يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

الغرق مع «أردوغان».. انهيار الاقتصاد التركي على يد صهر الرئيس

الجمعة 19/أبريل/2019 - 08:47 م
المرجع
شيماء حفظي
طباعة

بعد 14 عامًا من زواجه بالابنة الكبرى للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، لم يكن صهره برات آلبيراق ذو صيت في أنقرة، حتى كلفه «حماه» بتولي حقيبة المالية والخزانة إحدى أهم حقائب الحكومة، في منتصف العام الماضي.


تولى صهر أردوغان زمام أمور اقتصاد تركيا، تزامن مع بداية ذوبان الجليد الذي كان يحمي «نموًا وهميًّا» في الاقتصاد على مدار سنوات، ليشهد آلبيراق أكبر أزمة عاصفة في البلد منذ أزمة 2001.

الغرق مع «أردوغان»..
الطريق إلى أردوغان
وبرات هو ابن المؤلف والكاتب صادق آلبيراق ذو التوجهات الإسلاموية، وتربطه بأردوغان علاقة صداقة قوية قديمة منذ عام 1980، وكان عضوًا في البرلمان بين عامي 1991 و1995 عن حزب الرفاه، وهو الحزب الذي انبثق عنه حزب أردوغان الحالي العدالة والتنمية.

درس برات البالغ من العمر 40 عاما إدارة الأعمال في جامعة إسطنبول، وانضم عام 1999 لمجموعة تشاليك القابضة العملاقة، والتي تعمل في العديد من المجالات وعلى رأسها الطاقة والبناء، وبعدها بثلاثة أعوام تولى منصب المدير المالي في فرع المجموعة في الولايات المتحدة وما لبث أن أصبح مديرًا للفرع الأمريكي.

النفوذ القوي
عام 2007 تولى برات إدارة مجموعة تشاليك التي اشترت عددًا من محطات التلفزيون والصحف مثل صحيفة «صباح» التي أصبحت الناطقة باسم حزب أردوغان ومحطة «خبر» التلفزيونية الموالية لأردوغان.

ترك برات المجموعة التي يتولاها الآن شقيقه يافوز وترشح للانتخابات على قوائم حزب العدالة والتنمية عام 2015، وأصبح عضوًا في البرلمان، وبعدها بأشهر قليلة تولى منصب وزير الطاقة.

ورغم أن المنصب الذي تولاه لم يمكن مهمًّا، إلا أن علاقته بأردوغان جعلت منه صاحب نفوذ كبير في الحكومة، وبات أحد أهم المسؤولين داخل أروقة القرار، حتى أصبح وزيرًا للمالية العام الماضي.

ونفوذ صهر أردوغان، في بلاط الحكم التركي، ليس بعيدًا عن بداية الأزمة الاقتصادية للبلاد، التي جاءت بشكل مباشر نتيجة «قرارات غير مدروسة» وضعها أردوغان مع بداية حكمه لكسب التأييد الشعبي.
الغرق مع «أردوغان»..
شاهد على غرق السفينة
مرت تركيا بأزمة انهيار اقتصادي في عام 2001، شهدت فيه البلاد تضخمًا مُزمنًا وانخفاضًا لسعر العملة إلى 1.5 مليون ليرة مقابل الدولار الأمريكي، لكن منذ صعد أردوغان إلى السلطة في تركيا في 2003 عمد إلى تحسين الاقتصاد التركي من خلال زيادة تدفق الاستثمارات «بتسهيلات ائتمانية مغرية» بشكل يسرع من تحسن أحوال المعيشة للمواطنين الأتراك.

تمكن أردوغان من اكتساب سمعة طيبة لكفاءته الاقتصادية- حسب ما تم الترويج له حينها - وفي عام 2011، اجتاز النمو الاقتصادي 10%، وأصبحت تركيا تُعرف بالنمر الجديد، وأسرع الاقتصادات نموًا في مجموعة الدول العشرين، لكن تعرض الاقتصاد التركي إلى أول هزة انكماشية عام 2009.

ونتيجة الإجراءات لم تكن محسوبة العواقب المستقبلية، فتراكمت الديون على تركيا، لتعصف بها مع العام 2017 – 2018، وتشدها لما هو أسوأ في الأعوام المقبلة كما تشير التوقعات، فهناك شعور بأن ثمة أزمة اقتصادية تعصف بالبلاد، وبأن أيام الرخاء قد ولت.

وبحسب تقرير لوكالة بلومبرج، مارس الجاري، فإنه مع دفع أردوغان للنمو بأي ثمن وضغطه على البنك المركزي للحفاظ على أسعار الفائدة منخفضة، تدفقت رؤوس الأموال إلى تركيا خلال حقبة من التحفيز النقدي القياسي في جميع أنحاء العالم.

لكن تدفق هذه الأموال، أنتج توسعًا غير متقطع تقريبًا أدى إلى رفع الاقتصاد بمعدل 7% تقريبًا كل ثلاثة أشهر منذ أواخر عام 2009، لكن هذا الارتفاع قد تلاشى بعد انهيار العملة، وخطوات السياسة، والخلاف الدبلوماسي غير المسبوق مع الولايات المتحدة.

وانهارت العملة التركية العام الماضي بعد مضاعفة الولايات المتحدة الرسوم الجمركية على الصلب والألومنيوم الوارد من تركيا، ردًّا على اعتقال أنقرة لقس أمريكي، اتهمته تركيا بالضلوع في عملية انقلاب فاشلة عام 2016، وأفرجت عنه لاحقًا.

وفقدت الليرة التركية 30% من قيمتها أمام العملة الأمريكية العام الماضي، وما تزال تسجل خسائر يومية في المعاملات أمام الدولار وصلت خلال اليوم فقط لخسائر نحو 5%.

ويقول خبراء الاقتصاد في بلومبرج: إن تركيا كانت واحدة من أسرع الاقتصادات الناشئة نموًا في عام 2017، لكن نموها لم يكن متوازنًا، بسبب الإنفاق الحكومي الزائد، والنمو السريع للائتمان في زيادة الواردات، وتوسع العجز في الحساب الجاري، ومما لا يثير الدهشة أن الاقتصاد يدفع ثمن تجاوزات الماضي.
انهيار أوهام أردوغان
وقال إنان ديمير الاقتصادي في «نومورا إنترناشيونال بي إل سي» في لندن: إنه «على عكس التعافي السابق في تركيا، هناك خطر كبير من أن يكون التعافي أبطأ بكثير هذه المرة.. قد يواجه الاقتصاد التركي برمته ضغوطًا على المديونية».

ومن خلال تكليف أردوغان لصهره بهذا المنصب الحساس ستتاح له فرصة التصدي للمشاكل الكبيرة التي يعاني منها الاقتصاد التركي في الوقت الراهن، وعلى رأسها التضخم، وانهيار قيمة الليرة التركية، وارتفاع سعر الفائدة، وكسب ثقة المستثمرين الأجانب.

لكن ردة فعل الأسواق على توليه هذا المنصب كانت عكسية، فقد تراجعت قيمة الليرة التركية بحوالي 3 في المئة بعد يوم فقط من توليه هذا المنصب، كما تراجعت البورصة، وارتفع سعر الفائدة على سندات الخزانة.

يذكر أن برات كان قد عزا تراجع قيمة الليرة التركية إلى مراكز تعمل الخارج لإسقاط الحكومة التركية، بينما كان الإعلام التركي أكثر صراحة في اتهام ما أسمته بـ«اللوبي اليهودي» في العالم.

ولبرات موقف مماثل لموقف أردوغان من أسعار الفائدة، فكلاهما يدعو إلى تخفيض نسب الفائدة بشدة، ويعتقدان أنها السبب الأساسي لأزمات الاقتصاد التركي، بينما ترى المؤسسات المالية العالمية أن البنك المركزي التركي يجب أن يحافظ على استقلاليته، ويرفع سعر الفائدة للجم التضخم.

يرى المراقبون أن أردوغان بات يتحكم بكل مفاصل الحكم في البلاد، وهو ماضٍ في تحقيق خطته في إعادة بناء تركيا وفق رؤيته، وفرض مزيد من القيود والتضييق على معارضيه، والشيء الوحيد الذي يمكن أن يجعل أردوغان يتردد في السير في هذا الطريق هو تفاقم الأزمة الاقتصادية التي تمر بها تركيا حاليًّا، ما يعني في النهاية تراجع شعبيته في أوساط المجتمع التركي التي بقيت مخلصة له حتى الآن.
"