يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

دعم باريس «لإسلاميي» المغرب العربي.. ضعف ملحوظ وتراجع مرتقب

السبت 07/يوليو/2018 - 10:14 م
المرجع
أبو الفضل الإسناوي باحث في شؤون الشمال المغربي
طباعة

 «العلاقة الفرنسية مع الأطراف الإسلامية في المغرب العربي، أخذت شكل الصعود السريع مقارنة بحالها قبل 2011، الذي كان فاترًا ضعيفًا؛ بسبب تخوف فرنسا من التجربة الجزائرية في 1991»


عدة تساؤلات ارتبطت بزيارات الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، لدول الشمال المغربي الثلاث، الجزائر والمغرب وتونس، منذ ديسمبر 2017، والتي كان أهم ملامحها غياب الفاعلين من الأحزاب الإسلامية عن الاجتماعات الرسمية، من أهمها: هل يتغير الموقف الفرنسي من قوى الإسلام السياسي في تلك الدول، خاصة أن العلاقات التي نشأت بينها منذ 2011، كانت قائمة على ارتباط براجماتي؟


وفقًا للمراقبين، هناك ملامح تغير بدأت تظهر على التوجهات الفرنسية، نحو تلك القوى الإسلامية منذ تولى «ماكرون» السلطة، من أهمها تلقي قوى الإسلام السياسي عدة رسائل من إدارته، تشير في مجملها إلى تراجع الدعم الفرنسي لها، وتحجيم الزيارات واللقاءات التي بدأت منذ 2011، وذلك في تقدير المتابعين بسبب مجموعة من العوامل، من أهمها: إعادة ترتيب فرنسا لأولوياتها في دول الشمال المغربي وفقا لسياساتها الجديدة، التي تقاوم تمكين الإسلام السياسي من دول جنوب المتوسط، ومخاطر تحركاته السريعة نحو تركيا، وفشل مشروعه الاقتصادي الذي أدى إلى مزيد من الاضطرابات، خاصة في الجنوب المغربي.

دعم باريس «لإسلاميي»

ارتباط براجماتي:

يبدو أن الارتباط البرجماتي، هو الحاكم للتوجهات الفرنسية تجاه قوى الإسلام السياسي، في دول الشمال المغربي الثلاث منذ ثورات 2011، فالتغيرات الإيجابية التي بدت على السلوك الفرنسي، تجاه تلك القوى منذ ذلك التاريخ، كانت من منطلق حفاظ فرنسا على مصالحها واقتصادها في تلك الدول، فالعلاقة الفرنسية مع الأطراف الإسلامية في المغرب العربي أخذت شكل الصعود السريع مقارنة بحالها قبل 2011، الذي كان يتميز بالفتور والضعف بسبب تخوف فرنسا من التجربة الجزائرية في 1991. ويمكن تحديد أهم أشكال الدعم الفرنسي لتلك القوى قبل تولي «ماكرون» السلطة على النحو التالي:

 

- زيارات متبادلة، كان لقيادات حركة النهضة التونسية وأعضاء العدالة والتنمية، الحظ الأوفر منها، فلم تتوقف الزيارات منذ 2011، سواء على المستوى الفردي، متمثلة في زيارات راشد الغنوشي، للعاصمة الفرنسية، أو في زيارات وفود، كان من أهمها، تلك التي اصطحب فيها «الغنوشي» وفدًا من حركة النهضة في يونيو 2016، والتي استضافته، إيليزابيت قيقو، رئيس لجنة العلاقات الخارجية فى البرلمان الفرنسى، وألقى «الغنوشى» كلمة حول الانتقال الديمقراطي فى تونس، والتحديات التي تواجهها بلاده فى تلك المرحلة، وشدد على عمق العلاقات التونسية - الفرنسية، وأهمية العمل على تقويتها على الأصعدة المختلفة.

 

-الدعم السياسي، فبعد صعود الأحزاب الإسلامية إلى السلطة في بعض دول الشمال الأفريقي، سواء حزب العدالة والتنمية في المغرب، أو حركة النهضة في تونس، إلى جانب انفصال قوى الإسلام السياسي الجزائرية عن السلطة، واتخاذها اتجاه المعارضة تبنت الدولة الفرنسية خطابًا جديدًا، تمثل مضمونه في أن «الإسلاميين ليسوا أعداء بل حلفاء محتملون، وأن الإسلام السياسي ليس سلة واحدة، وثمة تميز داخل هذه السلة بين تجارب وسياقات وحيثيات»، وفي حينها، أي الفترة التي تلت ثورات 2011، سلطت وسائل الإعلام الفرنسية الضوء على الطابع «المعتدل» لحزب العدالة والتنمية المغربي، وسوقت الجانب الإصلاحي لحركة النهضة التونسية بعد مؤتمرها العاشر. وفي الوقت ذاته كانت تتخوف بعض مؤسسات صنع القرار الفرنسية، من تجربة الإسلام السياسي في الجزائر، ودعمت أحزاب السلطة وأيدت بقاء الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة لفترة رابعة. ومما سبق، يمكن القول إن فرنسا حرصت منذ صعود قوى الإسلام السياسي في دول الشمال الأفريقي على تغيير بوصلتها، تجاه مصالح جديدة وتحالفات داخلية مستجدة مع تلك القوى في دولها.

إيمانويل ماكرون
إيمانويل ماكرون

مؤشرات جديدة:

بعد شهور من تولى «ماكرون» إدارة الدولة الفرنسية، تلقت قوى الإسلام السياسي في دول الشمال المغربي عددًا من الرسائل السلبية من باريس، قد تكون كافية لتؤكد أنها لم تعد في دائرة اهتمام الرئيس، خاصة أن فرنسا منذ تولي «ماكرون» السلطة بدأت تعيد ترتيب أولوياتها مع تلك القوى الإسلامية، بعد أن أدركت بعض مؤسسات صنع القرار الفرنسية خطورة التمكين السياسي لتلك القوى في بلادها، واعتبارها داعمًا للتسلل التركي في تلك الدول، والذي يمثل تهديدًا للاقتصاد الفرنسي.

 

ويمكن قراءة مؤشرات تراجع الدعم الفرنسي لقوى الإسلام السياسي في دول الشمال المغربي، على النحو التالي:

 1- الحالة التونسية: تتمثل أهم دلالات تخوف وحذر فرنسا من حركة النهضة التونسية خلال الفترة الأخيرة، في إعلان أكثر من جهة فرنسية عن مخاوفها من عودة الإسلاميين فى ظل إقدام تونس على انتخابات بلدية مهمة تعد الأولى منذ ثورة 2011، وحذرت تلك الجهات من خطورة عودة النهضة للحكم من جديد، بعد تسويقها لمؤتمرها العاشر وإقبالها على تحولات إصلاحية كبرى في الفكر والممارسة. فرأى بعض المراقبين أن ترويج حركة النهضة الكثيف لمؤتمرها العاشر، وبالذات قبل الانتخابات المحلية أزعج فرنسا وأثار مخاوفها.

بيار رافاران
بيار رافاران

وحذر جان بيير رافاران، رئيس الحكومة الفرنسية الأسبق، ورئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع فى مجلس الشيوخ، من اكتساح الإسلاميين للسلطة فى تونس، في تصريح لإذاعة فرنسية، معتبرًا أنه «وجب التحذير وإطلاق صافرة إنذار بضرورة مساعدة تونس، لأنها تمثل امتدادًا للأمن القوميا لفرنسي»، وأضاف: «يتعين علينا مساعدة تونس لأنها تمثل حدودنا أيضًا، وهناك بيئة سياسية مواتية لصعود التيارات الإسلاموية وغزوها للحكم بشكل ديمقراطي». أما المؤشر الثاني، الذي رددته ورصدته بعض وسائل الإعلام التونسية، فظهر في الزيارة التي قام بها ماكرون إلى تونس نهاية يناير 2018، حيث كان لافتا فيها غياب إخوان تونس عن خريطة لقاءات الوفد الفرنسى منذ أن بدأت وحتى انتهت، وهذا الموقف لاقى استغرابًا من كثيرين باعتبار أن حركة النهضة شريك فى الحكم، وممثلة في الحكومة والبرلمان.

 

هذا التجاهل من الجانب الفرنسي أوحى للمراقبين بوجود تراجع في مستوى العلاقة، بين الحاكم الجديد لقصر الإليزية وإخوان تونس، وما يدعم ذلك الاتجاه هو أن زعيم الحركة راشد الغنوشي، لم يقم بزيارة باريس منذ آخر مرة له فى يونيو 2016، رغم تعدد جولاته الخارجية.

 

 2-  الحالة الجزائرية: قد تكون أكثر ظهورًا في كشف التراجع الواضح، في الدعم الفرنسي لقوى الإسلام السياسي في جنوب المتوسط. حيث بدت هناك عزلة كاملة في لقاءات المسؤولين الفرنسيين مع قوى الإسلام السياسي الجزائرية. فقد أدرك الرئيس الفرنسي خلال زيارته الأخيرة للجزائر في ديسمبر 2017، ضعف تأثير الإسلامويين في القرار السياسي الجزائري، خاصة بعد خروجهم من التحالف الحكومي وتبنيهم اتجاه معارضة السلطة، واقتصار دورهم السياسي على التمثيل البرلماني غير الفعال.

 

وبالتالي أصبحت قوى الإسلام السياسي خارج حسابات الاستراتيجية الجديدة، في العلاقات الفرنسية الجزائرية التي أعلنها «ماكرون» أثناء زيارته، والتي تقوم على تبادل ثقافي. كما تعد الدلالة الثانية على خروج الاسلاميين الجزائريين من حساباته، هو ما أعلنته صراحة قيادات القوى الإسلامية الجزائرية، ونشرته صحف فرنسية وجزائرية عن مستوى علاقتهم بتركيا وموقفهم من فرنسا، وترحيبهم بالمشروع «الأردوغاني» في الشمال المغربي، والجزائر خصوصًا.

الرئيس التركي رجب
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان

بالإضافة إلى الدفاع المستميت من قبل القوى الإسلامية الجزائرية، والذي يقلق فرنسا من «أردوغان» وتجربته، حيث قال عبدالرزاق مقري، رئيس حركة «حمس» إنه «لا يجب أن نشعر بالحرج في الدفاع عن تجربة حزب العدالة والتنمية التركي، وزعيمه أردوغان والتقارب الجزائري التركي والحجج في ذلك كثيرة منها، تفضيلنا للعلاقة مع تركيا على العلاقة مع فرنسا لا يجب أن نخفيه، فنحن نعاني جدًا اقتصاديًّا من هذه العلاقات المفضلة مع فرنسا وأوربا».

 

 3- الحالة المغربية: كانت فرنسا تنظر للإسلاميين المغاربة، كمهدد حقيقي لشركائها في المغرب، وكانت تتعامل بحذر شديد معهم فيما يخص إشراكهم في السلطة. لكن ما يدور في العلن يختلف عما يدور في الخفاء، ففرنسا تدرك خطورة الإسلاميين المغاربة، وخاصة بعد موقفهم من تدخلها في مالي، وهو الذي تبنى فيه حزب العدالة والتنمية موقفًا رافضًا للتدخل، في الوقت الذي اتخذت فيه حكومة العدالة والتنمية، موقفًا مغايرًا تمامًا، حيث نشرت صحيفة التجديد الناطقة باسم الحزب، رفضها للتدخل في الوقت الذي أيد فيه وزير الخارجية في ذلك الوقت سعد الدين العثماني التدخل الفرنسي.

 

وما يشير أيضًا إلى وجود تراجع غير معلن في مستوى الدعم الفرنسي لحزب العدالة والتنمية، هو تصريح «ماكرون» أثناء زيارته للمغرب في يونيو 2017، لبعض وسائل الإعلام بأن «الملك قلق حول الوضع في الريف»، ما يعنى تحميله المسؤولية لحكومة العدالة والتنمية، وهو ما لقي رفضًا من بعض قيادات الحزب المغربي.

زعيم حركة النهضة
زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي

مسارات محتملة:

العناصر السابقة، التي تشير إلى تعامل الإدارة الفرنسية الحذر مع قوى الإسلام السياسي في الشمال المغربي خلال الفترة الأخيرة، تدلل على أن اتجاه الدعم الفرنسي لتلك القوى قد يتخذ أحد المسارين، اللذين يعبران عن تراجع مؤكد في العلاقات الفرنسية مع الإسلاميين في جنوب المتوسط، لكن بمستويات مختلفة، وهما:

 

 المسار الأول، يتمثل في حدوث تراجع سريع في الدعم الفرنسي لجميع قوى الإسلام السياسي الرئيسية في الشمال المغربي، سواء النهضة التونسية أو العدالة والتنمية المغربي أو «حمس» وأخواتها في الجزائر. ويدعم هذا المسارَ، التغيرُ الملحوظ في موقف إدارة «ماكرون» من حركة النهضة التونسية، والذي تبرر عكسه الحركة على صفحاتها الإلكترونية. وهو ما كشفته المؤشرات السابقة، سواء تجاهل حركة النهضة في الزيارة الأخيرة للرئيس الفرنسي في تونس، أو توقف زيارات «الغنوشي» إلى باريس منذ زيارته الأخيرة في يونيو 2016.

 

كما يتشابه الحال مع حركة «حمس» وأخواتها في الجزائر، حيث بدأت القطعية مبكرة، خاصة أن «ماكرون» لم يضعهم في جدول زيارته الأخيرة للجزائر، لأن فرنسا تدرك حدود دورهم في الداخل الجزائري، والذي يقتصر على معارضة غير مؤثرة. بالإضافة إلى التحولات المتسارعة في موقف قوى الإسلام السياسي الجزائرية تجاه تركيا وصراعهم مع القوى الفرانكفونية الجزائرية، أثناء زيارة «أردوغان» للجزائر نهاية فبراير 2018، حتى وصفهم «مقري» رئيس الحركة بعملاء الاستعمار الفرنسي.

 

 المسار الثاني، وهو الأكثر احتمالًا، يشير إلى تحرك حذر من الجانب الفرنسي في التعجيل بتوقف الدعم الفرنسي كليًا لقوى الإسلام السياسي في دول الشمال المغربي. ويعنى أن الإدارة الفرنسية قد لا تتحرك بخطوات سريعية في تحجيم علاقاتها مع الإسلاميين، ولا يكون مستوى تراجع الدعم مع القوى الإسلامية في الدول الثلاث بنفس المستوى، بل يأخذ درجات مختلفة إلى حين إحياء الأحزاب المدنية وتماسكها، خاصة في المغرب وتونس. وما يدعم هذا الاتجاه، هو أنه على الرغم من وجود أطراف فرنسية غير راضية على تطوير العلاقات الرسمية بين النهضة التونسية والعدالة والتنمية المغربي والسلطات الفرنسية، لكن عموم الإدارة الفرنسية، تشجع على أن تكون لها صلة قوية بمراكز القرار داخل النهضة، وداخل العدالة والتنمية نظرًا لمخاطر النفوذ التركي المتزايد في دول الشمال المغربي عن طريق القوى الإسلامية دائمة الزيارات إلى تركيا. كما أن حرص حركة النهضة التونسية وحزب العدالة والتنمية المغربي، على عدم إثارة أي إشكال سياسي أو دبلوماسي مع باريس، قد يحد من التراجع السريع في مستوى الدعم الفرنسي لتلك القوى الإسلامية.

 

في النهاية يمكن القول إنه يبدو أن فرنسا لن تكون العاصمة الأوروبية الوحيدة التى ستدير ظهرها للإخوان الشمال المغربي سواء عاجلًا أو آجلًا، خاصة بعد ربط بعض المحللين بين موقف فرنسا من حركة النهضة التونسية وتصريحات سفير الاتحاد الأوروبي في تونس باتريس بيرقاميني، الذي وصف حركة النهضة بحزب جماعة الإخوان، ما دفع الحركة إلى مطالبته بالاعتذار.

"