يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

صراعات خفية.. موقف التيارات السياسية الإيرانية من إعادة التفاوض حول الاتفاق النووي

الأحد 26/مايو/2019 - 11:51 ص
المرجع
مرﭬت زكريا
طباعة

تشهد طهران حالة من المواجهة المحتدمة بين الفصائل السياسية حول قرار الحرب أو التفاوض، لاسيما بعد التصعيد الحالي مع الولايات المتحدة الأمريكية، على خلفية فرض مجموعة كبيرة من العقوبات الاقتصادية، كان آخرها تلك التي فرضت على قطاع التعدين الإيراني (منتجات الصلب والنحاس والألومنيوم)، كما قامت واشنطن بإرسال حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وبعض القاذفات من طراز «بي 52» إلى المنطقة.


في السياق ذاته، أثارت تغريدات لبعض نواب البرلمان الإيراني الجدل حول الانقسام الموجودة داخل دولة الملالي بين المحافظين والإصلاحيين، فمن يطالبون بالتفاوض مع الإدارة الأمريكية للخروج من حالة التصعيد الحالي، أو إعادة التفاوض حول الاتفاق النووي، ما يؤدى لرفع العقوبات ودخول الاستثمارات الأجنبية إلى طهران مرة أخرى.

 الحرب العراقية الإيرانية
الحرب العراقية الإيرانية

خريطة التيارات السياسية داخل إيران

مع بداية تأسيس نظام إيراني جديد، اندلعت الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) وتدهور الاقتصاد، ذلك ما أدى إلى ظهور أول معركة فئوية بين مجموعتين سياسيتين رئيسيتين (الإصلاحيين والمحافظين) لهما آراء متباينة حول كيفية إدارة الاقتصاد والسيطرة عليه.

لكن بعد تبدل السلطة في إيران على خلفية وفاة «الخميني»، ونهاية الحرب بين طهران وبغداد تحولت إلى ثلاث مجموعات سياسية رئيسية؛ حيث تحول إسلاميو اليسار المتطرف إلى إصلاحيين، بينما انقسم الإسلاميون اليمينيون إلى قسمين رئيسيين «التكنوقراط المعتدلين والمحافظين».  

وأدى فوز الرئيس الإيراني السابق «أحمدي نجاد» في الانتخابات الرئاسية لعام 2005 إلى إثارة انتباه الكثير من الباحثين حول طبيعة الفصائل السياسية الموجودة داخل دولة الملالي، وماهية تكتلاتهم والتغيرات التي طرأت على تصنيفهم.

وعليه، لجأ بعض المحللين إلى تغيير الثنائية المعروفة بالمحافظين/ الإصلاحيين ووضع «أحمدي نجاد» والجماعة التابعة له في فئة المحافظون الجدد، بينما أطلق على المحافظين التقليديين اسم المتشددين أو المتشددين المحافظين(1).


وفسر البعض الآخر فكرة تغير طبيعة الفصائل السياسية الموجودة في طهران، أو الحاجة إلى إعادة تصنيفها من خلال خلفية النظام الإيراني نفسه، التي تتيح وجود  التنافس بين هذه الفصائل، بناءاً على التفسيرات المختلفة للأيديولوجية الثورية المتبعة.

فيما يقول البعض الآخر: إن الدستور الإيراني نص على وجود نظام قائم على عدد من المؤسسات السياسية، إلى الحد الذي توجد من خلاله المؤسسة وظلها في آن واحد، لتجنب تركز السلطة، مع وجود عنصر آخر مميز للنظام الإيراني يتمثل في التمييز بين أتباعه المؤيدين المرشد الأعلى، وأي شخص آخر لا يؤمن بذلك، مما خلق عددًا من الانقسامات بين التيارات(2)  

روحاني
روحاني

موقف الإصلاحيين

لطالما كانت الحركة الإصلاحية لاعباً رئيسياً في السياسة الإيرانية، فقد لعب الإصلاحيون أدواراً عديدة داخل وخارج السياسة الرسمية، عبر وضعهم كأعضاء في البرلمان، وكقادة سياسيين خلال رئاسة خاتمي (1997-2005) وكطليعة لاحتجاجات الحركة الخضراء لعام 2009. لكن، هذه الانتفاضة كانت ذات تكلفة باهظة على حركة الإصلاح، حيث سجن أو نفي العديد من أعضائها.

وتتمتع الحركة الإصلاحية داخل إيران بقدرة كبيرة على التكييف مع الأوضاع وموازين القوى المتغيرة من وقت لأخر داخل الجمهورية الإسلاموية. لذا، صعدت مرة أخرى بعد فوز الرئيس "حسن روحاني" بالانتخابات الرئاسية في عام 2013، والسعي لعقد الاتفاق النووي مع القوى العالمية في أبريل 2015، وعليه بدأت طهران في تلقي عوائد هذا الاتفاق التي تمثلت في هرولة الشركات الأجنبية إلى السوق الإيراني الغنى بالمشروعات الاستثمارية والمجالات الجديرة بالمنافسة، لا سيما قطاع الطاقة الإيراني لعدد كبير من الشركات الأمريكية والأوروبية.

نتيجة لما سبق، استقطبت طهران بعد تنفيذ الاتفاق النووي نحو 12 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية؛ حيث صعدت ألمانيا باستثمارها إلى نحو 3.962 مليارات دولار في المرتبة الأولى بين الدول المستثمرة في ذلك الوقت. 

فبحسب احصائيات وزارة الاقتصاد والمالية الإيرانية ارتفع حجم الاستثمار الأجنبي في مطلع عام 2016، كما شهد الاقتصاد الايراني انفتاحاً كبيراً على العالم مع بداية دخول خطة العمل المشتركة الشاملة حيز التنفيذ؛ حيث سجلت لجنة الاستثمارات الأجنبية في الأشهر الأولى منه استقطاب نحو 9.176 مليارات دولار من الاستثمارات الأجنبية إلى داخل البلاد، أما في نهاية العام الإيراني الماضي بلغت الاستثمارات الاجنبية زهاء 12.49 مليار دولار(3).

وعليه، تعول الحركة الإصلاحية في طهران على عودة الاستثمارات الأجنبية مرة أخرى، وخروج قطاعات الاقتصاد الإيراني من حالة التدهور الموجودة، فضلاً عن أنهم يعرفون جيداً أنه لا فائدة من تحدى القوى الدولية والدخول في مرحلة التهديدات المتصاعدة مع الولايات المتحدة الأمريكية. 

من ناحية أخرى، يحاول الإصلاحيون الاندماج بكل الطرق الممكنة في النظام العالمي، بما يحسن وضع مواطنيهم في كثير من الملفات المتعلقة بحقوق الإنسان والحريات الشخصية، ومن ثم الانفتاح على العالم سياسياً واقتصادياً.

على خامنئي
على خامنئي

موقف المحافظين

يتربع الحرس الثوري الإيراني والمرشد الأعلى  «على خامنئي»، وبعض الشخصيات المقربة منه على عرش الحركة المحافظة؛ حيث يعد التواصل بين الحاضر والماضي أبرز سمات التيار المحافظ، والذي تنطلق أبرز معتقداته من أن الدين هو المحور الأساسي الذي يجب أن تقام عليه الحياة الإنسانية، وتطبيق تعاليم الدين في حدها الأعلى مع ضرورة رعايتها من قبل الحكومة، كما يتم توليد الشرعية السياسية من رئاسة الولي الفقيه، باعتبارها أداة الوصل مع الإمامة (4).

كما يعول المحافظون على حكومة «روحاني» كثيرًا في فشل الاتفاق النووي وسياستها المتساهلة مع الدول الأوروبية، وتنازلها عن كثير من حقوق بلادهم؛ حيث يحاولون امتلاك أكبر قدر من القوة والنفوذ داخل طهران، بغرض سحب الثقة من الحكومة والفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة.


من ناحية أخرى، استطاع الحرس الثوري التكيف مع العقوبات الاقتصادية التي كانت مفروضة في عهد الرئيس الإيراني السابق «أحمدي نجاد» بل وتطوير الأنشطة التي يقوم بها في ظل السوق السوداء، والتعامل مع النظام المصرفي العالمي غير الرسمي القائم على التهريب وغسيل الأموال(5).  

كما توجد نقطة أخرى غاية في الأهمية تتمثل في رغبة الإرهابيين، لاسيما الحرس الثوري في الحفاظ على دور طهران الإقليمي، المتمثل في النفوذ الكبير داخل عدد لا بأس به من الدول العربية (سوريا، العراق، لبنان، اليمن)، وهو الأمر الذي تحاول الإدارة الأمريكية الحالية المتمثلة في الرئيس «دونالد ترامب» القضاء عليه، على خلفية رغبتها في حماية مصالحها ومصالح حلفاءها في الشرق الأوسط.


على أن يتعلق الأمر الأخير برغبة «خامنئي» وحلفاءه في الحفاظ على شرعية نظام ولاية الفقيه، وطبيعة النظام الثوري القائم؛ حيث يجادل الكثير من المحللين حول شرعية النظام، ومازال من خلال الشعارات الثورية التي تتمثل في «الموت للشيطان الأكبر»، وتصدير ما يسمى بالثورة الإسلامية.

الهوامش

1)    Sanam Vakil, Iran on the Brink, Challenges & Opportunities for Washington, Hoover Institution Essay on strategic vision in a changing world, Stanford University, available at https://www.hoover.org/sites/default/files/research/docs/vakil_webreadypdf.pdf.

2)    Saeid Golkar, The Eternal Revolution: Hardliners and Conservatives in Iran, Review of Middle East Studies, vol. 9, no. 1, 2018, pp. 66–69.

3)     إيران تكشف حجم الاستثمارات الأجنبية بعد الاتفاق النووي، 2/4/2017، روسيا اليوم، متاح على الرابط التاليhttp://cu5.io/bbwK0j 

4)     إيران. ما بين المحافظين والإصلاحيين، 13/11/2017، ميدل آيست أونلاين، متاح على الرابط التاليhttp://cu5.io/NYcr .

5)    Pupak Mohebali, Iranian Hardliners vs. Reformists: The Future of the JCPOA, 28/4/2016, LobeLog.com, available file:///C:/Users/mervat.zakaria/Downloads/Iranian_Hardliners_vs._Reformists_The_Fu.pdf

"