يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

ما بعد الاتفاق.. تداعيات التوافق «الروسي - التركي» في منطقة إدلب

السبت 21/مارس/2020 - 03:25 م
المرجع
مصطفى صلاح
طباعة

تتجه الأوضاع في إدلب إلى نقطة فاصلة لا تقتصر عواقبها على مستقبل امتداد سيطرة الجيش العربي السوري على المحافظة - والتي تعتبر آخر معقل للمعارضة المسلحة بعد 9 سنوات من الحرب، لكن تمتد إلى المساهمة في تشكيل مستقبل العلاقات التركية-الروسية، والعلاقات التركية مع الولايات المتحدة والناتو، وهي ملفات تنعكس على السياسة التركية في عدة قضايا إقليمية ودولية.



ما بعد الاتفاق..

وشهدت العاصمة الروسية موسكو توصل الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين، في 5 مارس 2020، إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في مناطق التماس بإدلب والذي دخل حيز التنفيذ، ويعد هذا الاتفاق بمثابة امتداد لاتفاق سوتشي الموقع بين الجانبين في سبتمبر 2018 بشأن خفض التصعيد في منطقة إدلب أو بروتكولًا إضافيًا لها،  ولكن هذا الاتفاق يأتي في ظل العديد من التطورات الميدانية في هذه المنطقة بعد سيطرة الجيش العربي السوري في  29 يناير 2020، على الكثير من المناطق التي كانت في السابق تخضع لنفوذ الجماعات المسلحة المدعومة سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا من جانب تركيا.

بنود الاتفاق

ينص الاتفاق على إنشاء ممر آمن بطول 6 كلم على الطريق الدولي "إم 4"، وأن لتركيا الحق بالرد على أي خرق لاتفاق مناطق خفض التصعيد، كما اتفق الجانبان على وحدة الأراضي السورية، ويؤكد الاتفاق الذي توصل له الرئيسان في موسكو، على أن الحل في سوريا يستند على التدابير السياسية وليس العسكرية وبإشراف الأمم المتحدة، كما أكدا ضرورة عودة النازحين، وضمن نفس السياق تطرق الاتفاق إلى المنظمات والجماعات الإرهابية المسلحة في سوريا، إذ اتفق الجانبان على أن كل منظمة مصنفة إرهابيًا لدى الأمم المتحدة تعد إرهابية بالنسبة للبلدين، كما تضمن الاتفاق إنشاء ممر للمساعدات على الطريق "إم 4" بإشراف وزارتي الدفاع التركية والروسية.

وبعد توقيع الاتفاق زار وفد عسكري روسي تركيا في إطار بحث تطبيق بنود اتفاق وقف إطلاق الذي أعُلن عنه في موسكو، في ظل تباين تقدير كل من موسكو وأنقرة إزاء صمود وقف النار في إدلب شمال غربي سوريا، وذلك بعدما كشفت وزارة الدفاع الروسية، عن أن هناك ثلاثة انتهاكات في إدلب وسبع حالات إطلاق نار أخرى في اللاذقية وتسع حالات في حلب خلال اليوم الأول من الهدنة، ومن ثم الإعلان عن دخول قوات سورية قريتين قرب كفرنبل، جنوب إدلب.


وهنا يجب الإشارة إلى أن وقف إطلاق النار الحالي  لا يُعد الاتفاق الأول بين الجانبين الروسي والتركي، وأن هذه الاتفاقات دائمًا ما تأتي بعد العمليات العسكرية التي تنفذها قوات الجيش العربي السوري بدعم روسي وسيطرتها تدريجيًا على أجزاء واسعة من المحافظة، ومع تقدمها الأخير في جنوب إدلب وغرب حلب، بات نحو نصف مساحة المحافظة تحت سيطرة قوات الجيش السوري، وهو ما تسبب في زيادة المواجهة مع تركيا التي طالبت الالتزام باتفاق سوتشي مع الجانب الروسي.


نجاحات سورية وروسية

بعد توقيع الاتفاق بين الجانبين الروسي والتركي فإن هناك الكثير من الانعكاسات التي ستشهدها الأوضاع في منطقة إدلب والتي عبرت عنها مقدمة الاتفاق التي أكدت التزامهما (موسكو وأنقرة) بسيادة سوريا واستقلالها ووحدتها وسلامتها الإقليمية، الأمر الذي يلقي بالشكوك الدائمة على شرعية الوجود التركي والتي ستبقى محل تساؤل في موسكو ودمشق، وهي بلا شك تخضع للمقايضات السياسية بين روسيا وتركيا، وهناك العديد من المؤشرات الدالة على تحقيق سوريا للعديد من النجاحات من أهمها:

1) منح الاتفاق الضوء الأخضر لروسيا والقوات السورية، المبررات الكافية لاستئناف محاربة المتطرفين، حيث تضمن الاتفاق مواجهة جميع التنظيمات المتطرفة، والقضاء على جميع الجماعات الإرهابية في سوريا على النحو الذي حدده مجلس الأمن الدولي.

2) عدم وجود آليه تتضمن الرقابة على وقف إطلاق النار وهو ما يمثل بداية لتنفيذ عملية عسكرية أكثر توسعًا في المستقبل القريب من جانب سوريا وحليفها الروسي خاصة بعدما منح الاتفاق الحق لدمشق في مواجهة الجماعات المسلحة وهو ما يضع تركيا في موقف صعب كرد على هذه العمليات التي تواجه بعض الجماعات المسلحة التابعة لها.

3) يمثل هذا الاتفاق أهمية كبيرة للجانبين السوري والروسي؛ حيث إنه تضمن سيطرة الجيش العربي السوري على الكثير من المناطق في إدلب، ومن جهة أخرى تمكنت روسيا من الحفاظ على علاقاتها مع تركيا وعدم لجوء تركيا إلى القوى الأوروبية أو الولايات المتحدة، وبالنسبة لسوريا فإنها تعتبر الاتفاق بمثابة هدنة قبل استئناف المعركة لاستعادة إدلب قبل التوجه شرقًا لاستعادة جميع الأراضي.

التراجع التركي

إن الاتفاق بين روسيا وتركيا جاء على خلفية التراجع الذي شهدته أنقرة فيما يتعلق بسيطرتها على نقاط المراقبة وبعض المناطق في إدلب، كما أنه جاء ولا تزال نقاط المراقبة التركية –ضمن الـــ 12 نقطة مراقبة التابعة لها وفق اتفاق سوتشي- محاصرة من جانب الجيش العربي السوري، كما قضى الاتفاق برقابة روسية تركية مشتركة على طول الطريق أم 4، بطول 70 كيلومترًا ومسافة ستة كيلومترات شمال الطرق، ولم يتضمن طريق أم 5 الواصل بين دمشق وحلب بعد سيطرة قوات الجيش العربي السوري عليه خلال الحملة العسكرية الأخيرة، وهو ما يعني خسارة تركيا لحلقة الامدادات بينها وبين الجماعات المسلحة بل وحصار هذه الجماعات أي أنه أبقى على نقاط المراقبة كجزرًا معزولة في مناطق سيطرة الحكومة السورية وتحت المظلة الروسية..

وضمن السياق ذاته فإن هذا الاتفاق يعبر عن قبول تركيا بالسيطرة الميدانية التي حققها الجيش العربي السوري على المناطق التي كانت في السابق تحت سيطرتها، كما أن قبول أردوغان بذلك يعني أنه تراجع عن مطالبته بعودة قوات الجيش العربي السوري إلى حدود سوتشي وقبوله تشغيل الطريقين الدوليين بين حلب ودمشق وبين حلب واللاذقية، ويعني تحمل أنقرة مسؤولية إقامة المنطقة العازلة وإبعاد فصائل معارضة أو متشددة من جانبي الطريق الدولي، بالإضافة إلى ذلك فإن هذا الاتفاق قد يكون بداية لعملية عسكرية أكبر من جانب الجيش العربي السوري وحليفه الروسي من أجل فرض حل في منطقة إدلب من خلال استثمار هذا الاتفاق بتثبيت النقاط التي وصلت إليها بانتظار الفرصة للقيام بعملية عسكرية جديدة.

ويجب الإشارة هنا إلى أن  القرار التركي  بالدخول في مواجهة عسكرية بإدلب جاء مدفوعًا بعدة ضغوط، أولها: الخطر الأمني المترتب على فقدان إدلب والذي قد يجر بعده تهديدات على مناطق درع الفرات وعفرين وحتى على الداخل التركي، وكذلك الحال بضغط أكثر من مليون نازح أصبحوا على الحدود التركية من أصل 3.5 ملايين شخص موجودين في إدلب، بالإضافة إلى ذلك تُعد إدلب من المناطق المهمة بالنسبة لتركيا لضمان التأثير في مجريات الأوضاع السورية.

وبناء عليه وإذا كانت الحكومة السورية كانت قبلت التراجع عن خطة استعادة باقي المناطق في إدلب بعملية عسكرية واسعة وعدم التوقف عن محاربة الإرهاب ودحر العدوان التركي، بموافقتها على قرار موسكو تسيير دوريات تركية في شمال غربي سوريا كما هو في شمالها الشرقي، إلا أنها حصلت على شرعية وجودها في المناطق التي سيطرت عليها مؤخرًا وحققت هدفها الاستراتيجي في فتح شرايين الاقتصاد وثبتت السيطرة على طريق حلب - سراقب - معرة النعمان - خان شيخون - حماة، إضافة إلى سيطرتها بالأمر الواقع على مناطق جنوب طريق سراقب - عين حور.

ردود الفعل التركية

هناك الكثير من الانعكاسات السلبية على النفوذ التركي في منطقة إدلب وهو ما ساهم في الدفع بتركيا إلى التوجه لطلب دعم الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو؛ حيث تراهن على موقف أكثر جدية من شركائها في حلف شمال الأطلسي من أجل القيام بخطوة ربما تمكنها من مواجهة النفوذ الروسي واستعادة بعض المناطق التي سيطر عليها الجيش العربي السوري، وذلك من خلال استثمارها لقضية المدنيين واللاجئين في إدلب للضغط عليهم والتوجه لدعم مصالحها في سوريا، من خلال تهديدها المستمر بفتح الحدود أمام اللاجئين للدخول إلى الدول الأوروبية.



وبسبب الخلافات العديدة مع تركيا من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلا أن هناك توجها من جانبهما لمواجهة النفوذ الروسي المتنامي في الأزمة السورية لحماية مصالحهما خاصة وأنهما كانا في السابق يعتمدان على تركيا في تنفيذ أهدافهما، وبناء عليه فمن المحتمل أن تتدخل الدول الأوروبية في الأوضاع بإدلب من خلال تنفيذ قرارات مجلس الأمن ومسار جنيف، وهو ما يمكن أن تحاول تركيا توظيفه في مواجهة الجانب الروسي.



وعند العودة إلى السياسة التركية تجاه التطورات في إدلب، نجد أن أنقرة اعتمدت بشكل مباشر على خطوتين في الرد على تقدم قوات الجيش العربي السوري نحو إدلب، إحداهما تتمثل في تعزيز وجودها العسكري وتقديم مزيد من الدعم لفصائل المعارضة السورية تجسد في إحداث خسائر فادحة لدى الحكومة، والثانية: تكثيف المباحثات مع روسيا للتوصل إلى تفاهم يعود النظام بموجبه إلى ما قبل نقاط المراقبة التركية. وبالموازاة مع الخطوتين السابقتين، قامت تركيا بمواصلة التنسيق مع الناتو وعدد من دوله، وعلى وجه الخصوص الولايات المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا، ولكن في المجمل تشير هذه الخطوات من جانب تركيا إلى بعض النقاط المهمة منها أن حلف الناتو والدول الأوروبية لم تقدم لها المساندة التي كانت ترغب في تحقيقها من خلالهم في مواجهة السياسة الروسية، والأمر الثاني يتمثل في تراجع قدرتها على التأثير في المعادلة السورية بفقدانها الممنهج لمناطق نفوذها.

المراجع:




 

الكلمات المفتاحية

"