يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

«تجديد لا تبديد».. محمد عمار يشتبك مع قضية الخطاب الديني بطرح متوازن

الخميس 06/فبراير/2020 - 02:53 م
المرجع
محمد شعت
طباعة
مازالت مسألة تجديد الخطاب الديني تثير جدلًا من حين لآخر؛ خاصةً في ظل عدم وجود اتفاق حول معايير هذا التجديد وآلياته وأدواته، وهل هذا التجديد يعني نسف التراث أم تطويعه ليناسب مع الواقع الذي نعيشه؟


وفي كتابه «الخطاب الديني.. تجديد لا تبديد وتطوير لا تحريف» الصادر عن دار كنوز، يؤسس الدكتور محمد عبد الفتاح عمار لضرورة استنباط فقه جديد يستنهض الماضي بتراثه ليخدم الواقع بمتغيراته ومستجداته؛ خاصةً أن أصوات التشدد قد علت ووصلت إلى حد التطرف، وتكفير الناس وإباحة دمائهم وأموالهم.

ويرى الكاتب أنه من الضروري أن يكون لدينا خطابٌ دينيٌ مستمدًا من الينابيع الصافية للشريعة الغراء دون مغالاة، أو تفريط، فهو تجديد لا تبديد وتطوير لا تحريف، يحترم واقع المسلمين، وينهض بحلول مشاكلهم وحياتهم المعاصرة، دون انغلاق على الماضى بتفاصيله وحوادثه، التى أصبحت ركامًا تاريخيًّا وتراثًا لا يصح الوقوف عنده فقط، وإنما يجب أن يؤخذ منه ليُضَاف عليه وقد لا يكفي الرجوع إليه في كثيرٍ من الأمور، فها هي  المتغيرات من حولنا تتنامى بكل صورها يومًا بعد يوم، حتى فاقت المستجدات ما توارثته الشعوب، ولم يعد مُمكنًا أن يقف الخطاب الدينى أمامها مكتوفًا عند حوادث الماضى، وإفتاء تغير محلَّه، وربما تبدلت علَّته، ومقاصد تبددت حكمتها.

«تجديد لا تبديد»..
مضمون الخطاب

ينطلق الكاتب من نقطة أساسية وهي: التفرقة بين شكل الخطاب وآلياته من جهة، ومضمون الخطاب من جهة أخرى؛ فيقوم بتحديد مفهوم الخطاب الدينى مفرقًا بين الشكل والموضوع.

ويشير إلى أن قضية التجديد ليست بجديدة على الفقه الإسلامي، مع بيان آراء المعارضين والمؤيدين للتجديد، وجهة نظره الشخصية في ضرورة التجديد وفق ضوابط وأسس فقهية وعلمية رصينة، مع أهمية أن يكون التجديد بدوافع ذاتية تخص المجتمع الإسلامي للنهوض به.

ويتناول الفصل الثاني مضمون الخطاب الدينى؛ مؤكدًا شمولية محتوى الخطاب الديني، ويُعَرِّض للقضايا التي تقع داخل المضمون؛ مثل  قضية النص والعقل، وحجية النص القرآني، وحجية الأحاديث النبوية، ويُعَرِّض أيضًا للحكم الشرعي بين العلة والحكمة ونظرية المقاصد في الشريعة الإسلامية، ويتناول فكرة قابلية الخطاب الديني للتغير من حيث الزمان والمكان ورأي العلماء في هذا الموضوع.

 

عناصر الخطاب الديني 

في الفصل الثالث من الكتاب يتناول المؤلف قضية مهمة، وغير مطروقة، وهي عناصر الخطاب الديني، فيشير إلى أن الخطاب الديني يصدر من منتجٍ لهذا الخطاب، وهو ما تتجه إليه الدراسات والبحوث، وهناك تكمن خطورة تعدد جهات الخطاب الدينى، وأيهما يمكن اعتبارها حجة؛ فالخطاب الديني قد يكون مؤسسيًّا صادرًا عن جهة كالآزهر، وقد يكون اجتهادًا شخصيًّا عن فقهاء، وهنا مَكْمن الخطورة؛ فمَنْ له الصلاحيات ومن يمكن اعتبار كلامه حجة.

ويشير المؤلف إلى أن العنصر الثاني، وهو مُتلقي الخطاب الديني، وقد أهملته الدراسات والبحوث المتعلقة بالخطاب الدينى في مجملها، فمتلقي الخطاب قد يكون من الغير كدول أو مؤسسات خارجية، وقد يكون فردًا عاديًّا يعيش فى مجتمعاتنا سواء أكان يدين بدين الإسلام، أو ينتسب إلى الأديان السماوية الأخرى، أو حتى منكرًا للأديان، هناك يشير االمؤلف إلى أن المتلقي يتأثر بعدة عوامل عند تفهمه للخطاب الدينى فلابد من دراسة ورصد مدى تأثير البيئة الاجتماعية والدينية عليه، وكذلك ثقافة المتلقي الشخصية وحدودها ومدى تأثير ذلك كله على فهم واستيعاب الخطاب الديني، ورغم أن آليات الخطاب الديني ضمن عناصره؛ فإنه نظرًا لأهميتها، وما تثيره من شكليات تؤثر بالضرورة على انتشار الخطاب الديني وقدرته على الإقناع والوصول إلى المتلقي.

«تجديد لا تبديد»..
آليات تقليدية

يخصص المؤلف الفصل الرابع للآليات التقليدية، التي تتمثل في الخطابة، والنشر، بكافة صورة  كالكتابة بأنواعها، والنشر المرئي والمسموع ثم الآليات الحديثة من خلال التقنيات الإلكترونية والنشر الرقمي.  

وفى الفصل الخامس يتناول الكتاب النقد الموجه للخطاب الدينى بالتفصيل فيحدد أوجه النقد الموجه لهذا الخطاب من حيث شكل الخطاب وآلياته ولغته ومدى قدرته على الوصول إلى الغير ثم النقد الموجه للمضمون أو المحتوى ومقدرة هذا الخطاب على المجادلة والإقناع على أسس عقلية دون إغفال قيمة النص الدينى.

ثم يقسم هذا النقد إلى نقد خارجي أبرز ملامحه عدم قدرة الخطاب الدينى على مخاطبة الغير بلغته، وسيطرة لغة العداء على الخطاب الدينى الموجه للغرب وضعف الآليات التى تتبنى الخطاب الدينى أو وتقوم على الخطاب الدينى الموجه للغير.

أما بالنسبة لما يمكن أن يؤخذ على الخطاب الدينى فى الداخل؛ فيؤكد أن الخطاب الدينى الحالى فشل فى التصدى للقضايا الحقيقية للأمة الإسلامية لإهماله لفقه الواقع وعدم تناوله المستحدث والمتغير، اكتفاء بترديد آراء السابقين فى كافة مناحى الخطاب الديني فيصدر الخطاب منفصما عن الواقع تماما  كما يشير إلى ارتباك الخطاب الدينى تجاه قضايا والتعصب والإرهاب.

ويأخذ الكاتب على الخطاب الدينى الحالى الطابع التكفيرى وغالبه الطابع السياسى وإهمال الدعوة الحقيقية وإبراز عظمة الإسلام  فى مقابل استخدامه للترويج لأفكار وخدمة أغراض سياسية بحتة.

ويرى الكاتب أن لغة الخطاب الديني لا تلتزم بالضوابط الواردة فى الكتاب والسنة  النبوية  فتخالف الأساليب اللغوية، فيستخدم لغة العداء والإرهاب وتخويف الناس،  رغم أن القرآن الكريم  استعمل الحوار  لإقناع  الكفار.

كما أن أصحاب الخطاب المتطرف فيعيدون تعريف بعض المصطلحات كالعلمانية والليبرالية؛ لإيهام الناس أنها نوعٌ من الكفر، ويعممون الألفاظ فيقولون العلمانيين الكفرة أو الملاحدة؛ ناسين قول رسول الله  صلى الله عليه وسلم «ليس المؤمن بالطعان  ولا اللعان  ولا الفاحش ولا البذيء».  

ويضيف أن ذلك أدى بهم لإهمال فقه الواقع؛ فانفصل الخطاب عن واقع الحياة فلم يلقوا بالًا لمشاكل الناس كالمغالاة  فى المهور، وانتشار ظاهرة الطلاق، واحتكار السلع الغذائية، والكسب من مخالفة القانون، وإهدار حقوق الجوار كمخالفات المباني وغيرها، من الظواهر التي يعاني منها المجتمع.


آليات التجديد

يحاول المؤلف أن يضع أسسًا لتجديد الخطاب  سواء من حيث الشكل أو المضمون، مسلما بأن الحاجة إلى التجديد يجب أن تكون بدوافع ذاتية وتخدم قضايا المجتمعات الإسلامية دون أن تخضع لأى مؤثرات خارجية أو تحت تأثير الثقافة الغربية، وباعتبار أن التجديد نفسه جزء من ثقافة المجتمع المسلم دعا إليه الدين الإسلامي قبل غيره من الثقافات المعاصرة.

ويرى المؤلف أن كل المؤسسات الدينية والجهات المعنية مسئولة عن هذا التجديد دون تغول أى منها على الأخرى مع المطالبة، وبشدة باستقلاليتها سواء من حيث البناء العضوي أو مواردها الذاتية أو تحديد الأولويات التي يجب أن تنشغل بها عند تعاملها مع قضايا الخطاب الدينى.

ويشير إلى الصعوبات التى تحول دون تقديم خطاب ديني حقيقي وتتمثل فى تعدد منتجي الخطاب الدينى والافتقار إلى  الأهلية والصلاحية، وإلى مشكلة سطحية القضايا التي ينشغل بها الخطاب الدينى، وافتقاره إلى رؤية شاملة ثم يشير إلى خطورة التحجر الفكري النابع من تقديس إراء المجتهدين الأوائل  وإغفال دور العقل.

ثم ينتقل إلى الأساليب التى يجب من خلالها تجديد الخطاب الدينى مطالبا  بتفعيل وتنشيط المؤسسات القائمة وعلى رأسها الأزهر الشريف  وتوفير كافة السبل لها للقيام بمهمتها، وأن تعى كل مؤسسة وجهة دورها وتقوم به على أكمل وجه مع ضرورة النظر فى مسألة الفقه الجماعى، وأهمية أن يكون الاجتهاد جماعيا لثقل حجيته وليصدر بعد تمحيص كاف.
"