يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

المخاوف الأوروبية من موجات اللاجئين.. اختلاف الثقافات وانعكاساتها

الثلاثاء 03/مارس/2020 - 11:02 م
المرجع
مصطفى صلاح
طباعة
تتعرض الدول الأوروبية إلى الكثير من التهديدات من جانب تركيا بسبب إعلانها عن فتح حدودها أمام اللاجئين في ظل التداعيات المتواصلة للحرب في سوريا، وحركة النزوح المتواصلة من إدلب شمال غرب سوريا، التي تعرضت ولا تزال تتعرض لقصف متواصل من قبل الجيش العربي السوري المدعومة بقوة من قبل موسكو لمواجهة الجماعات المسلحة المدعومة من جانب أنقرة.

وضمن هذا السياق أعرب الاتحاد الأوروبي في الأول من مارس 2020، عن قلقه من موجة الهجرة الجديدة بعد إعلان تركيا، وأكّدت رئيسة المفوضية الأوروبية «أورسولا فون دير لايين» أن الاتحاد، ينظر بقلق إلى تدفق المهاجرين من تركيا باتّجاه حدوده من اليونان وبلغاريا.

وتأتي الخطوة التركية في أعقاب مقتل 34 جنديًّا تركيًّا في إدلب، بقصف للجيش العربي السوري، وأرجع إردوغان فتح المعابر أمام اللاجئين، إلى عدم قدرة بلاده، على تحمل أعداد جديدة منهم، في وقت يتدفق الآلاف منهم من شمال سوريا.


المخاوف الأوروبية
انعكاسات محتملة

من الممكن أن تتسبب زيادة أعداد اللاجئين للتاثير على سوق العمل وبالتالي يتحول إلى صراع اجتماعي ليس فقط في مجتمع اللاجئين، وقد يمتد إلى التأثير على المجتمعات الأوروبية.

زيادة أعداد اللاجئين في أوروبا لا تؤثر على سياسات دول الاتحاد الأوروبي الخارجية فقط، لكن تمتد تأثيراتها على فرص السكان الأصليين ودخولهم المادية، وبناء عليه فقد تزداد البطالة والمواقف السلبية تجاه اللاجئين نتيجة ذلك.

من زاوية أخرى، التحدي الأكبر الذي يواجه المجتمعات الأوروبية هو الكيفية التي يتم بها التعامل مع الاختلافات الثقافية والاجتماعية بين اللاجئين وبين المجتمعات الأوروبية التي تتمايز بينهما القيم الثقافية والدينية والحضارية.

ومن المحتمل أن تتغير هوية اللاجئين الثقافية وسلوكهم كلما ازداد اتصالهم بالمجتمع المضيف، كما أن عملية التبادل الثقافي ستشهد تحديات كبيرة بسبب الاختلاف وما يتعلق به من الصعوبات والصراعات التي تنشأ عندما تتعارض الهوية والقيم والسلوكيات؛ حيث يأتي اللاجئون من خلفيات متنوعة، ويمكن أن يؤدي فقدان اللاجئ لبنيته الاجتماعية وثقافته إلى رد فعل عنيف خاصة أن عملية الهجرة تنطوي على فقدان المألوف، بما في ذلك اللغة، وقد يصل هذا الشعور بالفقدان إلى حالة من الرفض للثقافة الغربية والغريبة عليه في الدول المضيفة.

المخاوف الأوروبية
نتائج محتملة

من المتوقع أن تؤدي الاختلافات إلى الكثير من النتائج أهمها:

1) الانضمام إلى الجماعات المسلحة: ففي ظل شعور اللاجئين بالرفض المجتمعي؛ خاصة بعد صعود التيارات والأحزاب الشعبوية واليمين المتطرف، من المحتمل استغلال الجماعات المتطرفة الكثير منهم في تجنيدهم كذئاب منفردة يمكن لهم استهداف الداخل الأوروبي وبصورة مباشرة، خاصة في ظل اعتماد بعض الجماعات المسلحة مفهوم الجهاد الحضاري في المجتمعات الأوروبية.

2) صعود التيارات الشعبوية: كان لتزايد عدد اللاجئين الكثير من الانعكاسات على صعود التيارات الشعبوية المناهضة للكثير من سياسات الحكومات الأوروبية المتعلقة بمشكلة اللاجئين، إذ كانت هذه القضية تاريخيًّا هدفًا سهلًا لحملات الشعبوية، لكن تدفق اللاجئين، وضع الهجرة على قمة الأجندات السياسية في أوروبا. 

3) تعديل السياسات الداخلية الأوروبية: اتضحت ملامح سياسة اللجوء الأوروبية الجديدة في مواجهة الانعكاسات السلبية لهذه الأزمة في العمل على تطوير السياسات الأوروبية، وهذا الأمر أعلن عنه وزير الداخلية الألماني هورست زيهوفر بأن يقوم الاتحاد الأوروبي بإصلاح نظام الهجرة واللجوء بما في ذلك تأسيس وكالة أوروبية خاصة معنية بالتعامل مع طلبات اللجوء في كل أوروبا، لما له من أهمية محورية في داخل دول الاتحاد الأوروبي، وذلك من خلال الفحص الأولي للباحثين عن الحماية قبل دخولهم أوروبا. وضرورة تعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي من خلال تعزيز وكالة حماية الحدود "فرونتكس"، وتشديد الإجراءات للتصدي لمواصلة الهجرة غير المصرح بها داخل الاتحاد الأوروبي.

4) التداعيات الاجتماعية: تسببت أزمة اللاجئين في زيادة معدلات التغير الديموجرافي الأوروبي، وفيما يجتهد الأوروبيون للتعاطي مع الأعداد المتزايدة من اللاجئين، تتواصل الانقسامات بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي حول كيفية إدارة أسوأ أزمة إنسانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وعلى المستوى التحليلي، لم تكن أوروبا مستعدة لتلقي هذا السيل الكبير من اللاجئين، الذي تطور إلى هجرة جماعية كبيرة، خاصة في ظل تجنب سياسات دول الاتحاد الجانب الإدماجي المتعلق بقضية اللاجئين، بالإضافة إلى ان اختلاف سياسات دول الاتحاد في التعامل مع هذه المشكلة وبات من الصعب تنظيم متوازن لتقاسم الأعباء بين الدول الأعضاء.

وهناك بعض العوائق التي تقف أمام إدماج اللاجئين، مثل عدم الدراية باللغة المحلية واختلاف الثقافات وعدم تفهم المجتمعات للأوضاع الخاصة باللاجئين والتمييز ضد الأجانب، بالإضافة إلى التأثير النفسي وعدم إمكانية القيام بأي نشاط أثناء إجراءات اللجوء. 

ومن ناحية أخرى فإن سياسات الهوية والمشاعر المناوئة للاتحاد الأوروبي، كانت منتشرة قبل وصول تدفق اللاجئين إليها، ومن ثم ستكون محاولة إدماج مئات آلاف اللاجئين في الدول المُضيفة أمرًا صعبًا، ومن ثم فإن المشكلة الراهنة أن عملية الهجرة فوضوية بشكل كبير، ولذلك تضرب الحركات الشعبوية على وتر المخاوف، صعودًا في العديد من الدول الأوروبية.

ومن الواضح أن محاولات أوروبا منع تدفق اللاجئين القادمين عبر البحر المتوسط أو من خلال الدول القريبة من تركيا ستظل تعتمد على الحواجز والأبواب المغلقة التي لا تجدي نفعًا سوى أنها تغير موقع التحدي الجغرافي. 

وسيتعين على الاتحاد الأوروبي التعامل مع الكثير من الدول التي تشهد أزمات داخلية قد تتسبب في التأثير على زيادة أعداد اللاجئين وهو ما يعني تخصيص الكثير من الموارد للقيام بهذا الدور في الكثير من الجهات مثل المساهمة في تسوية النزاعات في هذه المناطق التي تسمح لتركيا بممارسة هذه الضغوط على دول الاتحاد، ومن جانب آخر تعضيد جهود دول الاتحاد لوضع سياسة جماعية بعيدًا عن الاستراتيجيات الأوروبية الحالية التي تزيد من انعكاسات هذه الأزمة.

"