يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

التدخل الناعم.. كيف تستخدم تركيا المؤسسات الأهلية اللبنانية في تعزيز نفوذها ؟

الأربعاء 01/أبريل/2020 - 03:36 م
المرجع
مصطفى صلاح
طباعة
تزداد التدخلات التركية في الكثير من الدول العربية بمختلف الوسائل، فتارة تستخدم قوتها الصلبة المتمثلة في الأدوات العسكرية والاقتصادية، وتارة أخرى تستخدم قوتها الناعمة من خلال المؤسسات والجمعيات الأهلية والخيرية والمنظمات الإنسانية لتحقيق مصالحها وتعزيز نفوذها.

وتُعد لبنان إحدى الدول العربية ذات الأهمية الاستراتيجية في توجهات تركيا الإقليمية، لما لها من أهمية في التأثير على كثير من الدول المجاورة أو لتنفيذ الأهداف الإقليمية التركية بما يتوافق مع مصالحها.

ويستند الصعود والنفوذ التركيان في لبنان على الكثير من المبررات التي يمكن أن تساهم في تعزيز هذا الدور هناك، خاصة مع ضعف القيادة السياسية اللبنانية، ومن ثم فإنها أكثر عرضه للتدخل الخارجي بذريعة العمل على إيجاد نوع من أنواع التوازن الطائفي، خاصة أن تركيا أكثر نشاطًا، دبلوماسيًّا وتنمويًّا وثقافيًّا منذ قرابة 15 عامًا، وضمن نفس السياق فإن الأقلية التركمانية اللبنانية تمثل أكثر تنظيمًا وارتباطًا بتركيا مما كانت عليه قبل وفود "العدالة والتنمية". 

وتنشط "وكالة التنمية التركية"، والمراكز الثقافية التركية على الأراضي اللبنانية بالإضافة إلى الغزو الثقافي التركي للبنان من خلال الأعمال الدرامية.

ومن ناحية أخرى فإن هذا الدور يسبب الكثير من الإشكاليات في لبنان، نظرًا لإرث السلطنة العثمانية فيه، وأيضًا لوجود أقلية أرمنية ذات ثقل سياسي وتاريخي، وهو ما يؤكد أنه في حال خروج تظاهرة أو احتجاج من الأرمن ضد تركيا، تستدعي تركيا حشدًا مواليًا لها من اللبنانيين، بالإضافة إلى الجمعيات الأهلية اللبنانية التي تجاوز عدد الجمعيات الخيرية والاجتماعية والتنموية 22 ألف جمعية مسجلة لدى وزارة الداخلية، وهذا العدد الضخم من الجمعيات، مقارنة بعدد السكان والخدمات البسيطة المقدمة إليهم، يطرح تساؤلات عديدة بين اللبنانيين بشأن دور تلك الجمعيات وكيفية توزيع كل جمعية المساعدات التي تحصل عليها.

التدخل الناعم.. كيف
توظيف الجمعيات الأهلية

أنشأت تركيا في الأول من مارس عام 2010 جمعية الصداقة اللبنانية التركية في مدينة صيدا اللبنانية، والتي يتمثل هدفها الرئيسي في تعزيز وتفعيل العلاقات التي تربط بين الشعبين التركي واللبناني، وذلك من خلال مشاركة الرئيس اللبناني فؤاد السنيورة وسفير تركيا في لبنان، وبالتعاون مع مؤسسة الحريري للتنمية البشرية المستدامة، بالإضافة إلى ذلك فهناك العديد من الجمعيات الأهلية مثل مجمع الجمعيات اللبنانية-التركية، الذي يضم جمعية الإخوة اللبنانية-التركية في مدينة عكار، والجمعية الثقافية اللبنانية-التركية في مدينة عيدمون، والجمعية التركمانية-اللبنانية، وجمعية دروس الخيرية الاجتماعية، وجمعية إنماء حوارة التركمانية، وهم يضطلعون بدور كبير ومؤثر في تنفيذ الأهداف التركية.

وتستثمر تركيا في هذا الأمر تنامي النفوذ الداخلي لحزب الله اللبناني في تعزيز نفوذها، مستخدمة بذلك بعض الجماعات والمنظمات الأهلية التابعة لها في التأثير على العملية السياسية اللبنانية الضعيفة بالأساس في اتجاه تمرير مصالحها، ويبرهن على هذا الأمر ما تم خلال زيارة وزير الخارجية التركي مولود تشاويش أوغلو في أغسطس 2019، والتي التقى خلالها عددًا كبيرًا من المسؤولين اللبنانيين، وجاءت بعد مرور 3 سنوات على آخر زيارة للوزير التركي إلى لبنان، وكانت هذه الجولة من المباحثات في غاية الأهمية لناحية التباحث التركي اللبناني حول آخر المستجدات في المنطقة، وسبل تطوير العلاقات بين البلدين، خاصة في منطقة شرق المتوسط والتعاون في التنقيب عن الغاز.

ومن ناحية أخرى؛ وللقيام بهذا الدور المؤثر في الساحة اللبنانية فإن القوة الناعمة التركية تتضمن دبلوماسية شعبية من خلال اجتماعات دورية بين محمد شوك والسفير التركي لدى لبنان هاكان تشاكل لبحث توسيع نشاط الجمعية واستقطاب المزيد من المنتسبين، وقد أعلن السفير التركي اعتماد دعم سنوي للجمعية بهدف تغطية نفقات هذه الجمعيات في الكثير من مناطق الكثافة السنية في طرابلس وتفعيل الدور الإنساني والاجتماعي في مختلف مناطق الشمال.

وهذا الأمر تجلى بصورة كبيرة مع افتتاح معرض شفيق طالب للطوابع البريدية تحت عنوان "ذاكرة تركيا بالطابع البريدي" والذي يختصر ذاكرة وتاريخًا مشتركين من العلاقات الثقافية والتراثية والاجتماعية والاقتصادية بين لبنان وتركيا، وأبرز ما تضمنه المعرض من طوابع هو أول طابع أصدرته الدولة العثمانية عن مدينة القدس عام 1918.. وأختام بريدية يعود تاريخ أقدمها إلى العام 1840، والبريد العثماني في البلاد العربية، طوابع بريدية يعود أقدمها إلى العام 1885، حوالات بريدية ومصرفية تعود للعام 1900، طوابع عن الأزياء التركية الخاصة بالسلاطين.

التدخل الناعم.. كيف
دوافع التدخل

هناك الكثير من العوامل التي تمثل المحرك والمحفز لتركيا للدخول بقوة إلى الساحة اللبنانية، وهو ما تستثمره أنقرة في تعزيز نفوذها ومن بين تلك العوامل:

نظام المحاصصة الطائفي: الذي يرتكز عليه النظام السياسي اللبناني وهو ما يسمح للعديد من الدول التحرك بصورة مؤثرة في توجيه بعض الجماعات التابعة لها في التأثير على صانعي القرار اللبناني في اتجاه مصلحة الدولة الأخرى، فعلى سبيل المثال تتدخل تركيا في لبنان لموازنة الثقل الاستراتيجي الداخلي لحزب الله اللبناني التابع لإيران، خاصة أن تركيا وإيران يجمعهما تنافس على النفوذ الإقليمي في المنطقة العربية، وتستثمر تركيا في ذلك المكون السني بالإضافة إلى الأقلية التركمانية ذات الأصول التركية.

تزايد عدد الجمعيات الأهلية في لبنان: والتي في مجملها ترتبط بصورة مباشرة بالكثير من الدول الإقليمية والدولية، وهو ما قد يمثل دافعًا مهمًا لتركيا لاستغلال هذه الفرصة في زيادة ارتباطها بهم من خلال دعمها المالي ورعايتها ومساعدتها في التأثير على المواطنين لصالح أهدافها. 

التمدد الشيعي الرسمي وغير الرسمي من خلال إيران: وهو ما قد يساعد تركيا في استقطاب الجمعيات والأفراد من الكتلة السنية هناك في موزانة هذا الدور على مستوى الإقليم أو من خلال التأثير على العملية السياسية الداخلية، خاصة بعدما شهدت لبنان مظاهرات وانتفاضات يمكن أن تمثل فرصة ذهبية لتحقيق مزيد من التدخل.

ولذا فهناك الكثير من الدوافع والمحددات التي ساهمت في توجه تركيا نحو تعزيز مصالحها في لبنان، ولذا اتجهت تركيا إلى استثمار قوتها الناعمة في التأثير على صانعي القرار هناك من خلال هذه الجمعيات أو استغلال الأقليات العرقية.
"