يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«العُزلة».. طريق الإخوان إلى «الجيتو»

الأربعاء 06/يونيو/2018 - 06:11 م
المرجع
دعاء إمام
طباعة
في سيرته الذاتية المعنونة بـ«مذكرات الدعوة والداعية»، يسرد حسن البنّا، مؤسس جماعة الإخوان، حكايته مع «العُزلة» التي بدأها منذ كان طالبًا؛ إذ اتفق هو وبعض زملائه أن ينذروا أيامًا يقضونها في الصمت والابتعاد عن الناس، ولا يتكلمون إلا بذكرٍ أو قرآن، ويذكر كيف كانت عزلتهم سببًا في مشاكسات مع المحيطين بهم.

قال «البنا» في باب بعنوان «أيام العزلة»: «كان الطلبة على عادتهم ينتهزونها فرصةً للمعاكسة، فيتقدمون إلى الناظر أو الأساتذة، مبلغين أن فلانًا الطالب قد أصيب في لسانه، ويأتي الأستاذ ليستوضح الأمر، فكنا نجيبه بآية من القرآن فينصرف».

وتابع: «أذكر بالخير أستاذنا الشيخ فرحات سليم -رحمه الله- الذي كان يحترم هذه الحالة فينا، ويزجر الطلاب، ويوصي بقية الأساتذة ألا يحرجوننا بالأسئلة في فترة صمتنا، وكانوا يعلمون حقًّا أن ذلك ليس هربًا من إجابة، أو تخلصًا من امتحان؛ إذ كنا متقدمين دائمًا في الدروس مجيدين لها إجادة تامة».

كانت طقوس «البنّا» في سنوات عمره الأولى، رغبة منه لا يملك لها سندًا شرعيًّا، فيعترف: «ما كنا نعرف الحكم الشرعي في هذا، ولكننا كنا نفعل، هذا الصمت تأديبًا للنفس وفرارًا من اللغو وتقوية للإرادة حتى يتحكم الإنسان في نفسه، ولا تتحكم فيه».

ولم تنته تلك الحالة عند الصمت فقط، بل تطورت -حسبما أفاد البنّا في مذكراته- إلى نفور من الناس وعزلة وقطع للعلاقات، وحاول رد طقوسه إلى نزعته الصوفية، فقال: «الصوفي متخفٍّ يجب عليه أن يقطع علاقاته بكلِّ ما سوى الله، وأن يجاهد في هذه السبيل ما أمكنه من ذلك».

العزلة الشعورية
في أكتوبر عام 1950، خطب صالح عشماوي، أحد أعضاء النظام الخاص بجماعة الإخوان -تنظيم سري أسسه «البنّا» عام 1940- في جمع من الإخوان بمناسبة بداية العام الهجري، متحدثًا عن هجرة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة، فقال: «ما أشبه المجتمع الذي نعيش فيه بذلك المجتمع الجاهلي قبل الإسلام»، ثم لفت إلى الداعية الذي بُعث في الإخوان منذ عام 1928، في إشارة إلى «البنّا»، وكيف أخرج المجتمع من الجاهلية إلى النور.

وألمح «عشماوي» إلى العزلة الشعورية التي طالب بها سيد قطب -مُنظّر جماعة الإخوان- من بعده إذ أردف: «إننا نعيش في جو لا يستطيع أن يتنفس فيه مؤمن، امتزج فيه الحرام بالحلال، وشاعت فيه الفاحشة والضلال، فلابد إذن من هجرة أخرى، هجرة نغادر معها هذا المجتمع الملوث، وذلك الفساد المنتشر إلى جو أنقى ومجتمع أطهر». 

ويكمل: «وقد كان فهاجرنا من هذا الجو، وإن لم نبتعد عن مسقط الرأس أو نتعدى حدوده الجغرافية، وهجرنا الأهل والأصدقاء، وإن كنا نراهم في كل صباح ومساء، وأصبحنا نحدثهم عن الإسلام ومجده، وعن الجهاد وأجره وعن التضحية ولذتها، وعن الشهادة ودرجتها، هاجرنا من هذا الجو المُظلم إلى وطن العقيدة المضيء، وتركنا أخوة الرحم إلى أخوة الفكرة والمبدأ، وعكفنا في دار الهجرة على نفوسنا نطهرها ونزكيها».

كما رسّخ «قطب»، مبدأ العزلة في كتابه «معالم على الطريق»، وأفكاره التي نقلها للإخوان والجماعات الإسلامية ككل، فأقر بجاهلية المجتمع طالما احتكم لقوانين وضعية، مطالبًا باللجوء لما سماه بـ«العزلة الشعورية»، التي يقول عنها: «حين نعتزل الناس لأننا نحس أننا أطهر منهم روحًا، أو أطيب منهم قلبًا، أو أرحب منهم نفسًا، أو أذكى منهم عقلًا، لا نكون قد صنعنا شيئًا كبيرًا، اخترنا لأنفسنا أيسر السبل، وأقلها مؤونة». 

ويردف: «إن العظمة الحقيقية أن نخالط الناس، مُشْبَعين بروح السماحة، والعطف على ضعفهم ونقصهم وخطئهم، وروح الرغبة الحقيقية في تطهيرهم وتثقيفهم، ورفعهم إلى مستوانا بقدر ما نستطيع».

تجذّر العزلة 
يعلل «القطبيون» -نسبة إلى سيد قطب- نظرية فيلسوف الجماعة، بأن العزلة التي دعا إليها «شعورية» وليست «حسية»، إلا أن المتشددين من الإخوان وغيرهم، حولوا تلك العزلة الشعورية إلى قطيعة للمجتمع الذي وسمه «قطب» بـ«الكفر»، وانخرطوا في الممارسات الانعزالية اللاعقلانية، استنادًا إلى أفكاره.

كما سيطرت حالة العُزلة لفترة من الزمن، على عمر التلمساني، مرشد الجماعة الثالث (1973 - 1986)، فقد كان في شبابه محبًّا للفن، فاتجه لدراسة الموسيقى والعزف على آلة العود لمدة عامين، ثم تحول إلى كتابة الشعر والخواطر، ولما كان الفشل مصيره بشهادة بعض الكُتاب الذين أرسل لهم إنتاجه الشعري، اعتزل الفن والأدب، وسيطرت عليه «العزلة»، ومهدت بالتالي لتعرفه على الفكر الإخواني، وأفضى هذا إلى انضمامه إلى الجماعة عام 1933.

الأمر ذاته أشار إليه محمود الصبّاغ، أحد قادة النظام الخاص، في كتابه «حقيقة التنظيم الخاص»؛ إذ لفت إلى أنه كان يميل إلى العزلة، منذ كان طالبًا في المرحلة الثانوية وحتى الجامعة، وفور التحاقه بكلية العلوم شعبة الرياضيات، لاحظ زميله بالكلية «مصطفى مشهور» -مرشد الجماعة الخامس فيما بعد- تلك العزلة التي بدت في انصرافه من الجامعة دون مخالطة أصدقائه، فاقترح عليه أن يصطحبه إلى «البنّا»؛ ليقنعه بأفكار الجماعة، وبالفعل كانت عزلته سببًا رئيسيًّا في انضمامه إلى الإخوان، وتولي مناصب في التنظيم الخاص.

تجذرت العزلة في وجدان أفراد الجماعة منذ التأسيس، وحتى بعد انقضاء 90 عامًا من عمر الجماعة، فكان النسب والمصاهرة ركنًا أساسيًّا في تكوين «جيتو إخواني» (مصطلح يشير إلى منطقة يعيش فيها طوعًا أو كرهًا، مجموعة من السكان يعتبرهم أغلبية الناس خلفية لعرقية معينة أو لثقافة معينة أو لدين) داخل المجتمع المصري، وحرص «البنّا» في رسائله على حث رجاله على الزواج من الأخوات المنضمات إلى الجماعة، وتضييق نطاق الزواج من خارج الجماعة؛ دعمًا للمشروع السياسي لها، وتبديدًا للهواجس الأمنية التي تلاحق أفرادها.

في مايو 2015، تحدث القيادي الإخواني «صبحي صالح» (محامٍ وحقوقي مصري، وكان ضمن الكتلة البرلمانية لنواب الإخوان في الدورة البرلمانية 2005، 2010) في أحد المؤتمرات التي نظمتها الجماعة، عن فضل زواج الإخواني من الإخوانية، قائلًا: «لما نجيب الإخوة نزوجهم للأخوات، يطلعوا لنا عيال إخوة بالميراث؛ فلما ننطلق في عمل جماعي إحنا بعائلاتنا عملنا مجتمع الإخوان اللي فرض نفسه على المجتمع، وبهذه الأغلبية ننتقل إلى الهدف الثالث، نُصلح حكومة، ندخل البرلمان بـ88 نائبًا نتاج أصوات الإخوان ممن والاهم، استطعنا من الفرد أن نصنع بيتًا، ومن البيت أن نصنع مجتمعًا، ومن المجتمع وضعنا يدنا على جزء من الحكومة، واللي جاية «رئاسة الدولة» إسلامية إن شاء الله».

وفي هذا يقول الدكتور عمار علي حسن، الباحث في شؤون الحركات الإسلامية، في تصريحات صحفية نشرت عام 2014: إن الجماعة حّولت التنظيم الأيديولوجي إلى كِيان بيولوجي بمرور الوقت، وذلك وفق قاعدة «الإخواني يجب أن يتزوج إخوانية»، فتداخل لديها السياسي بالطبيعي.

وكشف «حسن»، أن اصطلاح «الأسرة الإخوانية»، كان قائمًا في البداية كمرحلة من التنظيم الإداري والهيكل السياسي للإخوان، إلا أنه أصبح الوحدة الاجتماعية التي ينتظم فيها، أب إخواني وأم إخوانية مع أولادهما، وتحرص جماعة الإخوان على إدماج العضو العامل بها، في الأسرة الإخوانية الممتدة، من خلال علاقة المصاهرة والنسب.

الكلمات المفتاحية

"