يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«العشرية السوداء» في الجزائر.. تشدد ديني وهجوم على الصوفية

السبت 14/يوليه/2018 - 10:53 ص
المرجع
عبدالهادي ربيع
طباعة
يواجه العالم العربي الآن موجةً قويةً من انتشار الفكر التكفيري والإرهابي، إضافةً إلى ما يعانيه العالم كله من انتشار العمليات الإرهابية، غير أن الجزائر كانت لها تجربة سابقة مع الإرهاب، تحت مسمى العشرية السوداء (صراع مسلح قام بين النظام الجزائري وفصائل الإرهاب المتعددة 26 ديسمبر 1991- 8 فبراير 2002).

ولجأت الجزائر إلى الصوفية، كأحد الحلول المنهجية لمواجهة الفكر التكفيري، وانتشار العمليات الإرهابية، وأسهمت هذه الطرق بشكل كبير في هذه المواجهة، إضافةً إلى دورها البارز فيما بعد المواجهة، من ترسيخ الفكر الوطني والتحييد الوجداني للمنتسبين السابقين إلى التنظيمات الإرهابية، خاصةً أن الطرق الصوفية في الجزائر تمتلك أكثر من 1600 زاوية بتاريخ يمتد لأكثر من 10 قرون.

وتُعد أشهر الطرق الصوفية الموجودة في الجزائر، التي كان لها دور كبير في هذه المواجهة الفكرية والدينية: الطريقة القادرية (سُنِّيَّة، تُنسب إلى عبدالقادر الجيلاني (1078- 1166) وينتشر أتباعها في بلاد الشام والعراق ومصر وشرق أفريقيا).

وهي أول طريقة تدخل إلى المغرب العربي، على يد «أبومدين الغوث شعيب بن الحسين الأنصاري»، والمعروف باسم سيدي بومدين (1126- 1198)، الذي التقى بعبدالقادر الجيلاني في بغداد، وأخذ عنه أُسُس هذه الطريقـة، وللطريقة القادرية في الجزائر أكثر من 33 زاوية، ينتمي إليها أكثر من 25 ألف مُريد.

كما تُعد التيجانية من أشهر الطرق في الجزائر (سُنِّيَّة، تُنسب إلى أبي العباس أحمد بن محمد بن المختار بن سالم التيجاني «1737- 1815م»، وينتشر أتباعها في شمال أفريقيا وفلسطين وموريتانيا والسنغال ونيجيريا).

وشاركت الشاذلية في رسم المشهد الصوفي الجزائري (تُنسب إلى أبي الحسن الشاذلي «1175-1258»)، وكان مركز «الشاذلي» الأول هو مصر، وبخاصة في الإسكندرية، وطنطا، ودسوق بمحافظة كفر الشيخ (شمالي مصر)، ثم انتشرت في بقية البلاد العربية. وأهم مناطق نشاطها المغرب العربي وسوريا والأردن وحضرموت، والسودان وجزر القمر، وتفرع عن الشاذلية العديد من الطرق، وفي الجزائر يُوجد منها: الزروقية واليوسفية والعيساوية والكرزازية والشيخية والناصرية والطيبية والزيانية والحنصالية والحبيبية والمدنية والدرقاوية بفروعها المختلفة، وأشهرها البلقايدية.

كما تنتشر إلى جوار هذه الطرق الرئيسية، طرق فرعية كان لها دور كبير في الجزائر، مثل الرحمانية (أسسها سيدي محمد بوقبرين في الجزائر سنة 1774 وهي أحد فروع الطريقة الخلوتية نسبة إلى محمد بن أحمد بن محمد كريم الدين الخلوتي، المُتوفى في مصر سنة 1578)، وللرحمانية في الجزائر فروع في الشرق والجنوب، من أشهرها زاوية الهامل بـ«بوسعادة»، التي تحمل لواء الطريقة في هذه الأيام، وزاوية الحملاوي وباشتارزي في قسنطينة، وخنقة سيدي ناجي ببسكرة.

الصوفية والعشرية السوداء
لاقت الصوفية هجومًا شديدًا من التيارات المتشددة إبان فترة العشرية السوداء، وانتشر القتل والخطف وهدم الأضرحة، إلا أن الصوفية قاومت المتشددين؛ اعتمادًا على قاعدتها العريضة خاصةً بين الريفيين؛ ووقفت كحصن منيع لصون وحدة المجتمع الجزائري، وحمايته من مختلف تيارات التطرف والعنف.

كما شنَّت مختلف الطرق الصوفية حملات توعوية؛ للحد من ظاهرة العنف، ومحاولة توضيح المغالطات الدينية التي يتعرض لها الشباب الجزائري، كما شاركت الزوايا الصوفية في حل النزاعات بين أبناء القبيلة الواحدة؛ حيث اعتبر كثير من الجزائريين الزاوية مركزًا لوحدة القبيلة، فأسهمت في فك الخصومات، وكفالة اليتامى والأرامل، وتأهيل المنتسبين السابقين إلى الجماعات الإسلامية، والمحافظة على عادات المجتمع الجزائري.

وتلقت الطرق الصوفية دعمًا كبيرًا من الحكومة الجزائرية، في سبيل تنميتها؛ لمواجهة الأفكار المتطرفة، ولتجنب الوقوع في عشرية سوداء أخرى، فتدعم الحكومة الزوايا الصوفية في المجالات كافة، وتفتح لهم المساجد والزوايا؛ لممارسة طقوسهم المختلفة، كما أنهم لا يُلاحَقون أمنيًّا، بل سمحت لهم بإنشاء مدارس قرآنية لنشر أفكارهم (الزوايا في الجزائر أو «المحاضر» جمع محضرة، تتكون من 3 أجزاء مدرسة قرآنية صغيرة ومسجد للصلاة، ومكان إقامة التلاميذ القادمين من مناطق بعيدة)، التي تتسم بالاعتدال في مواجهة الفكر التكفيري، كما أن الجزائر تعيَّن بواقع الحال 90 بالمائة من المتخرجين في هذه المدارس في مناصب أئمة المساجد.

ولا تقتصر الزوايا الصوفية الجزائرية على دورها الديني، بل تُعد أحد أهم القوى السياسية والاجتماعية في الجزائر، ويمتد تأثيرها ليفوق تأثير كثير من الأحزاب السياسية، خاصةً في المناطق الريفية، وتتعدى ذلك للتدخل الواضح في الشؤون السياسية؛ حيث تُعتبر الصوفية في الجزائر أداةً تعبويةً مهمةً، بالنسبة إلى الحكومة الجزائرية، ومثال على ذلك، طَالَبَ أمينُ عام اتحاد الزوايا (أكبر تجمع للطرق الصوفية في الجزائر) عبدالقادر ياسين- الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة (2 مارس 1937) الرئيس العاشر للجزائر منذ التكوين والرئيس الثامن منذ الاستقلال- أن يترشح لولاية رئاسية رابعة في العام المقبل (2019).
"