يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

تداعيات الانسحاب الأمريكي من أفغانستان على الإرهاب في آسيا الوسطى

الأربعاء 04/أغسطس/2021 - 04:33 م
المرجع
نهلة عبدالمنعم
طباعة

تكثر التكهنات حول التأثيرات الإقليمية لانسحاب الولايات المتحدة وحلفائها في حلف شمال الأطلنطى «ناتو»، من أفغانستان، لا سيما منطقة آسيا الوسطى ذات السمات الخاصة تاريخيًّا وسياسيًّا، والتي قد تجعل من التحولات الجيوسياسية بالإقليم بؤرة اضطراب قارية.

تداعيات الانسحاب

وتتسم منطقة آسيا الوسطى التي تضم كلا من «أوزبكستان وكازاخستان وطاجكستان وتركمانستان وقيرغيزستان»، بسمات تاريخية ومجتمعية جعلت من السلفية الجهادية تيارًا مؤثرا بالداخل، فضلًا عن امتداد جغرافي وثروات طبيعية أسهما في تبوئها مركزًا مهما في خريطة الصراع الدولي بين الكيانات الكبرى، وأبرزهم الصين وروسيا والولايات المتحدة.

ومن ثم فإن الفراغ الأمني الذي أحدثه الانسحاب العسكري الأمريكي من أفغانستان بما خلفه من تصعيد داخلي بين قوات الحكومة الافغانية وحركة طالبان وتنظيم داعش من المحتمل أن يؤثروا على استقرار آسيا الوسطى، وبالأخص مع زيادة المعارك بين طالبان والحكومة الأفغانية على حدود المنطقة وتمكن الأولى من السيطرة على مساحات شاسعة منها، إلى جانب سعي الدول الكبرى لجعل أمن المنطقة متغيرًا لصالح النفوذ السياسي والاقتصادي.

الأبعاد المحتملة لانتشار الإرهاب بآسيا الوسطى

تعاني المنطقة بالفعل من انتشار جماعات متطرفة بداخلها أبرزها «الجماعة الإسلامية الأوزبكية»، والتي كانت موالية لتنظيم القاعدة ومؤسسه أسامة بن لادن، كما أسهمت في العمليات التي نفذها التنظيم، وذلك بحسب مجلس الأمن التابع لهيئة الأمم المتحدة التي أدرجت الجماعة على لائحتها للإرهاب في أكتوبر ٢٠٠١.

ومع بداية نشاط تنظيم داعش وانتشاره على الساحة الدولية أعلن تيار من الجماعة الاسلامية الأوزبكية انضمامه للتنظيم، ما يعني أن استفحال وضع داعش في المنطقة وبالأخص الحدودية، سيضع دول آسيا الوسطى في مواجهة مباشرة مع علاقات تعاونية قد تجري بين فرع خراسان وأتباعه بالداخل، غير أن النجاح الظاهري لحركة طالبان في أفغانستان قد يستميل الإرهابيين بالداخل لمساعدة داعش في تكوين ولاية مترامية الأطراف بالمنطقة تستوعب متطرفي الداخل إلى جانب القادمين من سوريا والعراق ومناطق انحسار التنظيم لمنافسة النموذج الطالباني.

ولا يقتصر الانتشار الإرهابي بداخل آسيا الوسطى على ارتباطات أيديولوجية بالتنظيمات الراديكالية ذات البعد الدولي وحسب، ولكن تتورط الجماعات بالداخل في تنفيذ الهجمات المختلفة من آن لآخر.

تداعيات الانسحاب

وفي هذا الإطار يقول، حسن أبو طالب، مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية: إن الانسحاب الأمريكي خلق ارتباكًا واسعًا لدى الدول المحيطة بأفغانستان، وهذا الارتباك سببه أن واشنطن كان على عاتقها طوال السنوات الماضية حفظ ارتداد طالبان عن المنطقة، ومن ثم لا يجب إغفال أن طالبان لديها امتداد قبلي وعرقي وأيديولوجي مع باقي الجماعات المتطرفة في المنطقة.

وأضاف الباحث، في تصريح لـ«المرجع» أن المفاوضات بين واشنطن وطالبان بشكل آحادي أعطى ثقة كبرى للحركة، وبالتالي فإن أبرز التأثيرات المحتملة لهذا الوضع على منطقة آسيا الوسطى، هو تصاعد الرغبة في تقليد هذا النموذج عبر توحد المتطرفون بالداخل لتشكيل جماعة تحارب ضد النفوذ الروسي والحكومات الوطنية باعتبارها مخالفة للدين من وجهة نظرهم، إذ يعتقد الباحث أن الأثر النفسي للانسحاب هو أبرز ما ستعانيه المنطقة مستقبلا.

وفيما يخص تنامي نفوذ داعش بآسيا الوسطى والأقاليم المحيطة بأفغانستان، يشير حسن أبو طالب إلى أن الفكر الراديكالي لتيارات السلفية الجهادية مرشح بقوة للانتشار وسيشهد تصاعدًا بالمنطقة خلال المرحلة القادمة لعدة أسباب أبرزها الرغبة في تقليد القاعدة إلى جانب التصعيد الفكري لأيديولوجية التطرف التي يتبناها تنظيم القاعدة، والذي سيؤثر بدوره على خلق تيارات جديدة قد تتسبب في اضطراب أمني كبير.

ومن الدلائل حول احتمالات تصاعد الاضطراب الأمني بالمنطقة لفت الباحث بمركز الأهرام، إلى عمليات اقتحام السجون الأخيرة في المنطقة وكابول بعد الانسحاب الأمريكي، وأن هذه الاقتحامات هدفها إرباك الحكومة، وخلق حالة من عدم وضوح الرؤية السياسية والفوضى الأمنية.

أما عن فرص داعش بشكل محدد في الانتشار بالمنطقة استغلالا للوضع الراهن، يقول أبو طالب إن تنامي داعش سيكون محدودًا خلال المرحلة المقبلة لتأثيرات الاتفاق بين الإدارة الأمريكية وزعماء حركة طالبان بعدم السماح لـداعش بالتمدد في المنطقة حماية للمصالح الأمريكية بغض النظر عن مصالح المنطقة المحيطة أو مصالح الأفغان أنفسهم.

تداعيات الصراع الدولي على أمن آسيا الوسطى

تستحوذ هذه منطقة آسيا الوسطى على اهتمام الدول الكبرى لوجود حدود مشتركة من جهة ولتبعية تاريخية من جهة أخرى، فضلا عن الثروات الطبيعية والرغبة في السيطرة والتواجد بالقرب من البقاع الساخنة، ما يؤثر بالضرورة على استتاب الأوضاع الداخلية.

ويبقى التساؤل حول المصالح الدولية في هذه المنطقة مرتبطًا بقدرة الكبار على الحفاظ على منافعهم السياسية والاقتصادية والأيديولوجية في ظل تهديد إرهابي، يضاعفه انسحاب الولايات المتحدة ومنافستها على هذا النفوذ أيضًا.

وشهدت المرحلة الأخيرة تصريحات متعددة من الجانب الروسي، تحذر طالبان من المساس بأمن دول آسيا الوسطى مع تعهدات من قادة الحركة بالحفاظ على الأمن داخليًّا، كما أن الصين تحضر لزيارة رسمية للمنطقة للتنسيق الأمني والسياسي.

وحول دور المصالح بين الدول الكبرى ودول آسيا الوسطى ومدى تأثرها بالانسحاب، تقول نورهان الشيخ، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، الباحثة المتخصصة في الشأن الآسيوي، في تصريح لـ«المرجع» إن روسيا كان لديها الوعي الكافي بحاجة المنطقة للاهتمام بعد الانسحاب الأمريكي، ولذلك فهي خططت جيدًا للوضع، لافتة إلى أن موسكو أكدت عبر وزير خارجيتها سيرجي لافروف أنها تقبل بأن تنقل الولايات المتحدة نفوذها في المنطقة من أفغانستان إلى آسيا الوسطى، وهو ما لوحت به الإدارة الأمريكية خلال الفترة الماضية.

وأضافت الشيخ أن عددًا من دول المنطقة أعضاء في معاهدة الأمن الجماعي، وهي حلف سياسي وعسكري تقوده روسيا، بالإضافة إلى أن باقي الدول أعضاء في منظمة شنغهاي وهي منظمة تقودها الصين وروسيا، وبالتالي بدأت روسيا بدعم من الصين تتحرك عبر هاتين المنظمتين لتعزيز الأمن والتعاون العسكري، ويظهر ذلك في المناورات الأخيرة بين روسيا وأوزبكستان وعلى الحدود الأفغانية الطاجيكية، في رسالة واضحة بأن دول آسيا الوسطى وباكستان وروسيا لن يسمحوا بوجود دواعش أو تصاعد في أنشطتهم.

تشدد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، على أن دول المنطقة تتعاون مع طالبان لمنع داعش من الانتشار، وأنهم سيعملون مجتمعين لمنع الولايات المتحدة من إعادة نشر قواتها، بالإضافة إلى منع استغلال الوجود الداعشي لحلحلة الأمن في المنطقة، مؤكدة أن التعاون الدولي بين الدول الكبرى وما يربطهم، وبالأخص روسيا والصين من مصالح بآسيا الوسطى سيعمل على تقويض فرص الإرهاب بالانتشار في المنطقة، وسيخفف من التأثيرات الأمنية لانسحاب واشنطن.

المزيد.. الصين وباكستان.. بين التصعيد الإرهابي وتحديات الأمن المشتركة

"