يصدر عن مركز سيمو - باريس
ad a b
ad ad ad

مآلات عكسية.. إلى أين سيتجه الاقتصاد التركي بعد فوز «أردوغان»؟

الأحد 15/يوليه/2018 - 03:36 م
أردوغان
أردوغان
آية عبدالعزيز
طباعة
حُسم السباق الرئاسي في تركيا لصالح الرئيس «رجب طيب أردوغان»، إثر إجراء الانتخابات الرئاسية في 24 يونيو 2018، وعليه ستدخل أنقرة مرحلةً جديدةً من النظام الرئاسي ووفقًا لهذه التعديلات سيتمتع «أردوغان» بصلاحيات واسعة تمكنه من تشكيل حكومته دون قيود، فضلًا عن قدرته على اتخاذ قرارات مستقلة دون الرجوع إلى موافقة البرلمان، خاصة فيما يتعلق بسياساته الخارجية التي تتوافق مع طموح السلطان العثماني، وعليه بدأ «أردوغان» في تشكيل حكومته بشكل مستقل، متجاهلًا كل ما يعيق طموحه في السيطرة على مؤسسات الدولة التركية.



مآلات عكسية.. إلى
ديكتاتورية السلطان
تمكن «أردوغان» بالفعل من تحقيق أهدافه الداخلية والخارجية في الآونة الأخيرة، مستغلًّا محاولة الانقلاب التي تعرضت لها أنقرة في يوليو 2016؛ لتكون ذريعةً جديدةً لديكتاتوريته وانفراده بالسلطة، تجلى في التدخل العسكري بالمنطقة العربية؛ بحجة حماية الأمن القومي التركي من الإرهابيين، خاصةً في سوريا من خلال عملية «درع الفرات»، و«غصن الزيتون» تمهيدًا لخلق موطئ قدم له في دمشق، إضافة إلى تحركاته في البحر الأحمر ومنطقة شرق أفريقيا، تزامنًا مع توجهاته الخارجية نحو منطقة شرق المتوسط، تمهيدًا لاستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية. 

وهنا لابد من الإشارة إلى نقطة مهمة؛ وهي أن التنمية في تركيا رغم أنها مستمرة فضلًا عن تنامي الاستثمارات الداخلية والخارجية، لكن الاقتصاد التركي في وضع حرج؛ نتيجة ارتباط قيمة العملة الوطنية، ومعدلات التضخم بالاستقرار السياسي والتحركات الخارجية.

تمثل ذلك على سبيل المثال عندما عين «أردوغان» فور تنصيبه صهره «براءة ألبيرق» وزيرًا للخزانة والمالية في الحكومة الجديدة، تكريسًا للهيمنة الفردية، والسيطرة على السياسات المالية والنقدية في تركيا، أدى ذلك إلى انخفاض مباشر لقيمة الليرة التركية، لتسجل أسوأ معدلات خلال العام الجاري.

وفيما يلي جدول يوضح أهم المؤشرات الخاصة بمعدلات النمو التي يشهدها الاقتصاد التركي من 2013 وحتى 2017؛ حيث أثرت التدخلات الخارجية على السياسات النقدية والاقتصادية؛ ما أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم إلى أعلى من 10%، بجانب ارتفاع معدلات البطالة أيضًا فوق 10%؛ ما يعني عدم قدرة الحكومة على زيادة عائدات الضرائب لتغطية العجز في الميزانية، البالغ 50 مليار دولار، كما هو موضح على النحو التالي:


مآلات عكسية.. إلى
مآلات عكسية.. إلى
انعكاسات مضادة على الاقتصاد التركي
بدا «أردوغان» حكمه بالسيطرة على الاقتصاد التركي ليكون رهن أوامره، من خلال السيطرة عليه وفقًا لتوجهاته الخاصة، من خلال تعيين «ألبيرق» في هذا المنصب، لتكون مرحلةً جديدةً من تراجع سياسات السوق الحر، وتقويض استقلال البنك المركزي؛ ليكون محل وزير المالية «ناسي أغبال»، وعليه فقد تأثرت العملة الوطنية بشكل كبير تمثلت في انخفاض الليرة من 3.8% إلى 4.7488% مقابل الدولار.

الأمر الذي أثار قلق المستثمرين بشكل كبير؛ لأن القيادة السياسة الجديدة انتهجت سياسات نقدية من شأنها زيادة معدلات التضخم وعجز الميزانية؛ نتيجة الضغط السياسي على البنك المركزي، لتخفيض سعر الفائدة، ظنًا منهم أنه سيكون دافعًا لمواجهة التضخم، وزيادة الاستثمارات الخارجية. 

والجدير بالذكر؛ أن أردوغان قد أعرب مرارًا عن نيته التحكم في الاقتصاد بشكل كبير، فور إجراء الانتخابات الرئاسية، متعهدًا بخفض سعر الفائدة، مستغلًّا النمو الاقتصادي، الذي شهدته أنقرة في العام الماضي بشكل أسرع من الصين(1).

كما أدت القرارات السياسية الخاصة بإعادة هيكلة الاقتصاد التركي وفقًا للرؤية الأردوغانية، إلى تأثيرات سلبية على معدلات النمو الاقتصادي بجانب تراجع قيمة السندات السيادية التركية وفقًا لقيمتها بالدولار، كما واصلت في الانخفاض، فعلى سبيل المثال انخفض الإصدار المستحق في 2045 بمقدار4.3 سنت إلى 87.2 سنت، كما تراجع إصدار السندات الدولية استحقاق 2038 بواقع 3.9 سنت إلى95.87 سنت (2).


مآلات عكسية.. إلى
«الليرة».. والاقتصاد التركي
تعاني العملة الوطنية التركية من حالة تدهور، وتعد من بين أسوأ عملات الاقتصادات الصاعدة أداءً خلال عام 2018، فضلًا عن تراجع سعر الصرف بأكثر من 15%، وذلك في إطار الإدارة السياسية الضاغطة على الاقتصاد الوطني بما يدعم توجهاته على الأصعدة كافة، فبرغم من تمكن الاقتصاد التركي من تحقيق معدلات نمو عالية، ونأيه بنفسه عن الأزمة الاقتصادية العالمية التي تعرضت لها الاقتصادات الغربية في 2008، فإنه لم يتمكن الصمود، وأخذ في التراجع؛ نتيجة التحكم السياسي في القطاع المصرفي، وذلك منذ 2010، تماشيًا مع النهج السياسي الجديد الذي تقوده النخب الحاكمة.

وفي هذا الصدد؛ تزايدت الديون الخارجية المستحقة للمصارف الأوروبية لتصل إلى ما يقرب من 224 مليار دولار (نحو 200 مليار يورو)، كما تأثرت أسهم تلك البنوك الأوروبية بانهيار الليرة بنسب تتراوح بين 10% و20%؛ بسبب ديونها في تركيا، وهنا يقف البنك المركزي عاجزًا عن تفادي هذه الأزمة؛ لإنقاذ الشركات والمؤسسات التي لم تتمكن من تسديد ديونها الدولارية؛ لأن الاحتياطي التركي من النقد الأجنبي معظمه احتياطي من الذهب، برغم أنه يصل إلى 135 مليار دولار(3).

ختامًا؛ يبدأ «أردوغان» سياساته الجديدة وفقًا لقواعد النظام السياسي الرئاسي بترسيخ هيمنته على جميع مؤسسات الدولة التركية ومقدراتها بما يتوافق مع توجهاته الداخلية والخارجية، تزامنًا مع تطويق المعارضة الداخلية، وقمعهم باعتبارهم من مؤيدي الانقلاب، وراغبين في إزاحته من الحكم، وعليه فإنه يعد من القيادات السياسية التي تستمد شرعيتها الداخلية من تنامي الصراعات على الأصعدة كافة، التي من شأنها تعزيز تدخله فيها؛ ليكون بذلك القائد العظيم الذي استطاع تحول بلاده من دولة متوسطة هامشية إلى دولة مركزية فاعلة في النسق العالمي. 

لذا لم تكن الأزمة الاقتصادية التي يواجهها الاقتصاد التركي وليدة اللحظة، ولكنها كانت كامنة منذ 2011 واستمرت مع تحركاته الخارجية الداعمة لإعادة التمركز والانتشار للسيطرة العثمانية على المنطقة العربية، مستغلًّا حالة عدم الاستقرار، كما حاول الرئيس التركي أن يتدخل في الأزمات العربية بشكل مباشر عبر المزج بين الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية لتأمين مصالحه؛ الأمر الذي انعكس بشكل سلبي على الاقتصاد التركي، تمثل في هروب العديد من الاستثمارات الأجنبية خارج البلاد. 

بجانب تراجع العلاقات الاقتصادية مع الدول الخليجية إبان الأزمة مع قطر، فقد اختار «أردوغان» الاصطفاف إلى جانب الدوحة مدعمًا سياساتها بكل الإمكانيات(4)، كما تعد الضربة القاصمة للاقتصاد التركي في المستقبل القريب في السيطرة السياسية على السياسات النقدية والاقتصادية، والتي ستؤثر بشكل عميق على معدلات النمو والناتج الإجمالي؛ ما سينعكس على الشارع التركي، الذي أصبح في مرمى سياسات أردوغان الديكتاتورية. 

المراجع: 
1- Constantine Courcoulas، "Turkish Lira Slumps as Erdogan Names Son-in-Law as Economy Chief"، 972018، Bloomberg.
2- «الاقتصاد التركي ينقلب علي صهر أردوغان»، 1172018، الأهرام المسائي.
3- (الاقتصاد التركي.. أرقام «ضخمة» تثير مخاوف المستثمرين)، 3152018، سكاي نيوز عربي.
4- محمود حسن، انهيار تاريخى لـ«الاقتصاد التركى»، 2252018، اليوم السابع.
"