أن يذهب المهدي برفقه أصحابه إلى مصر ويصعد إلى منبرها»، وتُشير الروايات الشيعية الى أن دخول المهدي لمصر ليس دخول فتح أو غزو، بل سيكون محل ترحيب واستقبال من المصريين.

ويحدد «الكوراني» موقف مصر من الدعوة المهدية، زاعمًا أنها دولة الدعوة، ودولة التجهيز، فستكون منبرًا دعويًّا مهمًّا للفكر المهدوي من ناحية، ومن ناحية أخرى ستكون دولة التجهيز لمسيرة جيش المهدي.

ومن هنا يمكن تفسير الاهتمام المستمر من قبل نظام الفقيه على التغلغل في مصر، ودعم أذرعه فيها؛ من أجل تجهيز «دولة وزراء الإمام» «النجباء»؛ لكي تستقبل المهدي فور ظهوره، وتقدم الدعم له، ومنها يخرج إلى باقي دول العالم ناشرًا فكرته ودعوته
حسن البنا
حسن البنا
الإخوان وإنكار المهدي
وعلى عكس التيارات الراديكالية الأخرى، لم يكن للإخوان موقف مؤيد لفكرة ظهور المهدي، وبناء دولته، فمؤسس الجماعة «حسن البنا» في كتابه «حديث الثلاثاء»، الذي جمعه وأعده «أحمد عيسى عاشور»، أوضح أـنه لم يرد حديث صحيح يُبيّن فكرة ظهور المهدي المنتظر، وأن الأحاديث التي تناولت ذلك الأمر أحاديث ضعيفة، وهو الأمر الذي اعتبره البعض إنكارًا لمسألة خروج المهدي المنتظر، التي تُعدّ عقيدة أصيلة في فكر أهل السُّنة والشيعة.

ويعوّل البعض إنكار حسن البنا لفكرة ظهور المهدي، أو بالمعنى الأدق إهمالهم لتلك الفكرة، إلى تعارض فكرة المهدي مع المشروع الإخواني، فمن الثابت لدى السُّنة والشيعة أن المهدي سيخرج آخر الزمان؛ ليحلّ العدل والقسط في العباد والبلاد، وهو ما يُعدّ تعارضًا مع المشروع الإخواني القائل بأهمية إقامة الدولة الإسلامية، وعودة الخلافة الراشدة التي ستقيم العدل والمساواة، فلا عدل سيطبق سوى العدل الذي ستطبقه الدولة التي يقيمها الإخوان فقط، حسب مزاعمهم.

وبالفعل وضعت أحاديث «البنا» حول «المهدي»، الجماعة في موقف محرج أمام المسلمين؛ ما دفع البعض من أعضاء الجماعة إلى إنكار الإنكار؛ أي إنكار أن حسن البنا تناول هذا الأمر من أساسه، فمثلًا الإخواني الهارب في تركيا «عصام تليمة»، أوضح أن المحرر الذي حرر الكتاب «أحمد عيسى عاشور» دائمًا ما كان ينسى تدوين كل كلام «حسن البنا»، ومن المحتمل أن يكون نسي شرح وجهة نظر البنا كاملة في هذا الأمر، كما ادعى أيضًا أن بقية كتب «البنا» خالية من فكرة المهدية، ومن ثم هو لم ينكر ظهور المهدي.
"