يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«الحضرة» وَاحَةُ ذِكْرٍ وملاذ عاشقي الروح

الإثنين 28/مايو/2018 - 08:57 ص
المرجع
سمر حسن - تصوير نورهان محسن
طباعة
من إحدى البنايات السكنية العريقة بوسط القاهرة، وداخل شقة تتزين جدرانها بصور مشايخ الصوفية، يخرج صوت جماعي يمدح النبيَّ محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بعذوبة تتمايل لها الرؤوس، وكلمات تخطف الروح لحالة التجلّي، تتخللها أصوات العود، والناي، والكمان، تلك الآلات التي اجتمع حولها أعضاء فرقة «الحضرة» كعادتهم الأسبوعيّة في «البروفة»، وخلف الكواليس، كان «المرجع» يحاورهم.

بزيّ مغاير عن الزي الذي اشتهر به أعضاء الفرقة المكون من الجلباب الأبيض، والعمامة الخضراء، ظهر شاب ثلاثيني مرتديًا ملابس تحاكي الموضة الحالية، يتحرك في أرجاء المكان المخصص للبروفة، مناديًا بنبرات حماسية، على باقي الفرقة للتمرين على القصيدة الجديدة.
«الحضرة» وَاحَةُ
وقبل بدء التدريب قال «نور ناجح»، مؤسس الفرقة، في حواره مع الـ«مرجع»: إن فكرة تأسيس الفرقة تعود إلى 2014 عندما دُعيَ إلى حضرة للطريقة الخليلية بمسجد السيدة زينب، وأراد منذ تلك اللحظة نقل الذكر بكلماته الروحانية من المسجد إلى المسرح؛ لتصل إلى قطاع عريض من الشباب، خاصةً في ظلِّ الظروف الراهنة التي تسيطر عليها موجات التطرف والإرهاب، وتمثل السبب الثاني في شَغَفِه بنقل تراث مصر، وما يحمله من قصائد بشكل الإنشاد الجماعي؛ إذ يسيطر «الجماعي» على الإنشاد في مصر قبل ظهور فرقة الإنشاد الفردي.

«كنتُ عايز 20 منشدًا عشان يطلعوا صوت البطانة في المديح».. قالها لأنه لم يكن عشوائيًّا في تحديد أعضاء فريقه، بل بحث بدقة عن المنتمين إلى الطرق الصوفية؛ ليشكل فريقه المكون من 15 شخصًا؛ عشرة منشدين و5 عازفين، فكان العازف «سعيد طلعت» المنتمي إلى الطريقة النقشبندية أول المنضمين، وذلك في 2014، ومن بعده المنشد «محمد عبدالعزيز» المنتمي إلى الطريقة نفسها والدارس للموسيقى، وفي أبريل 2015 تكون الفريق بشكل كامل من طُرق صوفية متعددة (الطريقة الخليلية - والطريقة النقشبندية - والطريقة الدومية الخلوتية - والطريقة البرهانية - والدسوقية الشـاذلية - والطريقة الإدريسية). 

وفى حالة تأثر سيطرت على «نور» انتقل بالحديث عن المرحلة التي تمرُّ بها القصائد من الاختيار، إلى طرحها على الجمهور، فيتم الرجوع إلى قصائد أعلام الصوفية العارفين، مثل: رابعة العدوية، والشيخ الأكبر «محيي الدين ابن عربي»، و«عمر بن الفارض»، ومن ثم اختيار الملائم للفرقة ويقول: «فضلنا 3 سنين عشان نعرف إيه القصائد اللي هتليق علينا»، حتى عَلِمَ أن القصائد المتعلقة بالصعيد والعامية لها مكانة خاصة في قلب الجمهور، ومن ثم يتم تنقيح القصائد بواسطة المصحح اللغوي للفرقة «عمر مسعد»، ثم تلحينها والتدريب عليها بواسطة مجموعة من أربع آلات موسيقية ذكرها «نور»، وهي (العود والكولة -التي تُشبه الناي- والدفوف، والكمان). 

عاد الشاب الثلاثيني لباكورة حفلات الحضرة، التي انعقدت في شهر رمضان 2015 بحديقة الأزهر؛ ليصف امتزاج قلوب الجمهور مع إنشاد المادح وآلاته، خاصةً أن الفرقة لا تستخدم لونًا موسيقيًّا واحدًا، بل تمزج بين الموسيقى الصوفية والكلاسيكية والموشحات الأندلسية، من خلال التعاون مع فرق أخرى مثل «رباعي الأوتار» -فرقة تمزج بين موسيقى التانجو والشرقي- وأكد أن قصيدة «مدد مدد يا سيدة»، من أكثر القصائد المعلقة في قلب وروح «حبايب الحضرة».

وانطلاقًا من كون وسائل التواصل الاجتماعي، من أفضل آليات التسويق في الوقت الراهن، تعتمد الفرقة بشكل رئيسي على صفحة «فيس بوك» في الإعلان عن الحفلات المقرر انعقادها، كما تُستخدم في نشر القصائد القديمة والحديثة؛ للحصول على المزيد من التفاعل مع الجمهور؛ إذ وصل عدد المشتركين عليها إلى 100 ألف.

وتتجول الفرقة بين مسارح مصر وأماكنها الثقافية، فتعقد حفلات بشكل منتظم بساقية الصاوي، ومركز الربع الثقافي، ودار الأوبرا المصرية، ومحافظة الإسكندرية، وعلى مستوى القطر العربي، وكشف «نور» خلال حديثه أنه تلقى دعوة لمهرجان روحانيات الدولي، الذي سينعقد في العاصمة التونسية خلال الفترة المقبلة، وأنه يراسل العديد من المراكز الثقافية الغربية ليتجول العالم بأثره؛ لنقل روح السلام والتعايش بواسطة الابتهال الصوفي. 

وعن الخطوات المقبلة للحضرة، قال: «هدف الفرقة خلال الأشهر المقبلة، تجميع القصائد في ألبوم، لكن العائق هو التمويل، فلو لقينا حد يدعمنا، لو ملقناش هنحاول من فلوسنا الخاصة»، معبرًا عن حلمه في ختام حديثه لـــ«المرجع»، بالقول: «نفسي الحضرة تكون مؤسسة كبيرة ويكون عندها مكان خاص بيها، وجمعية أهليه تساعد المحتاجين، وتُعَلِّم الناس الإنشاد». 

«الحضرة» وَاحَةُ
من صفوف الجمهور للحضرة
«تربيتُ في ساحات الصالحين»، بلهجة صعيدية وملامح وجه صارمة بدأ «أشرف مغازي» ابن محافظة الأقصر، وأحد منشدي الفرقة حديثه مع «المرجع»، ليشرح أسباب انضمامه إلى الحضرة، فَتَحَوَّل من أحد متابعي الفرقة، إلى ضلع رئيسي بها منذ 2015، ولم يكن التصوف زائرًا جديدًا لتشكيله الديني، فهو منضم إلى العصبة الهاشمية منذ 1981، وأثنى «مغازي» على احتواء «الحضرة» طرقًا صوفية متعددة، ويقول: «كل شخص يأتي بلون القصيدة إللي بيمدحها، وتهيمن علينا أنوار هذه القصيدة»، وربط ذلك بالحالة التي يصل إليها الجمهور ووصفها بـ«الهدوء والحالة الروحانية التي تصل للبكاء».

وفيما يتعلق بمزاعم المتطرفين حول شرك بعض الطرق الصوفية، خاصة بعد هجوم مسجد الروضة التابع لإحدى الطرق الصوفية –هجوم إرهابي وقع 24 نوفمبر 2017 بقرية الروضة في شمال سيناء- علق قائلًا: إن التصوف المقصود به الخلوة مع الله، والرسول -صلى الله عليه وسلم- من أول المتصوفين والمختلين عندما اختلى مع الله في غار حراء، ونزل عليه الوحي، مضيفًا «إحنا محبين فقط؛ لأن الصوفية حاجة كبيرة مع ربنا في مقام الإحسان».

ونالت البروفات الأسبوعية -التي حضر «المرجع» واحدة منها- جزءًا مهمًّا من حديثه، فبيّن أن ظروف كل قصيدة تختلف عن الأخرى، فواحدة تحتاج إلى بروفتين، والأخرى تحتاج شهرًا كاملًا، حسب كلمات القصيدة والدورة التي تمر بها من تصحيح لغوي ولحن وتدريب، كما بيّن الفرق بين المنشد والمدّاح، وقال: «المنشد يقول حاجة بلسانه، والمداح بيتغزل وبيمدح في الممدوح».

«الحضرة» وَاحَةُ
معاذ الجعفري.. مايسترو الجمهور
ضمن الشباب القابعين في الغرفة المخصصة للتدريب، ظهر شاب نحيل يحمل وجهه ملامح تُوحي بصغر سِنّه، يختفي معظم جسده داخل جلباب مغربي، وقال لنا بابتسامة: «أنا معاذ من قبيلة الجعافرة بأسوان، أصغر منشد في الفرقة وعندي 22 سنة»، لم يختلف «معاذ» عن الشيخ «أشرف» فهو أيضًا نشأ في الساحات الإدريسية المخصصة للذكر والإنشاد، وينتمي إلى «الطريقة الأحمدية الإدريسية»، وبعد تعريفه لنفسه بيَّنَ أنه انضم إلى الحضرة منذ عامين، بينما كان يملك فرقة للإنشاد الديني منذ عمر العشرين. 

ونقل على لسان شيخه أن الإنشاد للجمهور مجرد تأدية، بينما نصحه بأن ينشد للرسول وآل البيت؛ ليصل بالروح إلى أعلى درجات السمو والصفاء، واستخدم التعبير الصوفي الشهير «من ذاق عرق»، ليدلل على كلامه، وعن المقومات الواجب توافرها بالمنشد كشف أن جودة الصوت لا تتحكم في المنشد بقدر تحكم الروح والإحساس بالكلام، مضيفًا: «الإنشاد الديني له علاقة بالروح مش الصوت»، وأضاف أنه من الأفضل أن يكون المنشد ابن طريقة حتى لا يتعارض مع ما يقوله.

تُعرف الفرقة بزيها المتميز، فشرح «معاذ» الزي وهو عبارة عن جلباب أبيض بتفصيلة «بلدي»، يحمل في أسفله بيتين من قصيدة البردة للإمام البوصيري -أشهر القصائد في مدح النبي محمد- والاختيار لم يكن صدفةً، بل للحفاظ على الهوية واللون الأبيض؛ تعبيرًا عن الصفاء، وعمامة خضراء نسبة إلى عمامة الرسول، صلى الله عليه وسلم. 

وعن لقبه «مايسترو الجمهور» قال: إنه يندمج مع القصيدة حتى يكون بجسده فقط على المسرح، وروحه محلقة بين آل البيت؛ لذلك يأتي الاندماج التام مع جمهور الحضرة، الذي قال إنه يضم طوائف عدة من حيث السن والثقافة والديانة «جمهورنا فيه الملحدون والمسيحيون والمسلمون». 

وبنظرة تأمل إلى أحد أركان المكان، مصحوبة بتوسل إلى الله سبحانه وتعالى بالغفران، ختم «معاذ» حديثه لــ«المرجع» بجملة: «أمنية حياتي أمدح في مدينة سيدنا النبي جنب القبة الخضراء».

الكلمات المفتاحية

"