يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

تحولات السلفية العراقية.. قراءة في الجذور والتحديات

الإثنين 25/يونيو/2018 - 11:05 ص
المرجع
محمد الدابولي
طباعة
الخريطة السياسية العراقية معقدة ومتشابكة؛ فالمجتمع العراقي خليط من الجماعات السياسية والمذهبية المختلفة، وقد أدى هذا التنوع الديني والسياسي إلى حالة من عدم الاستقرار السياسي الداخلي؛ نظرًا لانعدام التعايش بين تلك الجماعات والمذاهب؛ لوجود حالة من التناحر والصراع السياسي بينهم.

وتُعد التركيبة الدينية العراقية حالة خاصة جدًّا، قد لا نجدها في أي دولة أخرى؛ فبلاد الرافدين جمعت على أرضها أقطاب التنظيمات الراديكالية السُّنِّية منها والشيعية، ففي الوقت الذي تشهد الساحة العراقية بروز نجم الميليشيات الشيعية الموالية لنظام «ولاية الفقيه»، نجد أيضًا أن العراق موطن رئيسيّ لتنظيم «القاعدة» ومن بعده تنظيم «داعش»، وهو ما يُعزز فرضية عدم الاستقرار السياسي فيه.

وما بين الأقطاب الراديكالية المتنافرة يوجد العديد من الجماعات الدينية الأخرى، التي تلعب دورًا ملموسًا في تشكيل الحياة السياسية والدينية في العراق، من بينها جماعة الإخوان، فضلًا عن التيار السلفي الذي يُعدُّ من أكثر التيارات الدينية العراقية غموضًا؛ نتيجة حالة الالتباس التي وفرتها التنظيمات المتشددة، مثل «القاعدة» ومن بعده «داعش»، فالكثير من الكتابات تُشير إلى أن التنظيمين المتطرفين هما المُعَبِّران عن التيار السلفي العراقي، وهو ما يُعدُّ اختزالًا وإخلالًا واضحًا للحقائق.

فالتيار السلفي ثريٌّ فكريًّا ودينيًّا؛ حيث يحتوي على العديد من المدارس الفكرية والمذهبية، مثل السلفية العلمية والجهادية والحركية والمدخلية وغيرها من المدارس السلفية، ويُعَبّر تنظيما «القاعدة» و«داعش» عن «السلفية الجهادية» فقط، ومن هذا المنطلق نجد أننا لا يمكننا اختزال التيار السلفي العراقي في تنظيمي «القاعدة» و«داعش».

النشأة الملتبسة ومراحل التطور
تختلف التفسيرات والروايات حول نشأة التيار السلفي العراقي، فمنها ما يدَّعي نشأته في مرحلة متأخرة من حكم الرئيس الأسبق صدام حسين، وذلك بعد الاضطرابات التي أصابت النظام السياسي العراقي السابق في مرحلة ما بعد حرب الخليج الثانية، إلا أن الوقائع تؤكد أن التيار السلفي العراقي ضارب بجذور في أعماق التاريخ العراقي منذ ما يقارب القرنين من الزمان، وأنه ليس وليد التطورات السياسية خلال العقود الثلاثة الماضية.

ويمكن التمييز بين أربع مراحل رئيسية في تطور ونشأة التيار السلفي العراقي، خاصةً أن كل مرحلة تميزت بسمات مختلفة، وهو ما سيتم توضيحه في النقاط التالية: 

المرحلة الأولى: «التأسيس على يد الألوسي»
تزامنت الدعوة السلفية في العراق مع نظيرتها في المملكة العربية السعودية؛ فالارتباط التاريخي بين السلفية السعودية والعراقية وثيق جدًّا، كما أن مؤسس التيار السلفي محمد بن عبدالوهاب، سبق وأن تلقى علومه الدينية في مدارس «البصرة» الدينية جنوب العراق، وهو الأمر الذي سمح بانتشار الدعوة السلفية في بلاد الرافدين.

ويُعدُّ الداعية العراقي «نعمان الألوسي» (1836 - 1899) أشهر من تأثروا بتعاليم محمد بن عبدالوهاب، وعمل على تأسيس تيار سلفي جديد في العراق أشبه بما يُسمى الآن بـ«السلفية العلمية»، ومن أبرز تلاميذ تلك المدرسة إياد عبداللطيف القيسي، ومرشد الحيالي (المولود في بغداد عام 1963)، وأبوالمنار العلمي، وعبدالحق التركماني.

وانطلق التيار السلفي العراقي خلال مرحلته الأولى تحت مسمى «الدعوة السلفية»، إلا أنها لم تحظَ بكِيان تنظيمي ينظم صفوفها وقواعدها؛ حيث انتشرت في شكل حلقات ومجموعات متفرقة يجمعهم رابط تطبيق الفكر السلفي، وخلال تلك المرحلة انطلقت أفكار ومبادئ السلفية نحو دعوة المسلمين بالالتزام بتعاليم الدين الإسلامي وفقًا لمنهج السلف الصالح ورفض التصوف، والأهم من ذلك رفض الانخراط في العمل الحزبي والسياسي والدخول في معترك الحياة السياسية العراقية.

المرحلة الثانية: «تسييس السلفية»
بدأت تلك المرحلة في سبعينيات القرن العشرين، في ظل التوترات السياسية في الداخل العراقي، التي أسفرت في النهاية عن سيطرة حزب البعث -بقيادة صدام حسين- على المشهد السياسي العراقي.

وخلال تلك المرحلة ظهرت السلفية الحركية العراقية الداعية إلى تكفير الحاكم، الذي لم يطبق الشريعة الإسلامية، وتأسيس الجمعيات والجماعات لتنظيم القواعد الشعبية ونشر الدعوة، ومن أبرز رموز ذلك التيار إبراهيم المشهداني، وسعدون القاضي، الضابط البعثي السابق والقيادي السلفي الحالي، وأحد أبرز قيادات تنظيم «أنصار السُّنَّة في العراق»، ومن أبرز رموز تلك المدرسة محمود المشهداني، الذي أصبح فيما بعد رئيسًا لمجلس النواب العراقي عام 2005، وأيضًا الداعية سامي رشيد الجنابي.

وشهد العام 1978، أولى محاولات إنشاء جماعة سلفية عراقية تحت اسم «جماعة الموحدين»، وسرعان ما ألقت السلطات العراقية القبض على عناصر هذه الجماعة، والزج بهم في السجون؛ ليتم وأد أول تنظيم سلفي عراقي.

المرحلة الثالثة: «الحملة الإيمانية»
تُحاول بعض الكتابات تأريخ نشأة التيار السلفي العراقي منذ هذه المرحلة التي نشأت في أعقاب حرب الخليج الثانية؛ حيث لجأ النظام العراقي إلى زيادة المساحة الدعوية المخصصة للتيار السلفي؛ من أجل مواجهة المشكلات التي استفحلت بعد حربي الخليج الأولى والثانية؛ ففي عام 1993 أطلق الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، حملة «العودة إلى الإيمان»، والمعروفة إعلاميًّا بـ«الحملة الإيمانية»، وهدفت إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، والاهتمام بالبرامج الدينية وإحياء السنة النبوية؛ ما أتاح فرصة كبيرة للجماعات السلفية للتمدد والانتشار في الداخل العراقي، وتوجد العديد من الأسباب التي تُفسر توجه النظام البعثي في تسعينيات القرن العشرين نحو السلفية، ومنها:

(1) الاضطرابات الداخلية الطائفية التي شهدها العراق في مارس 1991، والمتمثلة في انتفاض الجموع الشيعية بالجنوب العراقي ضد نظام صدام حسين؛ لأنه زج بالبلاد في حرب خاسرة بالكويت.

(2) الفشل الأيديولوجي الذي واجهه النظام البعثي؛ حيث يُعدُّ احتلال الكويت في عام 1990 انهيارًا لمنظومة القيم العروبية التي نادى بها صدام حسين، ومن ثم أصبح عليه أن يسلك مسلكًا أيديولوجيًّا آخر يُحقق منه الشعبية والانتشار، فتبنى الرؤى والأفكار الخاصة بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية.

(3) فشل الدولة العراقية بعد حرب الخليج أدى إلى تراجع دورها في تقديم الخدمات الاجتماعية؛ الأمر الذي وفر للسلفيين مساحة كبيرة لتقديم الخدمات الاجتماعية والتبرعات للمحتاجين في العراق، في ظل تراجع دور الدولة الاجتماعية؛ نتيجة وطأة العقوبات الدولية التي فرضت عليها.

(4) التيار الإسلاموي السُّنّي، خاصة السلفي، لم يكن له موقف عدائي واضح من نظام صدام حسين، عكس التيار الشيعي الذي دخلت قياداته في صراعات طويلة مع الرئيس العراقي الراحل.

ورغم أن تلك المرحلة تميزت بعلاقات دافئة بين النظام البعثي والتيار السلفي؛ فإن مناوشات لا تُذكر حدثت بين الجانبين؛ حيث ظهرت على الساحة العراقية جماعة تُدعى «جماعة فائز الزيدي»، نفذت هجمات ضد أهداف شيعية؛ ما أدى إلى تخلص النظام منها، وإعدام قادتها.

المرحلة الرابعة: «السلفية الجهادية»
بدأت إرهاصات تلك المرحلة قبيل الغزو الأمريكي للعراق، وتَعاظم دورها وتأثيراتها في مرحلة ما بعد احتلال بلاد الرافدين؛ حيث نشط العديد من الجماعات السلفية المقاتلة لمواجهة الاحتلال الأمريكي في البداية، ثم الانخراط في الاقتتال الطائفي الذي شهدته البلاد عام 2006.

وفي عام 2001، وداخل إقليم كردستان أُسست أولى الجماعات السلفية باسم «أنصار الإسلام»، بزعامة «فاتح كريكار» (نجم الدين فرج أحمد)، وتُعدُّ الجماعة الوليدة منشقة في الأساس عن حزب «الحركة الإسلامية الكردستاني» المحسوب على تيار الإخوان المسلمين، وعرفت هذه الجماعة في الأوساط السلفية بـ«طالبان الكردية».

وفي مرحلة ما بعد الاحتلال تحولت السلفية العراقية من الإطار الدعوي والحركي إلى الإطار الجهادي والقتالي، تحت دعوى محاربة ومقاومة المحتل، فظهر العديد من الجماعات، مثل «جند الإسلام» و«حزب التوحيد»، و«مجاهدي الجماعة السلفية المجاهدة في العراق»، والهيئة العليا للإرشاد والتوعية الدينية، وكتائب السلفية الجهادية.

وما لبث تنظيم القاعدة أن دخل على خط التيار السلفي العراقي، فظهر في البداية تحت مسمى «جماعة التوحيد والجهاد» التي أسسها أبومصعب الزرقاوي، عام 2003، التي تحولت في مرحلة لاحقة إلى تنظيم «القاعدة في بلاد الرافدين». 

وانحصرت أفكار معظم الجماعات السلفية المقاتلة التي برزت بعد الغزو الأمريكي للعراق، في معاداة الولايات المتحدة والقوى الغربية، وتكفير المبادئ العلمانية والاشتراكية والشيعية، وهو ما دعاها إلى الانخراط في الحرب الطائفية العراقية عام 2006.

تحديات تُواجه التيار السلفي
بعد استعراض تطورات نشأة التيار السلفي في إيجاز سريع، يظهر لنا العديد من التحديات التي تواجه التيار السلفي العراقي، التي قد تهدد مستقبله السياسي، ومنها على سبيل المثال:

(1) الهيمنة الشيعية:
تُسيطر فصائل الشيعة حاليًّا على الساحة السياسية العراقية، فالانتخابات الأخيرة أظهرت تصدر القوائم الشيعية لنتائج الانتخابات العراقية الماضية؛ لذا تُعدُّ الهيمنة الشيعية على المشهد السياسي التحدي الأبرز للقوى السلفية العراقية؛ فإلى الآن لم يشهد بروز حزب سياسي سلفي يستطيع المنافسة في الانتخابات رغم مجهودات البعض لإنشاء حزب سلفي، فكثيرًا ما طالب الداعية السلفي سامي الجنابي، بإنشاء حزب سلفي في العراق تجتمع فيه طاقات هذا التيار.

ولم يمنع عدم وجود حزب سياسي سلفي، المنتمين إلى هذا التيار من تقلد أرفع المناصب السياسية في العراق بعد الاحتلال، فبعد 2005 تولى محمود المشهداني رئاسة مجلس النواب العراقي، كما أن سعدون القاضي كان له أيضًا دور في تأسيس مجالس الصحوة العراقية لمواجهة القاعدة.

(2) الميراث السلبي:
التيار السلفي العراقي يحمل ميراثًا سلبيًّا كبيرًا؛ نظرًا لارتباط القاعدة ومن بعده تنظيم داعش بالتيار السلفي والجماعات السلفية المقاتلة، ومن ثم هناك صعوبة في التفريق بين المدارس السلفية العراقية، فالسلفية الجهادية أضرت كثيرًا بصورة وسمعة التيار السلفي العراقي.

(3) الانقسام العرقي:
يُعدُّ الانقسام العرقي من عوامل ضعضعة التيار السلفي؛ حيث يجري التفريق بين التيار السلفي العراقي والتيار السلفي الكردستاني؛ ففي كردستان يصنف حزب النهضة الإسلامي على أنه حزب سلفي.

(4) التنافس (الإسلاموي - الإسلاموي):
تشهد الساحة العراقية صراعًا إسلامويًّا بين التيار السلفي وجماعة الإخوان؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى إضعاف الأول؛ فمثلًا الحزب الإسلامي العراقي المحسوب على الإخوان ليس على توافق مع مفتي العراق، المحسوب على التيار السلفي العراقي «مهدي الصميدعي»؛ حيث يدعي الحزب الإسلامي أن «الصميدعي» مدعي منصب مفتي العراق.

ويُعدُّ «الصميدعي» من أبرز القيادات السلفية والسُّنية التي تحاول أن تلعب دورًا سياسيًّا بارزًا في الساحة العراقية.

(5) الانشقاقات والتشرذمات:
يعاني التيار السلفي العراقي حالة من التشرذم والانشقاق؛ فمنذ سقوط نظام البعث في عام 2003 ظهر العديد من الجماعات السلفية، سواء المقاتلة أو الدعوية، إلا أنها لم تتحد وتنتظم في كِيان واحد أو كِيانين على الأكثر، مثلما هو الحال في الجانب الكردي، الذي ينقسم إلى حزبين كبيرين؛ فالتيار السلفي الكردي له تنظيماته والتيار السلفي العراقي له تنظيمات أخرى.

ورغم أن «أنصار الإسلام» (كردي 2001) هو أول تنظيم سلفي عراقي مقاتل، فإن هذا لم يشفع أن يكون التنظيم الجامع لبقية التنظيمات السلفية، ففور الاحتلال نشأ تنظيم «أنصار السُّنَّة» الذي انشق عنه «تنظيم أنصار السُّنَّة - الهيئة الشرعية»، كما وفدت تنظيمات سلفية إلى العراق، مثل جماعة التوحيد والجهاد بزعامة «أبومصعب الزرقاوي».
"