يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

مستقبل إيران بعد فوز «المحافظين» في الجولة الأولى للاستحقاقات البرلمانية 2020

الخميس 27/فبراير/2020 - 07:08 م
المرجع
مرﭬت زكريا
طباعة

حازت الانتخابات البرلمانية الإيرانية في أولى جولاتها 21 فبراير 2020، أهمية كبيرة، على خلفية حالة التصعيد المتفاقمة مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ لاسيما بعد حادثة اغتيال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيرانى قاسم سليماني، في 3 يناير  2020.



مستقبل إيران بعد
وجاءت الانتخابات تزامنًا مع حالة التوتر الكبيرة بين دول المنطقة، وخاصةً المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، وهو الأمر الذى وصل إلى ذروته بعد أن أعلنت جماعة الحوثي، المدعومة من إيران، مسؤوليتها عن الهجوم على منشأتي نفط سعوديتين في سبتمبر لعام 2019.

كما تأتى هذه الانتخابات في سياق حالة متصاعدة من الجدل والسخط الداخلي، بعد إسقاط الوحدة الصاروخية التابعة للحرس الثوري لطائرة ركاب أوكرانية، راح ضحيتها عدد لا بأس من طلبة الجامعات الإيرانية.

وعليه، شهدت الجولة الأولى من الاستحقاقات البرلمانية الحالية أضعف نسبة مشاركة من قبل الناخب الإيرانى منذ الثورة الإسلامية لعام 1979؛ حيث أعلن وزير الداخلية الإيرانى عبد الرحمن فضلي، أن نسبة المشاركة بلغت 42.6%، على خلفية إقصاء مجلس صيانة الدستور لعدد كبير من مرشحي التيار الإصلاحي، وجاءت النتائج بحصول مرشحي التيار المحافظ على العدد الأكبر من مقاعد مجلس الشورى الإسلامي، وهو الأمر الذي سيترتب عليه الكثير من التداعيات على المستوى الدولي، الإقليمي والداخلي، وهو ما سنحاول توضيحه على النحو التالي:- 

أولًا- تفاقم التصعيد مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاءها الأوروبيين
من المتوقع، أن تودي سيطرة التيار المحافظ على مقاعد مجلس الشورى إلى تصعيد العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين؛ حيث يوجد عدد من الملفات العالقة بين طهران وواشنطن، تتمثل في خطة العمل المشتركة الشاملة، أو ما يعرف بالاتفاق النووي بين إيران ودول «4+1»، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة الأمريكية في مايو لعام 2018، على خلفية اعتراضها على مجموعة من البنود، تُعرف باسم «بنود الغروب»، وهى تلك المتعلقة بمدة سريان الاتفاق، والتي يمكن لطهران بعدها الانضمام للنادى النووي مع وجود عدة قيود.

ويتعلق الملف الآخر الذي يُوجد حوله الكثير من الجدل والخلافات بين الطرفين، بالنفوذ الإيراني في المنطقة، ولاسيما فيما يتعلق بدعم طهران لعدد من الميليشيات الشيعية في العواصم العربية، مثل الحشد الشعبي في العراق، جماعة الحوثي في اليمن وحزب الله في لبنان، وهو ما يهدد مصالح واشنطن في المنطقة، من خلال الهجمات المتكررة التي تمارسها مثل هذه الجماعات على المنشآت العسكرية الأمريكية في المنطقة، ولاسيما في العراق.

كما تواصل طهران بتعطيل حركة الملاحة في المنطقة، وهو الأمر الذي تعتبره الولايات المتحدة الأمريكية بمثابة تهديد كبير لمصالحها في الشرق الأوسط، وكثيرًا ما لجأت طهران للتهديد باستهداف القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وهو الأمر الذي تحقق كرد على حادثة اغتيال قائد فيلق القدس التابع للحرس الثورى قاسم سليمانى في يناير 2020، ويمكن أن يلجأ حلفاء واشنطن «الدول الأوروبية»، على خلفية النهج التصعيدى الذي من المتوقع أن يسير عليه التيار المحافظ في إيران إلى تفعيل آلية فض النزاع؛ بسبب تخفيض إيران لالتزاماتها النووية، الأمر الذي تمثل في إعادة تخصيب اليورانيوم مرةً أخرى، بنسب تفوق المعدل المنصوص عليه في خطة العمل المشتركة الشاملة، والإعلان عن بعض المنشآت النووية الجديدة، مثل فوردو.

وتمثلت الخطوات الأولى للتصعيد بين طهران والقوى الكبرى في تصنيف منظمة العمل المالى لإيران في 21 فبراير 2020، بالتوازي مع أولى أيام الاستحقاقات البرلمانية، إيران ضمن الدول التي تم وضعها على القائمة السوداء لديها، على خلفية فشل حكومة الرئيس الإيرانى حسن روحاني في تمرير مشروعات قوانين مرتبطة بمحاربة الإرهاب والقضاء على ظاهرة غسيل الأموال والسوق السوداء، وهى أحد المقومات اللازمة للانضمام لمعاهدة «فاتف» المتعلقة بغسيل الأموال والقضاء على الإرهاب.

مجلس الشورى الإسلامي
مجلس الشورى الإسلامي
ثانيًا- استمرار حالة التوتر مع دول المنطقة
من المحتمل، أن تستمر حالة التوتر المتصاعدة في الشرق الأوسط بين طهران ودول المنطقة، ولاسيما مع المملكة العربية السعودية بعد سيطرة التيار المتشدد في إيران على قرارات مجلس الشورى الإسلامي القادم في دورته الجديدة، وهو الأمر الذي وصل إلى ذروته عندما أعلنت جماعة الحوثي، المدعومة من إيران مسؤوليتها عن الهجوم على منشأتي نفط، تابعتين لشركة أرامكو السعودية في سبتمبر لعام 2019، الأمر الذي خلف عددًا كبيرًا من التداعيات السلبية، تمثل أبرزها في ارتفاع سعر النفط ونقص المعروض منه في السوق العالمي للطاقة.

ويتعارض ذلك مع الجهود الكبيرة التي بذلها ومازال الرئيس الإيراني حسن روحانى ووزير خارجيته جواد ظريف فيما يتعلق برغبة الجمهورية الإسلامية في التفاوض مع دول المنطقة، وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية، فيما يتعلق بعدد من الملفات العالقة فيما بينهم، والتي يتمثل أبرزها في التصعيد الحالي في اليمن، ولاسيما مع جماعة الحوثي اليمنية وتحالف دعم الشرعية الذي تقوده الرياض.

وتتمثل أبرز المبادرات التي دعا إليها حسن روحاني في هذا الإطار في «مبادرة هرمز للسلام» أو «الأمل»، التي أطلقها على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر لعام 2019، كما زادت حدة التوتر بين طهران وبعض دول المنطقة الأخرى، مثل سلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة، وخاصةً بعد ما أعلن وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو استشارته لدول المنطقة فيما يتعلق بحادثة اغتيال سليمانى وموافقتهم على ذلك، وهو الأمر الذي شرعت طهران على أساسه في تهديد دول المنطقة، والتأكيد على أن الانتقام لمقتل سليماني لن يشمل العراق فقط، وإنما سيمتد ليشمل حلفاءها في المنطقة.

لذا، من المتوقع خلال الفترة المقبلة، وفي ظل سيطرة مرشحي التيار المحافظ على مجلس الشورى الإسلامي، أن تختفى الأصوات المنادية بالتقارب مع دول المنطقة، وخاصةً المملكة العربية السعودية، على خلفية التوافق الذي من المقرر أن يحدث بين قرارات البرلمان الإيراني والتوجه العام لمؤسسات الدولة الراغبة في اتباع الاتجاه التصعيدي مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في المنطقة.
ثالثًا- تصاعد حدة الغضب الداخلي
من المتوقع، أن تستمر حالة السخط الداخلي بعد حسم نتيجة الانتخابات البرلمانية لعام 2020 في إيران، على خلفية حالة التدهور الاقتصادي التي تعيشها الدولة الإيرانية، منذ الخروج الأمريكي من خطة العمل المشتركة الشاملة، أو ما يعرف بالاتفاق النووي في مايو لعام 2018؛ بسبب إعادة فرض العقوبات الاقتصادية الأمريكية مرةً أخرى، وبالتالي، خروج عدد كبير من الشركات الأجنبية متعددة الجنسية من السوق الإيراني.  


أحمدي نجاد
أحمدي نجاد
كما اتضح خلال الفترة التي تولى فيها بعض الرؤساء المحسوبين على التيار المحافظ، مثل الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد، أنهم يملكون فكرًا غير كفء على الصعيد السياسي والاقتصادي، لاسيما فيما يتعلق بإدارة شؤونهم الداخلية والتعامل مع القوى الكبرى على المستوى الخارجي. 

ويعتنق أبناء التيار المحافظ على المستوى الاقتصادي أفكارًا من قبيل الاقتصاد المقاوم والاعتماد على السوق السوداء وغسيل الأموال، خاصةً في فترة العقوبات التي كانت مفروضة في عهد أحمدي نجاد، وهو ما يحاولون العمل به حاليًّا بعد فرض العقوبات الاقتصادية اللاحقة على الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي، ولكن أثبتت هذه الأفكار عدم كفاءتها، لاسيما في ظل عصر العولمة والاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الدول.

أما على الصعيد السياسي، فيرى هؤلاء ضرورة الاعتماد على النهج القمعي، فيما يتعلق بمطالبة المواطن الإيرانى بحقوقه المدنية أو حتى مطالبته بتحسين مستوى المعيشة المتدهور بالفعل، وهو ما يتم التعامل معه من خلال الآلة القمعية لقوات الشرطة والباسيج التابعة للحرس الثوري الإيراني. 

أما بخصوص الصعيد الخارجي، فيؤمنون بضرورة تصدير الثورة الذي يتمثل في التدخل في شؤون دول الجوار، عن طريق تحقيق نوع من الترابط السياسي، الاقتصادي، بل والعسكري أيضًا، من خلال عدد من الميليشيات التابعة لها، وهو الأمر الذي من شأنه تفسير الوضع المتدني للمشاركة السياسية خلال الاستحقاقات البرلمانية الحالية، وينبئ في الوقت ذاته، بمجيء رئيس محسوب على التيار المتشدد خلال الانتخابات الرئاسية في إيران لعام 2021. 
"