يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

أردوغان يُشهر سلاح اللاجئين في وجه أوروبا.. تداعيات ونتائج محتملة

الجمعة 06/مارس/2020 - 10:33 ص
أردوغان
أردوغان
مصطفى صلاح
طباعة

تتعرض أوروبا إلى تهديدات تركية، بسبب إعلانها فتح حدودها أمام اللاجئين في ظل التداعيات المتواصلة للحرب في سوريا، وحركة النزوح المتواصلة من منطقة إدلب شمال غرب سوريا، التي تعرضت ولاتزال تتعرض لقصف متواصل من قبل الجيش العربي السوري المدعومة بقوة من قبل موسكو لمواجهة الجماعات المسلحة المدعومة من جانب أنقرة، وضمن هذا السياق أعرب الاتحاد الأوروبي  في الأول من مارس 2020، عن قلقه من موجة الهجرة الجديدة بعد إعلان تركيا، وأكّدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين أن الاتحاد الأوروبي، ينظر بقلق إلى تدفق المهاجرين من تركيا باتّجاه حدوده من اليونان وبلغاريا، وتأتي هذه الخطوة في أعقاب مقتل 34 جنديًّا تركيًّا في إدلب، بقصف للجيش العربي السوري، وأرجع إردوغان فتح المعابر أمام اللاجئين، إلى عدم قدرة بلاده، على تحمل أعداد جديدة منهم، في وقت يتدفق الآلاف منهم من شمال سوريا.

 

ويجب الإشارة هنا إلى أن الدول الأوروبية اتخذت العديد من الإجراءات فيما يتعلق بقضية اللاجئين من مناطق النزاعات في الكثير من مناطق العالم؛ خاصة من دول المنطقة العربية، وعلى الرغم من انتهاج دول الاتحاد لهذه السياسات، التي في معظمها تتعلق بتحسين سياسات الإدماج في سوق العمل، وتنفيذ إجراءات الإدماج الاجتماعي، فإنه لا يوجد برنامج متكامل يأخذ بعين الاعتبار أن الاندماج الاجتماعي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالاندماج الاقتصادي؛ فاللاجئون يعانون من مشاكل اجتماعية واقتصادية على حد سواء، وهي تعزز بعضها بعضًا؛ حيث تؤثر القضايا الثقافية والاجتماعية على التكامل الاقتصادي والعكس.

أردوغان يُشهر سلاح

انعكاسات محتملة


من الممكن أن تتسبب زيادة أعداد اللاجئين إلى المنافسة في سوق العمل إلى صراع اجتماعي ليس فقط في مجتمع اللاجئين من جانب، ولكن من جانب آخر قد يمتد هذا الصراع إلى التأثير على المجتمعات الأوروبية، ومن ثم يجب الإشارة إلى أن زيادة أعداد اللاجئين في أوروبا لا تؤثر على سياسات دول الاتحاد الأوروبي الخارجية فقط، ولكن تمتد تأثيراتها على فرص السكان الأصليين ودخولهم، وبناء عليه فقد تزداد البطالة والمواقف السلبية تجاه اللاجئين نتيجة ذلك، وعلى الأوروبيين أن يضمنوا أن الأنظمة الوطنية والمحلية تعمل بكفاءة، كما أن هناك حاجة إلى تعاون أكبر بين البلدان عبر الاتحاد الأوروبي على نطاق أوسع لمواجهة التأثيرات السلبية لمثل هذه الانعكاسات، ومن زاوية أخرى فإن التحدي الأكبر الذي يواجه المجتمعات الأوروبية هو الكيفية التي يتم بها التعامل مع الاختلافات الثقافية والاجتماعية بين اللاجئين وبين المجتمعات الأوروبية التي تتمايز بينهما القيم الثقافية والدينية والحضارية، وفيما يلي رسم توضيحي لعدد اللاجئين الذي تم استيعابهم في المجتمعات الأوروبية:

أردوغان يُشهر سلاح

ومن خلال هذه البيانات يتضح الكثير من المؤشرات من أهمها أن معظم اللاجئين إلى أوروبا جاءت من دول ذات أغلبية مسلمة في مناطق جنوب وشرق أوروبا، بما في ذلك الشرق الأوسط وإفريقيا. وحسب الانتماء الديني، كانت غالبية الوافدين مسلمين وبشكل أساسي من المسلمين السنة مع مكون صغير من الأقليات غير المسلمة بما في ذلك الإيزيديون والآشوريين، وضمن نفس السياق حذرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في سبتمبر 2015 من أن الوصول لحل لأزمة المهاجرين ما زال بعيدًا وأن طريقة التعامل مع أزمة المهاجرين ستؤثر على شكل أوروبا على المدى البعيد، وخلال حديثها لأعضاء البرلمان الألماني أعلنت بأن أحدث التدابير التي وافق عليها الاتحاد الأوروبي ما هي إلا خطوة أولى لمواجهة تأثير هذه الموجة من اللجوء، مشيرة إلى أن النقل الانتقائي للمهاجرين غير كاف.

أردوغان يُشهر سلاح

السياسات الأوروبية ومخاطر اللجوء

من المحتمل أن تتغير هوية اللاجئين الثقافية وسلوكهم كلما ازداد اتصالهم بالمجتمع المضيف، كما أن عملية التبادل الثقافي ستشهد تحديات كبيرة بسبب الاختلاف الثقافي وما يتعلق بها من الصعوبات والصراعات التي تنشأ عندما تتعارض الهوية والقيم والسلوكيات في ثقافة البلد الأصلي مع تلك الموجودة في الثقافة السائدة داخل المجتمعات الأوروبية؛ حيث يأتي اللاجئون من خلفيات ثقافية متنوعة، وهذه الهويات الثقافية تتفاعل، إذ يتواصل اللاجئون ليس فقط مع الناس من ثقافة الأغلبية، ولكن أيضًا مع المهاجرين من كل من الثقافات المتشابهة والمختلفة على حد سواء، ويمكن أن يؤدي فقدان اللاجئ لبنيته الاجتماعية وثقافته إلى رد فعل عنيف خاصة وأن عملية الهجرة تنطوي على فقدان المألوف، بما في ذلك اللغة (وخاصة العامية واللهجة). وقد يصل هذا الشعور بالفقدان إلى حالة من الرفض للثقافة الغربية والغريبة عليه في الدول المضيفة.

أردوغان يُشهر سلاح

وبناء عليه فإنه من أن تؤدي هذه الاختلافات إلى الكثير من النتائج من أهمها:

1- الانضمام إلى الجماعات المسلحة

في ظل شعور اللاجئين بالرفض المجتمعي؛ خاصة بعد صعود التيارات والأحزاب الشعبوية واليمين المتطرف، فمن المؤكد أن تستغل الجماعات المتطرفة الكثير منهم في تجنيدهم كذئاب منفردة يمكن لهم استهداف الداخل الأوروبي وبصورة مباشرة، وهذا الأمر تعاني المجتمعات الأوروبية خاصة في ظل اعتماد بعض الجماعات المسلحة مفهوم الجهاد الحضاري في المجتمعات الأوروبية والتي في جزء كبير منها تغيير الهوية الغربية، ومن هذا المنطلق فإن الجهاد يمثل أحد أهم أركان المشروع الإسلامي الحضاري، فهو منهج كثير من الجماعات التي تبنت إعادة المشروع الإسلامي ونشر قيمه وذلك عن طريق مدخل الصعود الحضاري، في نية منهم لتحقيق ما يسمونه بالإسلام الحضاري وإزالة الاستكبار من الأرض ومواجهة المشروع الغربي، والذي يتمثل في الانطلاق في ما وراء الحدود في إطار استراتيجية مغايرة بهوية إسلامية لمواجهة عملية التغريب على الشأن الداخلي أو الخارجى. حيث إن الهوية الإسلامية هي التي ينبعث منها مفهوم الجهاد الحضاري وعملية إحياء وتجديد الفكر الجهادي بما يتناسب مع الأدوات الحديثة، وتستغل هذه الجماعات التواجد الكبير للاجئين في الدول الأوروبية في تحقيق هذه الأهداف.

 

2_ صعود التيارات الشعبوية

كان لتزايد عدد اللاجئين وطلبات اللجوء الكثير من الانعكاسات على صعود التيارات الشعبوية المناهضة للكثير من سياسات الحكومات الأوروبية المتعلقة بمشكلة اللاجئين دون إغفال العوامل الأخرى ولكن تمثل أزمة اللاجئين أحد أهم هذه العوامل؛ حيث كانت هذه القضية تاريخيًا هدفًا سهلًا لحملات نشر الشعبوية، لكن تدفق اللاجئين من سوريا وسط خوف عام من الإرهاب، وضع الهجرة على قمة الأجندات السياسية في أوروبا. والرسائل المناهضة للمهاجرين حاضرة في قلب جميع الحركات والأحزاب الشعبوية واليمينية المعاصرة تقريبًا.

 

3_ تعديل السياسات الداخلية الأوروبية

اتضحت ملامح سياسة اللجوء الأوروبية الجديدة في مواجهة الانعكاسات السلبية لهذه الأزمة في العمل على تطوير السياسات الأوروبية، وهذا الأمر أعلن عنه وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر بأن يقوم الاتحاد الأوروبي بإصلاح نظام الهجرة واللجوء بما في ذلك تأسيس وكالة أوروبية خاصة معنية بالتعامل مع طلبات اللجوء في كل أوروبا،  لما له من أهمية محورية في داخل دول الاتحاد الأوروبي، وذلك من خلال الفحص الأولي للباحثين عن الحماية قبل دخولهم أوروبا. وضرورة تعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبية من خلال تعزيز وكالة حماية الحدود «فرونتكس»، وتشديد الإجراءات للتصدي لمواصلة الهجرة غير المصرح بها داخل الاتحاد الأوروبي.

 

4 - التداعيات الاجتماعية

تسببت أزمة اللاجئين في زيادة معدلات التغير الديموغرافي الأوروبي، وفيما يجتهد الأوروبيون للتعاطي مع الأعداد المتزايدة من اللاجئين الذين يعبرون حدود بلدانهم، تتواصل الانقسامات بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حول كيفية إدارة أسوأ أزمة إنسانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وعلى المستوى التحليلي، لم تكن أوروبا مستعدة لتلقي هذا السيل الكبير من اللاجئين، الذي تطور إلى هجرة جماعية كبيرة، خاصة في ظل تجنب سياسات دول الاتحاد الجانب الإدماجي المتعلق بقضية اللاجئين، إضافة إلى أن اختلاف سياسات دول الاتحاد في التعامل مع هذه المشكلة، وبات من الصعب تنظيم متوازن لتقاسم الأعباء بين الدول الأعضاء.

 

وضمن هذا السياق فإن هناك بعض العوائق التي تقف أمام إدماج اللاجئين، مثل عدم المعرفة باللغة المحلية واختلاف الثقافات وعدم تفهم المجتمعات للأوضاع الخاصة باللاجئين والتمييز ضد الأجانب؛ إضافة إلى التأثير النفسي وعدم إمكانية القيام بأي نشاط أثناء إجراءات اللجوء، ومن ناحية أخرى فإن سياسات الهوية والمشاعر المناوئة للاتحاد الأوروبي، كانت منتشرة قبل وصول تدفق اللاجئين إليها، ومن ثم ستكون محاولة إدماج مئات آلاف اللاجئين في الدول المُضيفة أمرًا صعبًا، ومن ثم فإن المشكلة في المرحلة الراهنة هي أن عملية الهجرة فوضوية بشكل كبير. 

والعديد من المواطنين الأوروبيين يعتبرون أن انتشار أمواج من الناس في شوارع أوروبا يهدد نمط حياتهم الراسخ. ولذلك، تشهد الحركات الشعبوية التي تضرب على وتر هذه المخاوف صعودًا في العديد من الدول الأوروبية.

أردوغان يُشهر سلاح

ختامًا: من الواضح أن محاولات أوروبا منع تدفق اللاجئين القادمين عبر البحر المتوسط أو من خلال الدول القريبة من تركيا ستظل تعتمد على الحواجز والأبواب المغلقة التي لا تجد نفعًا سوى أنها تغير موقع التحدي الجغرافي. وفي النهاية سيكون وضع سياسة لتنظيم الهجرة هو النهاية المرجحة فيما تدعو مفوضية الأمم المتحدة العليا للاجئين إلى المزيد من عمليات المساعدة والإنقاذ، وتعزيز الوسائل القانونية مثل برامج إعادة التوطين، ومنح تأشيرات الدخول الإنسانية، وزيادة إجراءات إعادة شمل العائلات. مع هذا، سيتعين على الاتحاد الأوروبي التعامل مع الكثير من الدول التي تشهد أزمات داخلية قد تتسبب في التأثير على زيادة أعداد اللاجئين وهو ما يعني تخصيص الكثير من الموارد للقيام بهذا الدور في الكثير من الجهات مثل المساهمة في تسوية النزاعات في هذه المناطق التي تسمح لتركيا بممارسة هذه الضغوط على دول الاتحاد، ومن جانب آخر تعضيد جهود دول الاتحاد لوضع سياسة جماعية بعيدًا عن الاستراتيجيات الأوروبية الحالية التي تزيد من انعكاسات هذه الأزمة.

 

المراجع:

1) The Roots of Europe’s Refugee Crisis, at: https://carnegieeurope.eu/2015/10/01/roots-of-europe-s-refugee-crisis-pub-61465

 

2) اللاجئون في أوروبا وصعود الشعبوية، على الرابط https://0i.is/kXuk    

 

3) ميركل: أزمة المهاجرين تحدد شكل أوروبا على المدى الطويل، على الرابط:

https://www.bbc.com/arabic/worldnews/2015/09/150924_migrant_crisis_merkel_warns_durable_solution_far_off

 

4) Europe’s Asylum Seekers and the Global Refugee Challenge, at: https://blogs.worldbank.org/arabvoices/europe-asylum-seekers-and-global-refugee-challenge

الكلمات المفتاحية

"