يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

ماكرون وأزمة الإسلام السياسي في فرنسا

الإثنين 30/مارس/2020 - 12:43 م
ماكرون
ماكرون
د . مبارك أحمد
طباعة

لم يكن من قبيل المصادفة أن يهتم الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون بأزمة الإسلام السياسي التي بدأت في التبلور داخل المجتمع الفرنسي خلال الآونة الأخيرة، ومثلت تهديا للنسيج المجتمعى القائم؛ لاسيما بعد أن وصف حالة "الإسلاموية الانفصالية" بأنها مشروع يبني جدران تمنع الاتصال والتواصل بين فرنسيين وباقي الشعب". 


هذه المقاربة للرئيس ماكرون عكست معضلة الإسلام السياسي في الدول الأوروبية ومنها فرنسا؛ حيث تسعى تلك التنظيمات المتأسلمة للاستفادة من منظومة قيم الحرية وقوانينها في توظيف الإسلام لخدمة مشروعها القائم على تزييف الوعى من خلال تنشئة أجيال جديدة من المهاجرين على مفاهيم وأفكار إسلامية مغلوطة تخدم أغراض وأهداف تلك التنظيمات الرامية لتوظيف الدين سياسيًّا؛ لذلك يمكن التمييز بين تيارين رئيسيين لمعتنقي الإسلام فى الدول الأوروبية، التيار الأول الذى يقدم صورة للإسلام المعتدل وقيمه التى تنعكس فى سلوك تابعيه من إتقان العمل، واحترام حرية الآخر، وتقدير المرأة، واحترام قوانين الدولة ومبادئها؛ أما التيار الثانى فهو التيار المتأسلم الذى يوظف الدين لخدمة أغراض سياسية، بما يجعل هذا التيار قائم على فكر الجماعات الإرهابية والمتطرفة.    

§        مؤشرات متعددة

 تنوعت المؤشرات التى تعكس أزمة الإسلام السياسي فى فرنسا، والتى يرى فيها الكثيرون من الفرنسيين تهديدا لعلمانية الدولة ولادينيتها. وهو ما يمكن تناوله من خلال العناصر التالية:  

1-   معضلة العلمانية والإسلام في فرنسا:  بموجب القوانين العلمانية  الفرنسية ، يحظر ممارسة الشعائر الدينية فى الأماكن العامة، كما يحظر ارتداء الرموز الدينية مثل الصليب أو غطاء الرأس اليهودي أو الزي الإسلامي. كما أن الدستور الفرنسي لا يسمح بعمل إحصاء سكاني يرتكز إلى الدين أو العرق أو اللون، ولكن توجد بعض الجهات المستقلة من مؤسسات ومراكز أبحاث التي أحصت تعدادًا للسكان في فرنسا، وبحسب الأرقام الأخيرة فإن نسبة المسلمين وغالبيتهم من الجزائر والمغرب وتونس بلغت حوالي 8% من نسبة إجمالي السكان ،أى ما يعادل نحو 6 ملايين نسمة. وقد بينت نتائج الدراسة التى أجراها مركز Montaigne فى فبراير 2018 أن 29% من المسلمين الفرنسيين يرون أن الشريعة الإسلامية تعد دستورهم الأول. فى مقابل هذا التصور طرح الرئيس إيمانويل ماكرون خلال زيارته إلى مدينة ميلوز شرقى فرنسا في 18 فبراير 2020 رؤيته حول ما أسماه بالانفصالية الإسلاموية "أي وجود مشروع سياسي يسعى إلى خلق بؤر أو كيانات أو أحياء أو مدن أو مناطق لا تنطبق فيها قوانين الدولة بل شريعة الإسلام كما يفهمها المتشددون، وهو ما يهدد وحدة الجمهورية وعلمانيتها" على حد تعبيره.

2-  أزمة اندماج أبناء المهاجرين: تشكل أزمة الاندماج التى تعانى منها بعض المجتمعات الأوروبية أحد تجليات أزمة تيارات الإسلام السياسي فى أوروبا بشكل عام، حيث ترتبط أزمة الاندماج بعدم قدرة  أبناء الجيل الثاني من المهاجرين إلى أوروبا من ذوى الأصول  المسلمة على الاندماج داخل المجتمعات الأوروبية، وشعورهم بالعزلة والاغتراب مما انتج مجتمعات الجيتو التى بدأت تتشكل كأحياء متكاملة لها نسقها المجتمعى المغلق بمحازاة مدن أوروبية ومنها الفرنسية؛ الأمر الذى يؤدى إلى أن يصبح عدد من شبابها فريسة سهلة للتنظيمات الإرهابية والمتطرفة.

3-   المخاوف من أسلمة المجتمع الفرنسي: تتناول دراسات عديدة المخاوف من أسلمة المجتمع الفرنسى. ومنها على سبيل المثال كتاب صدر فى يناير 2020 وذاع صيته بعنوان "أراضي فتحها/ غزاها الإسلام السياسي"، وحرره الدكتور "برنار روجييه. يشير الكتاب إلى سلوك الإخوان في توظيف المفاهيم والقيم الليبرالية لهدم الخطاب الليبرالي والمبادئ الديمقراطية. هذه المخاوف من أسلمة المجتمع الفرنسي امتدت ايضاً إلى الأعمال المتخيلة؛ كرواية ميشيل هولونيك "خضوع"، التي يتخيل فيها انتصار مرشح مسلم متشدد في الانتخابات الرئاسية، والخوف ذاته يثار في النقاشات الفكرية، كما في نقاشات مارسيل جوشيه: "الذي يرى أن ما يهدد العلمانية هو الجماعات التي ترفض الديمقراطية، ومبادئها، وتنتشر في المساحات الريفية والضواحي.

4-   العائدون من بؤر الصراعات: بلغت تقديرات المركز الدولى لمكافحة الإرهاب (ICCT)، لإجمالى عدد المقاتلين الأجانب فى 23 دولة من أعضاء الاتحاد الأوروبي 3710، غالبيتهم بنحو 2838 من أربع دول فقط هى : بلجيكا ،وفرنسا ،وألمانيا ،والمملكة المتحدة .وتشير تقديرات المركز إلى أن 30% من هؤلاء المقاتلين الأجانب عادوا إلى بلدانهم،ويمثلون تهديداً أمنيا محتملاً. وإذا كانت الإحصاءات الحكومية الفرنسية تشير إلى أن هناك 1700 مواطن فرنسي توجهوا إلى العراق وسوريا للقتال مع الارهابيين ، فإن قضية إدماج العائدين منهم فى المجتمع الفرنسي ستظل معضلة تواجه  فرنسا لاسيما وأن استراتيجية الذئاب المنفردة لا زالت تشكل مصدر تهديد محتمل ممن انخرطوا فى عمليات تنظيم داعش الإرهابي.

§        إستراتيجية ماكرون

أعلن ماكرون عن استراتيجيته ضد ما وصفه بالانفصال أو الانغلاق الإسلامي في الأحياء الفرنسية؛ مؤكداً "أنه ليس المقصود من الأمر وصم دين ما، كما أن الأمر لا يتعلق بـ خطة ضد الإسلام، بقدر ما هو الحفاظ على قيم الجمهورية الفرنسية" على حد تعبيره. وقد لخصت صحيفة ليبراسيون الفرنسية فى فبراير 2020 هذه التدابير ولعل أبرزها:

1-   تحرير المساجد والمدارس من التأثيرات الأجنبية. سوا من خلال الاعتماد ائمة مدربين من فرنسا بدلا من المبعوثين اليها ، ووقف تعليم لغة منشأ المهاجرين مثل العربية أو التركية في المدارس الابتدائية الفرنسية من خلال مدرسين أجانب.

2-   دعم المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، لاختيار أئمة مدربين في فرنسا للعمل في مساجدها.

 

3-  انهاء العمل تدريجيا بالنظام الذي ترسل بموجبه الجزائر أو المغرب أو تركيا أئمة الى فرنسا للوعظ في مساجدها.

4-  مراقبة التمويل عبر سن قانون يضمن الشفافية فيما يتعلق بمسالة التمويل الأجنبي للإسلام  السياسي في فرنسا .

والخلاصة أن وصف ماكرون للإسلام السياسي فى فرنسا بأنه بات يهدد توجه الدولة العلماني ، ربما تكون هذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها رئيس فرنسي حول أزمة الإسلام السياسي بشكل مباشر عبر إشارته إلى طائفية تتخفى لتقسيم المجتمع الفرنسي، تبدأ بانعزالية جغرافية، عبر أحياء مكانية بعينها على أطراف العاصمة الفرنسية بشكل خاص أولاً، والسعي لاحقاً لإقامة كيانات ديموجرافية بمتطلبات خاصة قانونية وشرعية وأحوال شخصية ،أي إرهاصات دويلات داخل الدولة الأم. وهي الحالة التي تحققت فى تجارب دول الربيع العربي التى وصلت فيها تيارات الإسلام السياسي على أشلاء الدولة والمجتمع معاً، ومازالت تسعى لتفتيتها وتقسيمها.

"