يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

الإخوان في حرب الغاز مع تركيا ضد مصر

الجمعة 12/يوليه/2019 - 12:05 م
المرجع
ماهر فرغلي
طباعة

 ضمن مخطط سعيها إلى التحوّل لمركز عالمي ينقل الطاقة، خاصة في روسيا وكازاخستان، لنقلها إلى أوروبا عبر مشروع «السيل التركي»؛ أشعلت تركيا مؤخرًا حدّة الصراع على حقول الغاز في منطقة شرق المتوسط، بينها من جهة، وبين كلٍّ من مصر وقبرص واليونان من جهة أخرى، إلّا أنّ مصر واكتشاف حقل غاز «ظهر»، وترسيم حدودها البحرية، جعلها تنتصر في المعركة، لتصبح مركزًا للغاز المسال في الشرق الأوسط؛ ما نقل الأمور من الحرب الكلامية إلى التصعيد العسكري المتبادل، ليقف الإخوان -كعادتهم- في النهاية، مع حليفهم أردوغان، ضدّ وطنهم الأم!

 

الغاز يشعل المعركة

الموقف التركي، ببساطة شديدة، مخالف للقانون الدولي؛ حيث بدأ في التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، بالقرب من شمال قبرص، بعدما أثبت المسح أنّ مياهه ليست غنية بالغاز، وهذا ما أقلق اليونان ومصر، بعد اقترابه من المياه الإقليمية المصرية الغنية بالغاز.


 يخطط الأتراك لعمل خطّ أنابيب يبدأ من شمال قبرص، وقد اعترضت البحرية اليونانية سفينة تنقيب تركية الأسبوع الماضي، وفي المقابل؛ ألقت أنقرة القبض على عدد من اليونانيين اقتربوا من شواطئها.


 ولأنّ الأمر برمّته يتعلّق بالسيادة، والسيطرة على تجارة الغاز ونقله عالميًّا؛ فإنّ اليونان ومصر لن تسمحا لتركيا بالتنقيب في المياه الاقتصادية القبرصية مطلقًا، إضافة إلى أنّ ذلك هو اختراق واضح لاتفاقية ترسيم الحدود، وتجاوز لاتفاق مشترك بين الدول الثلاث.


 في يوم الأحد 2 فبراير 2018؛ أوقفت تركيا سفينة تنقيب غاز مملوكة لشركة إيني الإيطالية قبالة شواطئ قبرص، وقال الرئيس القبرصي «نيكوساناستاسيادس»: «نحن نلتزم الهدوء تجنبًا لإثارة أي أزمة، ونتخذ كل الخطوات الدبلوماسية الضرورية حتى يتم احترام الحقوق السيادية لجمهورية قبرص».


 اللافت؛ أنّ وزير الدفاع التركي قال: «نرغب في حلّ المسائل بالطرق السلمية!»، إلا أنّ اليونان ردّت بأنّ توسعة المياه الإقليمية حقّ سياديّ لا جدالَ فيه، متجاهلة التحذيرات التي تعارض هذه الخطوة.


 نقلت صحيفة «تانيا» اليونانية، عن وزير خارجيتها أنّه «إذا حاولت تركيا توسيع حدودها البحرية، فإنّ اليونان لديها القدرة على الردّ، دبلوماسيًّا وعسكريًّا، على هذا التوسع، وإن كانت لا تتمنى أن تصل الأمور إلى هذه النقطة».


 وكانت شركة «إيني» الإيطالية قد أعلنت توقيف سفينة، في طريقها لموقع بحري يعرف باسم «بلوك 3»، من قبل بوارج تركية يوم 9 فبراير؛ بحجة وجود نشاطات عسكرية في المنطقة المقصودة.


 في المقابل؛ دعمت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، اليونان وقبرص، وذكرت مصادر حكومية يونانية؛ أنّ ميركل، أبلغت رئيس وزراء اليونان، تسيبراس، أنّ ألمانيا تدعم حقوق أثينا ونيقوسيا في مواجهة استفزازات أنقرة.


 وقال وزير الخارجية اليوناني، نيكوس كوتزياس: إنّ «تركيا يجب أن تتذكر ما قلته منذ عامين: اليونان ليست سوريا ولا العراق».


 ونقلًا عن موقع «روسيا اليوم»؛ فقد أكّدت مجلة «الإيكونوميست» البريطانية أنّ «الاحتكاكات التركية الأخيرة، التي تمثلت في إسقاط طائرة يونانية، قبالة سواحل جزيرة سكايروس، لم تكن أول انتهاك تركي للمجال الجوي اليوناني».


 وقالت المجلة، في تقرير لها، الجمعة: إنّ «النزاعات حول المجال الجويّ والحدود البحرية وحقول الغاز تسمّم العلاقات بين تركيا من جهة، ودول شرق المتوسط من جهة أخرى، موضحةً أنّ اكتشافات احتياطيات الغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط، التي كانت تشكّل، في وقت من الأوقات، مفتاح السلام في المنطقة، أثارت الكثير من الصراعات والتعديات التركية على عدد من البلدان، إضافة إلى اليونان».

 

الإخوان في حرب الغاز

مصر في المواجهة

 عام 2015 اكتشفت شركة «إيني» (ENI) الإيطالية، حقل «ظهر» المصري؛ ليكون أكبر الحقول المكتشفة في البحر الأبيض المتوسط، متجاوزًا حقل غاز «ليفياثان» الإسرائيلي، وبدأ الإنتاج منه بالفعل، في كانون الأول (ديسمبر) 2017.


يقول الكاتب الصحفي أحمد إمبابي، في تقرير نشره النادي الدولي: إنّ «حقل ظهر نقلة اقتصادية نوعية للدولة المصرية؛ فبعد أن كانت مصر تتحمل مليار و200 مليون دولار شهريًّا لشراء منتجات بترولية، وفّر إنتاج «ظهر» هذه التكلفة العالية على الموازنة؛ ذلك أنّ إنتاجه قادر على سدّ احتياجات السوق المحلي، بل ويكفي للاتجاه للتصدير».


 يقدَّر حجم احتياطي حقل «ظهر» بنحو 30 تريليون قدم مكعبة من الغاز، ما يعادل 5،4 مليار برميل زيت مكافئ، كما أنّ احتياطيات الحقل تمثل أكثر من 135% من الاحتياطي الحالي للزيت الخام في مصر، فضلاً عمّا يمثله من جذب استثمارات أجنبية لمصر، تقدر بنحو 12 مليار دولار، تم إنفاق 5 مليارات منها خلال المرحلة الأولى.


 من جانبه، قال الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، في معرض الحرب الكلامية مع تركيا: «إحنا جبنا جون يا مصريين في موضوع الغاز، والنهاردة مصر حطت رجلها على طريق إنها تبقى مركز إقليمي للطاقة في المنطقة، وبقالي 4 سنين بحلم بالموضوع ده، اللي هتكون له إيجابيات كبيرة جدًّا، والناس تبقى مطمنة إن اللي عملناه كدولة أتاح الفرصة لمصر تكون في المكان ده في مجال الغاز».


 تغيرت بعدها لهجة البيانات العسكرية المصرية عن عملية سيناء؛ حيث تظهر فيها دائمًا القوات البحرية، وفي يوم عيد البحرية المصرية، يوم 21 أكتوبر 2018، كان الاستعراض للقوة الواضح؛ حيث ركب الرئيس المصري طائرة «هليكوبتر» هجومية، ليوجه رسالة بأنّ على أنقرة أن تفكر مئة مرة قبل أن تقترب من المياه الإقليمية المصرية؛ لأنّه لا توجد لها حدود مائية مشتركة مع مصر مطلقًا.


ومن خلال الرسائل التي وجهها الرئيس السيسي؛ فإنّ أيّ اقتراب للبحث عن الغاز في مناطق قريبة من حرم المياه الاقتصادية المصرية، ودون وجود اتفاق مسبق، هو اعتداء على الأمن القومي، ومن هنا جاء اجتماع «كريت» بين الجانب المصري واليوناني والقبرصي لبحث التداعيات؛ لأنّ حلّ موضوع الحدود البحرية لا يمكن أن يكون سلميًّا بعد التحركات التركية الأخيرة، إثر انتهاء مرحلة الحرب الكلامية، ووصول التصعيد المتبادل إلى المنطقة الأخيرة، التي أشهر فيها الجميع سيوفهم، ولوّحوا باستخدام القوة.

 

الإخوان في حرب الغاز

الإخوان مع تركيا

يتعارض المشروع المصري اليوناني القبرصي مع روسيا، التي تريد مدّ أنبوب منها لتركيا إلى سوريا، وهذا يحدّد اتجاه بوصلتها مع من تقف في مثل هذا السيناريو، الذي تعقّدت الأزمة فيه، يقول الباحث في الشأن الاقتصادي، المقيم في سويسرا، نبيل عامر، في تصريح خاص لـ«المرجع»: «ربما تأتي قضية خاشقجي في هذا الإطار تمهيدًا وتحضيرًا للمعركة التي يمهّد لها الغرب عن طريق أنقرة، والهدف وضع السعودية في الزاوية أثناء المعركة مع مصر! لكنّ الأمل في تدخّل قوى الضغط الكبيرة لإيقاف المهزلة التركية».


وزير البترول المصري السابق، أسامة كمال، أوضح في تصريح لصحيفة «صدى البلد»، يوم 16 فبراير 2018؛ أنّ «الإخوان حاولوا فتح ملف ترسيم الحدود مع قبرص، بدعوى أنها لم ترسَّم بالطريقة الصحيحة، وكانوا يريدون مجاملة أردوغان، لكنّ مصر أغلقت هذا الملف حينها»، لافتًا إلى أنّ «اتفاقية ترسيم الحدود موقَّعة منذ عام 2003، ثم أثيرت دعوى أنّ هناك خطأ في ترسيم الحدود، كما أنّ ترسيم الحدود مع المملكة العربية السعودية تمّ الانتهاء منه عام 2010، ولم يتمّ تنفيذه حتى 2015، بسبب الأوضاع السياسية».


فإذا كانت المعركة الكلامية قد انتهت، فمع من تقف جماعة الإخوان، المعارضة طوال الوقت للسيسي؟ يقول الباحث السوداني في الشأن التركي، عباس محمد صالح، في تصريح لـ«المرجع»: «سيقف الإخوان مع تركيا، بكلّ تأكيد؛ لأّن موقفهم واضح من النظام الحالي في مصر».


ولا يتوقع عباس محمد صالح نشوب الحرب، قائلًا: «مهما كانت درجة النزاع بين تركيا ومصر حول استغلال احتياطات الغاز في المياه الإقليمية للبلدين، شرق المتوسط، لا أعتقد أنّ خيار الحرب سيكون في صالح الدولتين، بالتالي؛ أستبعد نشوب حرب بينهما، ثم من ناحية جيواستراتيجية قرار الحرب ليس في يد مصر أو تركيا؛ إنما بيد «الفيتو الأوروبي المفتوح»؛ حيث سيعارضون أيّ حرب قد تقع على تخوم قارتهم، وأخيرًا: وجود آليات ديبلوماسية يمكن اللجوء إليها، وحتى في حال استنفاد هذه الآليات، هناك الإرادة السياسية للمجتمع الدولي، التي ستردع أيّ طرف يميل لخيار الحرب».


 كما يقول محمد عبدالقادر، الباحث في الشأن التركي، ورئيس تحرير شؤون تركية، الصادرة من مركز الأهرام للدراسات: إن الغاز هو محور الصراع الجديد في الإقليم خلال السنوات القادمة؛ لأن المتوسط يحمل لدوله التوتر والصراع في الوقت الذي يخبئ لهم الثروات الضخمة؛ وذلك بسبب الصراعات المتجذرة بين الدول، مثل مصر وتركيا.


ويؤكد عبدالقادر أن الإخوان أقرب لتركيا؛ لأن لديها رؤيتها الخاصة في هذا الصراع، الذي يتداخل معه نمط خلافات تاريخية وحدودية مع كل اليونان وقبرص، وصراعات أيديولوجية وسياسية مع الدولة المصرية، وقطر أيضا التي لن ترحب بتحول مصر لقوة نقل وتصدير الغاز، فهذا يخصم من دورها في هذا السوق، وفي الوقت نفسه يدعم حضور مصر الاقتصادي وهذا ما لا ترضى به، ومن ثم حليفتا الإخوان، تركيا من جانب، وقطر من جانب آخر يتبنيان مواقف مضادة للرؤى المصرية، التي تقوم على مبدأ تحقيق المكسب للجميع، على أن تكون مصر دولة لا تتقاسم مع غيرها خيرات المتوسط، وإنما تتحول إلى مركز إقليمي لتصدير الغاز الإسرائيلي والقبرصي؛ ما يخصم من رصيد تركيا الاستراتيجي، باعتبارها أكبر نقطة تلاقي عالميًّا لخطوط تمرير الغاز، ومن ثم الصراع مركّب، ومواقف الجميع فيه واضحة، ولا تختفي خلف ألوان رمادية، وربما هذا يكون سببًا للقلق؛ لأنه يشير إلى أن ثمة مباراة صفرية يعكسها حجم التوجه لتسليح القوات البحرية في كل دول شرق المتوسط.

 

"