يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

الإرهاب في آسيا الوسطى.. الدوافع والمسارات

الأربعاء 27/يونيو/2018 - 06:07 م
المرجع
محمود رشدي
طباعة
تُمثل ظاهرة الإرهاب إحدى أهم الإشكاليات المُتصاعدة في منطقة آسيا الوسطى، التي تضم جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابقة (تركمانستان، وكازاخستان، أوزبكستان، قيرغيزستان، طاجيكستان) في ظلِّ وجود تنظيم «القاعدة» في أفغانستان المجاورة بحدود تصل لأكثر من 1000 ميل على حدود هذه الدول، وتصاعد خطر الإرهاب في آسيا الوسطى عقب تزايد أعداد مواطنيها داخل داعش في سوريا والعراق. 

لحركة المعارضة الإسلامويَّة تاريخٌ طويلٌ من الصراع في المنطقة يعود إلى مرحلة روسيا القيصرية (1721–1917). 

وبعد الحرب العالمية الأولى، تصاعدت الحركات المناوئة لتقدم قوات الاتحاد السوفييتي، بعد نجاح الثورة البلشفيَّة عام 1917، في آسيا الوسطى، كما شكل تنظيم «داعش» المرحلة التاليَّة للحركة الراديكاليَّة بالمنطقة.

جذور الحركة الراديكاليَّة بآسيا الوسطى
بعد الغزو السوفييتي 1979 لأفغانستان، تحولت المعارضة السياسية الإسلاموية بالمنطقة من مقاومة الاحتلال السوفييتي إلى جماعات راديكالية بعدما ارتبطت بتنظيم القاعدة، الذي فتح طريق الجهاد من كل أنحاء العالم للانضمام إليه، وانضم عددٌ كبيرٌ من مقاتلي آسيا الوسطى لتنظيم القاعدة لمقاتلة القوات السوفييتية. 

بعد الانسحاب السوفييتي عام 1989، والانهيار اللاحق للاتحاد السوفييتي، فإن إنشاء ألوية إسلاموية لمحاربة القوات السوفييتية المحتلة في أفغانستان كانت إلهامًا لمقاتلي آسيا الوسطى للعودة مرة أخرى، وإعادة نسخ نموذج الجهاد الأفغاني داخل بلادهم. 

وعلى الرغم من ارتباط الإرهاب بالتأثيرات الخارجية، فقد تم تحفيز التنظيمات الراديكالية من خلال الأحداث السياسية بالمنطقة؛ التي كونتها السياسات الاستبدادية لحكومات آسيا الوسطى، فقمعت المعارضة السياسية تحت ذريعة الحرب على الإرهاب، وانتهاج العنف ضد المواطنين، ما تمخض عنه استياء عام من المدنيين، وأسهم في نشأة الحركات الاجتماعية الراديكالية التي تدعو للعنف.

مفهوم الجهاد لدى الجماعات الإسلاموية 
في جميع دول آسيا الوسطى، يرتبط خطر الإرهاب بمجموعة من الحركات الإسلاموية؛ التي لديها رؤى متضاربة للإسلام وتفسيرات مختلفة عن مفهوم الجهاد وعلاقة الإسلام بالحداثة، ومن بين عدة أسئلة تنظر بعض الجماعات الإسلاموية إلى الجهاد بمفهوم عسكري خالص، والعنف كوسيلة مشروعة للتأثير على السياسة.

ويرى الإسلامويون ضرورة الرجوع إلى عصر الرسول، إذ تعتقد أن صورة الإسلام كانت موجودة فقط في هذا العصر، وأن الانحلال الديني والأخلاقي والسياسي هو بسبب البُعد عن تطبيق الشريعة الإسلاموية، والبُعد عن تأسيس المجتمع بعيدًا عن قالب الحياة في عصر الرسول، ولذا لابد من الرجوع إلى أسلمة المجتمعات، وإنشاء دول آسيا الوسطى الإسلاموية. 

أبرز الجماعات المتطرفة
تعتبر جماعة أدولت «Adolat» أو حركة «العدل» واحدة من أوائل الحركات الراديكالية، وبدأت في جمهورية أوزبكستان بمنطقة تعرف بوادي فرغانة، تلك المنطقة المكتظة بالسكان، المنقسمة سياسيًّا بين أوزبكستان وطاجيكستان وقيرغيزستان؛ التي أصبحت بؤرة لانبعاث التيارات المتطرقة بآسيا الوسطى.

شاركت تلك الحركة في عدد من العمليات الإرهابية ضد السلطات الحكومية، التي تدين بالتيار العلماني، ورأت الحركة بأن السلطة «كافرة» لبعدها عن التيار الديني والشريعة الإسلامية، وعقب تشديد الخناق عليها من قبل الحكومة الأوزبكية، لجأت إلى طاجيكستان، وقاتلوا في الحرب الأهلية الطاجيكية (1992-1997).

كما انشق عنها عدد من الحركات، ومنها الحركة الإسلامية لأوزبكستان (IMU)، التي سعت للإطاحة بالنظام الأوزبكي في عام 1999، وتوسعت مهمتها لإنشاء خلافة إسلاموية بدول المنطقة، ودخلت الحركة في سجال من المواجهات المسلحة مع النظام منذ تأسيسها، كما أدين بعدد من الهجمات في قيرغيزستان بداية الألفية الثالثة، وانشقت عنها تنظيمات أخرى مثل جنود الخلافة (JaK) وجند الخلافة (ETIM). 

دوافع نشأة التنظيمات الإسلاموية
نشأت الحركات الراديكالية بدول آسيا الوسطى، نظرًا لعدة أسباب وفرت البيئة الخصبة لتصاعد وتيرة الحركات الإسلاموية المتطرفة، وغذت العمل الجهادي ضد الأنظمة السياسية، ومنها: 

القرب الجغرافي من كابل، موطن تنظيم «القاعدة»، ومشاركة عدد من مواطني دول آسيا الوسطى في العمليات الإرهابية التي نفذتها القاعدة ضد الاحتلال السوفييتي، الأمر الذي نتج عنه عدد لا بأس به من المقاتلين المخضرمين الذين عادوا إلى أوطانهم بأجندة تناقض المصالح الروسية بها، وتطبيق نموذج إسلامي ينافي التيار العلماني المسيطر على السلطة. 

الفراغ الأيديولوجي الإسلامي الذي أعقب زوال الأيديولوجية الشيوعية؛ أشعل اهتمام الناس بتراثهم الروحي والديني، في حين أن الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتدهورة والسياسات القمعية المتزايدة للأنظمة الحاكمة لها غذت تطرف الدين. 

الضغوط التي سببتها الظروف الاجتماعية والاقتصادية، كالفقر وسوء الحكم والتوترات العرقية والدينية أثارت الاستياء العام؛ ما أدى إلى نشوب أعمال عنف.

الرؤى المغايرة للنظم السياسية التي رأت الرجوع إلى العصور الأولى الإسلامية هي الحل الوحيد للخروج من الأزمات الاقتصادية، ولذا دعت لأسلمة المجتمعات.

داعش في آسيا الوسطى
بعد ظهور تنظيم «داعش» في سوريا والعراق، وشرعت التنظيمات الإرهابية في أفغانستان وباكستان لمبايعة «أبوبكر البغدادي»، زعيم التنظيم، ولأن التنظيم حرص على جذب مقاتليه من كل أنحاء العالم، ولم تكن آسيا الوسطى بعيدة عن الأنظار، إذ استقطب التنظيم عددًا لا بأس به للقتال في سوريا والعراق. 

وعلى الرغم من عدم ظهور تنظيمات جهادية تابعة لمجاهدي آسيا الوسطى، مثلما كانت لمنطقة شمال القوقاز، مثل «تنظيم أبي عمرو الشيشاني» فإن هناك إرهابيين شاركوا في تنفيذ عمليات إرهابية في تركيا وروسيا، مثل الحدث الإرهابي الذي قام به الأوزبكي في ملهى بتركيا خلال الاحتفال بليلة رأس السنة لعام 2016، والهجوم الذي نفذه الانتحاري من قيزغيستان في سان بطرسبرج في روسيا أبريل 2017، وعدد من الهجمات التي أحبطت من قوات الأمن الروسي الذي حاول تنفيذها انتحاريون من آسيا الوسطى بروسيا.

وتتركز المخاوف في الوقت الراهن بعد هزيمة «داعش» في سوريا والعراق من عودة مقاتلي آسيا الوسطى إلى بلدانهم، لإعادة وتوسيع العمليات الإرهابي ضد الحكومات المحلية، كما ضاعف «داعش» قلق هذه الدول مع إعلانه عن إطلاق ما يُسمى ولاية «خراسان» عام 2015، التي تدين بالولاء لزعيم التنظيم أبي بكر البغدادي.

خاتمة 
أدت الأزمات السياسية والاقتصادية التي مرَّت بها دول آسيا الوسطى إلى تآكل شرعية الأنظمة السياسية، وشجعت التنظيمات الإرهابية للنهوض، واتخاذ الوهن الاجتماعي ذريعة لمهاجمة الحكومات، وكسب ود المواطنين، ونتيجة السياسة الروسية الصارمة ضد المهاجرين إليها من دول آسيا الوسطى ازداد عدد الناقمين عليها من الذين يسعون للانتقام بتوجيه عملياتهم الإرهابية داخل روسيا.

وتبقى منطقة آسيا الوسطى بيئة خصبة لعودة مقاتلي داعش، خاصة على الحدود بين دولها، والتي توفر الملاذ الآمن للإرهابيين من الأزمات الاقتصادية والفراغ الأمني، ولا تبعد المنطقة عن الصراع الدولي بين روسيا والولايات المتحدة في المنطقة من توليد شعور ناقم لدى مواطنيها على الأنظمة السياسية الموالية للدول الكبرى، والتغاضي عن تحسين الخدمات الأساسية للمواطن.
"