يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

هل يفقد روحاني ما بقي من التضامن الأوروبي؟

السبت 14/يوليه/2018 - 06:37 م
حسن روحاني
حسن روحاني
مرﭬت زكريا
طباعة
التقى الرئيس الإيراني حسن روحاني بعض مسؤولي الدول الأوروبية، إضافة إلى روسيا والصين في فيينا الجمعة الموافق السادس من يوليو الحالي، في زيارة رسمية؛ بهدف تعزيز التعاون وتوثيق العلاقات الثنائية؛ للبحث عن اقتراحات ملموسة تتيح الحفاظ على الاتفاق النووي، وسط مخاوف من فرض الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات جديدة على طهران، لاسيما بعد الانسحاب من الاتفاق النووي الإيرانى(1).
 
وعليه، تشير هذه الزيارة إلى القلق الإيراني حيال المواقف غير الواضحة للدول الأوروبية إزاء القدرة على البقاء في الاتفاق النووي، خصوصًا بعد السياسات العدائية لواشنطن تجاه إيران(2).
 
وتتمثل أبرز الموضوعات التي طرحها «روحاني» خلال الزيارة، في التحذير من تبعات محاولات واشنطن عرقلة صادرات إيران النفطية، قائلًا: «إن سياسة الضغط والتهديد لن تكون مجدية مع إيران، وستكون نتيجتها هزيمة الطرف المقابل»(3).
 
في السياق ذاته، أكد روحاني أن الحفاظ على الاتفاق النووي سيكون في صالح أوروبا والعالم، معربًا عن أمله في أن تُقدم أوروبا مقترحات قابلة للتنفيذ بشأن الاتفاق النووى، فضلًا عن التهديد بإعادة تخصيب اليورانيوم إذا لم تفِ الدول الأوروبية بوعودها(4). 

مُحفزات الموقف
وتوجد مجموعة من المؤشرات التي تنبئ بإمكانية تخلي الدول الأوروبية عن موقفها إزاء البقاء على الاتفاق النووي، كما أنها على الناحية الأخرى تُضعف من موقف إيران التفاوضي، إذا كانت هناك فرصة لصياغة اتفاق جديد، والتي يتمثل أبرزها فيما يلي:
هل يفقد روحاني ما
1- خروج الشركات الأجنبية من السوق الإيراني 
فعلى الرغم من أن الأوروبيين هم الأكثر صلابة وتأثيرًا في الدبلوماسية متعددة الأطراف،  لاسيما فيما يتعلق بالصفقة الإيرانية، وقادرين على التغيير الإيجابي في طهران، من خلال الانخراط في الالتزام بالاتفاق، فإنهم يواجهون حسابات أكثر تعقيدًا، فضلًا عن أنهم من أكثر الدول تضررًا من سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
 
في سياق مقابل، اقترح رئيس المفوضية الأوروبية «جان كلود يونكر» سلسلة من الإجراءات، بما يتضمن قانون «المنع» الذي يحظر على شركات الاتحاد الأوروبي الالتزام بقانون العقوبات الأمريكي وحمايتها من الغرامات، إضافة إلى آلية تسمح للعضو بتقديم مدفوعات النفط مباشرة لطهران، دون استخدام المؤسسات المالية الأمريكية الخاضعة للعقوبات(5). 

لكن في النهاية لم تستطع الدول الأوروبية إقناع الشركات الأجنبية -مثل «توتال الفرنسية، وهاني ويل إنترناشونال، ودوفر كوربريشن، جنرال إليكتريك»- بالبقاء داخل السوق الإيراني؛ حيث خرجت عشرات الشركات الكبرى بعد أن قامت الإدارة الأمريكية بإغلاق النافذة القانونية الوحيدة المتبقية التي تسمح لها بالعمل مع طهران دون انتهاك العقوبات الأمريكية، لاسيما بعد أن وضعت الإدارة الأمريكية مهلة تصفية أعمال تبلغ 90 يومًا للمشروعات العادية، و180 يومًا للمشروعات النفطية(6).
هل يفقد روحاني ما
2- تزايد العمليات الإرهابية ضد المعارضة 
انعقد مؤتمر المعارضة الإيرانية في باريس في 30 يونيو الماضي، تحت عنوان  «الانتفاضة من أجل التغيير في إيران»، وخرجت توصياته بضرورة فرض عقوبات جديدة على نظام الجمهورية الإسلامية في طهران، وتنفيذ العقوبات المفروضة عليه حاليًّا، مُشددين على رحيله في أقرب وقت ممكن، كونه المتسبب الأساسي في أزمات الشرق الأوسط.

كما تم وضع «منظمة مجاهدي خلق» على قوائم المنظمات الإرهابية حتى عام 2012، وكانت غير مُحبذة من جانب إدارة أوباما، لكن اليوم يتم إعادة تسويقها والترويج لها مرة أخرى تحت شعار «التغيير في إيران»، لاسيما من جانب الإدارة الأمريكية الحالية، من أجل إيجاد بديل سياسي ديمقراطي لنظام ولاية الفقيه في حالة رحيله(7). 

وعليه، أدى كل ما سبق لضعف موقف الإيرانيين أمام الرأي العام الدولي، وبالتالي ضعف قدرة الأوروبيين في الدفاع عنهم وعن سياسة البقاء داخل الاتفاق النووي، لاسيما بعد حادث تفجير مؤتمر المعارضة في باريس؛ حيث تم توجيه الاتهام للدبلوماسي الإيراني أسد الله أسدي، الذي تم اعتقاله على رأس خلية كانت مكلفة بتفجير «المؤتمر الوطني للمقاومة الإيرانية»، بقيادة منظمة مجاهدي خلق، والذي أكد البحث أنه أحد عناصر أجهزة مخابرات طهران ومطلوب من قبل الشرطة الدولية «الإنتربول»(8).

وما زاد الأمر سوءًا؛ هي المظاهرات التي واجهها «روحاني» خلال جولته الأوروبية، لاسيما في سويسرا والنمسا من قبل حركات المعارضة الإيرانية في أوروبا، مطالبة الاتحاد الأوروبي بإنهاء الزيارة واحترام القيم المعمول بها في دول الاتحاد، القائمة على الالتزام بالديمقراطية وحقوق الإنسان، مُعتبرة روحاني شريكًا في تفجير مؤتمر المعارضة في باريس(9).
هل يفقد روحاني ما
3- ضعف موقف الحكومة في الداخل الإيراني 
تزايدت الاحتجاجات خلال الفترة الأخيرة داخل إيران، جراء الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي وما ترتب عليه من تحديات كبيرة على كل الأصعدة، وما سبقها من تظاهرات عنيفة؛ اعتراضًا على الدور الإقليمي لإيران في المنطقة، في إطار ما وصفه البعض بإهدار الموارد الداخلية من أجل أهداف خارجية لا قيمة لها.
 
كما أدى الخروج الأمريكي من الاتفاق النووي، وإعادة فرض العقوبات الأمريكية مرة أخرى لانسحاب معظم الشركات الأجنبية الكبرى من السوق الإيراني(10).
 
واختلفت دوافع التظاهرات بشكل عام داخل طهران فيما بين سياسي واقتصادي، وربما بسبب التداخل فيما بينهم، لكن المحفز الاقتصادي كان أقوى دائمًا، وهو ما ظهر خلال احتجاجات يونيو الماضي فيما ورد من هتافات تُندد بالسياسات الاقتصادية للحكومة. 

كما ستؤدي الخسائر الاقتصادية، لاسيما انخفاض سعر الصرف  إلى تدهور مستوى المعيشة وتعزيز التضخم، فضلًا عن الحد من قدرة الإيرانيين على السفر للخارج، في حين أرجع البعض الآخر أسباب الاحتجاجات لغياب الشفافية والوضوح بين الحكومة، البرلمان والشعب(11).

وعلى الصعيد الآخر، يرى البعض أن هناك دوافع أخرى لتكرار الأزمات داخل طهران، تتمثل في غياب العدالة فيما بين الأقليات، فبينما تؤكد الجمهورية الإسلامية أنها لا تُفرق بين مواطنيها على أساس اللغة، اللون أو المذهب، تُبرر تعطيل بعض مواد الدستور المتعلقة بضمان حريات وحقوق تلك الأقليات لاعتبارات الأمن القومي وعدم الاستقرار الإقليمي، إلا أن الأقليات داخل إيران دائمًا ما ترى أن هناك خللًا يكتنف سياسات النظام تجاه قضيتي المواطنة والتنمية إزاء المناطق التي تعيش فيها؛ حيث يستبعد النظام معظمهم من تولي المناصب الرفيعة في الدولة، فضلًا عن تهميش المناطق التي يعيشون فيها من حيث مقدار الخدمات المقدمة لها، مستوى البطالة المرتفع فيما بينهم، فضلًا عن التمييز ضدهم(12).

ختامًا: تشير الأزمات المتلاحقة إلى عجز النظام الإيراني عن التعامل معها بطريقة جيدة، تمنع تكرارها مرة أخرى، وعادة ما يكون للفشل مردود سلبي على كل الأصعدة، ولذلك تعول الحكومة الحكومة الإيرانية حاليًّا على بقاء الأوروبيين داخل الاتفاق النووي، حتى تستطيع مواجهة الحرب التي بدأتها الإدارة الأمريكية، بداية من قرار الانسحاب من اتفاقية العمل المشتركة الشاملة، ونهاية بالتهديد بفرض قيود على بيع النفط الإيراني.
 
لكن من الواضح أن الأوروبيين يواجهون تحديات كبيرة فيما يتعلق بملف الاتفاق النووي مع إيران، تمنعهم من اتخاذ قرارات جادة ذات أثر إيجابي طويل المدى؛ حيث تجد أوروبا نفسها بين مطرقة إيران التي تحتاج إلى الاستثمارات الأجنبية من أجل إنعاش اقتصادها، وسندان الولايات المتحدة الأمريكية التي تستطيع إلحاق الضرر بشركاتها.
******
الهوامش:
1. القوى الكبرى تقدم الجمعة اقتراحاتها في فينا من أجل إنقاذ الاتفاق النووي، العرب والعالم.
2. روحاني في سويسرا: أوروبا أصبحت تعارض الأحادية الأمريكية بصوت أعلى، الميادين.نت.
3. شادي صلاح الدين، عشرات الشركات الأمريكية تستعد للخروج من السوق الإيراني، صحيفة الاتحاد.
4. انعقاد مؤتمر المعارضة الإيرانية في باريس اليوم، صحيفة الاتحاد.
5. صالح حميد، إيراني متهم بتفجير مؤتمر المعارضة ومطلوب من قبل الانتربول، العربية.نت.
6. هشام رشاد، الاحتجاجات تطارد روحانى من سويسرا الي النمسا، العين الاخبارية.
7. شبح الاحتجاجات يعود الي طهران مع استمرار انهيار الريال، الشرق الأوسط.
8. ظريف يحذر من مخاطر فشل الاتفاق النووي علي إيران، الشرق الأوسط.
9. بشير عبد الفتاح وروشن قاسم، 6 أقليات كبرى في إيران... تقض مضجع النظام، أخبار الشرق.
10. الرئيس الإيراني يصل سويسرا في زيارة رسمية، اليوم السابع.
11. من سويسرا... روحانى يحذر واشنطن بعد زيارة غامضة، المواطن.
12. frank Wisner and Nelson Cunningham، Trump’s Iran strategy hit America in the pocketbook، The National interest
"